الرئيسية » مقالات » المعنى القانوني للاستثمار والمفاهيم المرتبطة به

المعنى القانوني للاستثمار والمفاهيم المرتبطة به

سنحاول في هذه الورقة الوقوف على المعنى القانوني للاستثمار ومن ثم نتوقف عند بعض المفاهيم المشتقة منه او المرتبطة به وذلك من خلال الفقرتين الاتيتين:-
اولاً:- المعنى القانوني للاستثمار
إذا كان الاقتصاديون لم يتفقوا على تعريف جامع مانع للاستثمار، فأن القانونيين لم يكونوا بأوفر حظاً منهم في ذلك، إذ تعددت التعريفات بين تشريعي وفقهي وبين من عرفه بصورة عامة ومن اقتصر في تعريفه على بعض أنواع الاستثمار. وتأسيساً على ذلك سنحاول الوقوف على التعريف الفقهي أولاً، ومن ثم على التشريعي ثانياً:
أ‌- التعريف الفقهي
لم يتفق الرأي عند الكتَاب والباحثين حول تعريف مفهوم الاستثمار، إذ نرى أن البعض قد عرف الاستثمار بصورة عامة ونجد إن البعض الآخر قد عرف أنواع الاستثمار في حين ركز بعض التعريفات على الشركات التي تضطلع بمهمة الاستثمار وآخرون اعتمدوا على المفهوم الاقتصادي له.
وكيف كان، فقد عرف البعض الاستثمار بأنه قيام الشركة بتوظيف أموالها في تكوين حوافظ من القيم المنقولة[1]، والمقصود من الحوافظ جمع المحفظة الاستثمارية التي تتكون من مجموعة الأوراق المالية (الأسهم والسندات). وهذا التعريف لا يمكن التسليم به إذ لا يقتصر مجال الاستثمار على الأوراق المالية كما سوف ترى، فهو تعريف أخص من المطلوب.
ويعرفه البعض بأنه الأموال المنقولة وغير المنقولة التي تهدف إلى إنشاء او التوسع في مشروع قائم[2]. وهذا كسابقه لا يستقيم قانوناً، إذ انه عرف الاستثمار بوسيلته وهي الأموال في حين ان الاستثمار عمل معين يتم فيه استخدام الأموال. هذا فضلاً عن ان الأموال ليس لها إدراك حتى تهدف إلى إنشاء مشروع معين.
ويرى البعض ان الاستثمار لا يخرج عن كونه حبس أرصدة حاضرة بغرض الحصول على عائد مستقبل في صورة دخل أو على هيئة زيادة في رأس المال الذي يُحبس[3]. بيد ان هذا التعريف اقرب إلى المفهوم الاقتصادي منه إلى القانوني فضلاً عن ان حبس الأرصدة لا يستتبعه الحصول على العائد حتى لو كانت هناك نية للمالك بالحصول على العوائد مادام لم يقترن بنشاط اقتصادي معين، كما ان الاستثمار لا يقتصر على النقود كما يفهم من كلمة “ارصدة” بل يشمل الأموال مطلقاً المنقولة وغير المنقولة.
ب‌- التعريف التشريعي
أوردت بعض قوانين الاستثمار في نصوصها تعريفات للاستثمار بصورة أو بأخرى وأن كنا نؤمن بأنه ليس من وظيفة المشرع إيراد التعريفات بين طيات نصوص القوانين وذلك لأكثر من سبب منها:-
1- ان مهمة بيان التعريف موكولة للفقه، فعمل الفقيه هو استخلاص النظريات وبيان المفاهيم وتأطير وتأصيل الظواهر القانونية.
2- اختلاف التعريفات بحسب اختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى المفهوم المراد تعريفه.
3- صعوبة أن لم نقل استحالة الإحاطة بالمفاهيم إحاطة تامة، بحيث يتعذر غالباً على المشرع ان يضع حدوداً للمعنى او المفهوم سواء كان حداً تاماً لجميع ذاتيات المُعرَّف او حداً ناقصاً لبعض ذاتيته وأركانه. وخير شاهد على ما نقول تطور المفاهيم والتعريفات بمرور الزمن مما يكشف قطعاً بأن التعريف السابق لم يكن جامعاً ولا مانعاً، فعلى سبيل المثال اراد المشرع في المادة (5) من قانون التجارة العرقي رقم (30) لسنة (1984) حصر وتحديد مفهوم العمل التجاري، إلا أنه بعد مرور مدة زمنية ظهرت أعمال جديدة لم تكن مركوزة في ذهن المشرع عند وضع التشريع، كالعمل المنصب على بطاقات الائتمان وهو عمل تجاري مسلم به فقهاً وقضاءً وحتى تشريعاً عند من نظم احكام هذا العمل.
وكيف كان، فأن قانون الاستثمار العراقي يعرف الاستثمار في الفقرة (ن) من المادة الأولى بقوله ((الاستثمار هو توظيف المال في أي نشاط أو مشروع اقتصادي يعود بالمنفعة المشروعة على البلد)).
ويمكن ان نورد بعض الملاحظات على هذا التعريف وهي:-
الملاحظة الأولى:- ان هذا التعريف مقتبس من التعريف الاقتصادي، إذ ان الاستثمار في علم الاقتصاد هو توظيف الاموال لمدة معينة في نشاط معين كما مبين سابقاً.
الملاحظة الثانية:- ان محل الاستثمار هو النشاط او العمل الذي يرد عليه. والملحوظ هنا ان المشرع أورد عبارة (نشاط أو مشروع اقتصادي) وهذان الاصطلاحان في الفقه التجاري يردان بمعنى واحد أي انهما مترادفان[4]. بيد أنه قد يحتمل ان المشرع يفرق بينهما، ولعل السبب هو إيراد حرف العطف (أو) والعطف عند اهل اللغة للمغايرة اي ان ما قبل حرف العطف يختلف عن ما بعده، بيد ان هذا الاحتمال يندفع بالرجوع إلى الفقرة (ز) من نفس المادة التي تعرف المشروع بأنه نشاط اقتصادي.
لكن الاشكال على المشرع يبقى قائماً ولكن من جهة التزيد في الالفاظ ما دام ان القانون قد بين ذلك، وعليه كان من المفروض ان ترد أما لفظة النشاط أو المشروع.
الملاحظة الثالثة:- هل الاستثمار صفة للشخص الذي يقوم بالنشاط الاقتصادي أو صفة للبلد المتلقي للاستثمار أو لهما معاً ؟ وهذا ما لم يبيٍنه التعريف.
فقد يقال ان الاستثمار صفة للمستثمر فقط، ويرد عليه ان تشريع قوانين الاستثمار اساساً لمصلحة البلد. وقد يقال ان الاستثمار صفة للبلد المتلقي فقط، وهذا خلاف الواقع وما استقر عليه الفقه من ان الشخص الذي يزاول احد مجالات الاستثمار وفق قانون الاستثمار يُعد مستثمراً. ومن هنا يمكننا القول ان الاستثمار صفة قائمة في الطرفين معاً، لأن توظيف المال يكون منهما معاً فالمستثمر يقدم اموالاً مادية كالآلات ومعنوية كالخبرات والبراءات والبلد يوظف المال كتخصيص العقار للمستثمر. فالاستثمار لفظ يطلق وقد يراد به نشاط المستثمر أو نشاط البلد وتعاقده مع المستثمر. ولعل ما يؤيد وجهة نظرنا هذه تذييل التعريف بعبارة (يعود بالمنفعة المشروعة على البلد) فكل عمل يقوم به اي شخص إذا لم تكن الثمرة النهائية له تحقيق منفعة للبلد لا يسمى استثمارا طبقاً لقانون الاستثمار، وحسناً فعل المشرع عندما قيد التعريف بهذه العبارة، إذ يكون للتعريف مفهومان موافق ومخالف، والمفهوم الموافق هو ان الاستثمار عبارة عن توظيف المال في النشاط الاقتصادي بالشكل الذي يحقق مصلحة البلد وبالتالي يكون المستثمر متمتعاً بالمزايا والضمانات المنصوص عليها في القانون، والمفهوم المخالف هو توظيف المال في نشاط اقتصادي بالصورة التي لا تحقق مصلحة البلد وهذا ما لا يمكن شموله بقانون الاستثمار مطلقاً.
وفي القوانين العربية نجد بعض التعريفات قد اقتصرت على الاستثمار الأجنبي مما يعني استبعاد ما يقوم به المستثمر الوطني من نطاق قانون الاستثمار، ومنها ما أورد تعريفاً عاماً للاستثمار الأجنبي والوطني[5].
ثانياً:- المفاهيم المرتبطة بالاستثمار
ترتبط بالاستثمار كمفهوم قانوني واقتصادي بعض المصطلحات التي أوردتها قوانين الاستثمار نرى من الضروري توضيحها استكمالاً للبحث وهي كما يأتي:-
1- المــــستثمر
المستثمر يمثل قطب الرحى الذي تدور حوله عملية الاستثمار، فبقدر ما يكون المستثمر ناجحاً وكفوءاً تكون العملية الاستثمارية ناجحة وبالنتيجة تتحقق منفعة البلد. وقد عرف قانون الاستثمار العراقي المستثمر الأجنبي بالإضافة إلى المستثمر العراقي وهذا يدل دلالة لا لبس فيها على ان القانون يشمل عمليات الاستثمار التي تبرم مع المستثمر الاجنبي والوطني على حدٍ سواء، فهو قانون للاستثمار بوجه عامٍ من هذه الجهة. وهذا بخلاف ما نهجه بعض التشريعات العربية الذي اقتصر شموله على المستثمر والاستثمار الاجنبي[6].
وعلى أية حال فقد عرف قانون الاستثمار العراقي المستثمر العراقي في الفقرة (ي) من المادة الأولى بأنه ((هو الذي يحمل الجنسية العراقية في حالة الشخص الحقيقي ومسجل في العراق إذا كان شخصاً معنوياً أو حقوقياً)). في حين نصت الفقرة (ط) من نفس المادة على أن المستثمر الاجنبي ((هو الذي لا يحمل الجنسية العراقية في حالة الشخص الحقيقي ومسجل في بلد اجنبي إذا كان شخصاً معنوياً أو حقوقياً)). ويلاحظ على هذين النصين مايأتي:-
1- كان بإمكان المشرع إيراد تعريف موحد للمستثمر عموماً بغض النظر عن جنسيته كي يتجنب التزيد في النصوص الذي لاطائل تحته كما نرى ذلك في بعض التشريعات العربية التي عرفت المستثمر بصورة عامة.[7]
2- استخدم المشرع مصطلحات لم يستخدمها في التشريعات الأخرى[8]، كمصطلح الشخص الحقيقي الذي يعني الطبيعي ومصطلح الحقوقي للدلالة على الشخص المعنوي، وهذا الامر يثير الارباك عند التفسير كان من المفروض تجنبه عن طريق توحيد المصطلح المستخدم للدلالة على معنى واحد.
3- لا توجد ثمرة وفائدة من تقسيم المستثمر على العراقي والاجنبي إلا في بعض الاحكام. لأن المستثمر مطلقاً الخاضع لهذا القانون يتمتع بغض النظر عن جنسيته بجميع المزايا والتسهيلات والضمانات ويخضع للالتزامات الواردة فيه كما نصت على ذلك المادة (10) منه.
2- المشروع الاستثماري
تعرف الفقرة (ز) في المادة الأولى من قانون الاستثمار المشروع بأنه ((النشاط الاقتصادي المشمول بأحكام هذا القانون)). والمقصود بالنشاط هنا مجالات الاستثمار التي حددتها المادة (29) بأنها جميع المجالات عدا الاستثمار في النفط والغاز والمصارف وشركات التأمين.
3- المحفظة الاستثمارية
تعرف الفقرة (م) من المادة الأولى من قانون الاستثمار العراقي المحفظة الاستثمارية بأنها ((مجموعة من الاستثمارات في الاسهم والسندات))[9]. والاسهم والسندات من الاوراق المالية التي تختص الشركات المساهمة بإصدارها، فقيام المستثمر بشراء عدد من اسهم الشركات أو سنداتها يعد استثماراً بالمفهوم القانوني والاقتصادي على حدٍ سواء، ومجموع ما يملكه المستثمر من اسهم وسندات في عدد من الشركات المساهمة يسمى محفظة استثمارية. والمستثمر الذي يتعامل بهذه الاوراق عادة ما ينوع استثماراته في اعمال مختلفة وذلك لتقليل المخاطر التي قد يتعرض لها بعض النشاطات الاستثمارية من جانب، ولزيادة العوائد والارباح المتأتية من مجمل هذه النشاطات من جانب ثاني[10].
4- صناديق الاستثمار
صندوق الاستثمار شكل من اشكال شركات الاستثمار، وهو عبارة عن شركة استثمار تقوم دورياً بإصدار اوراق مالية[11]،ومن ثم استرداد اقيامها. والقصد من هذه الصناديق هو توظيف واستثمار المدخرات في مجال الاوراق المالية. والملاحظ هنا ان قانون الاستثمار العراقي لا يعرف صناديق الاستثمار ولا قانون الشركات رقم (21) لسنة (1997) المعدل رغم أنه قد نص على شركات الاستثمار المالي التي لا تختلف من حيث المضمون عن صناديق الاستثمار.
5- نوادي الاستثمار
نادي الاستثمار عبارة عن جماعة من المستثمرين يتم إنشاؤها داخل التجمعات الاجتماعية المختلفة كالأندية الرياضية والنقابات تستهدف الاستثمار في الاوراق المالية، وتقوم هذه النوادي لتشجيع صغار المدخرين الذين تجمع بينهم وحدة العمل على الاستثمار في الاوراق المالية عن طريق مدخرات صغيرة منهم بصفة دورية توجه لشراء اوراق مالية[12].
* مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
www.fcdrs.com
……………………………………..
[1] د. عبد الفتاح مراد – موسوعة الاستثمار – دون مكان وسنة الطبع – ص 119
[2] د. صفوت احمد عبد الحفيظ – دور الاستثمار الاجنبي في تطوير احكام القانون الدولي الخاص – دار المطبوعات الجامعية – الاسكندرية – 2005 – ص 21
[3] اشار إليه استاذنا عوني محمد الفخري – التنظيم القانوني للشركات متعددة الجنسية والعولمة – بيت الحكمة – بغداد – ص 83
[4] استاذنا د. باسم محمد صالح و د. عدنان احمد ولي العزاوي – القانون التجاري – الشركات التجارية – بيت الحكمة – بلا سنة – ص 23. د. لطيف جبر كوماني – الشركات التجارية – دراسة قانونية مقارنة – الجامعة المستنصرية – 2006 – ص 25. د. سميحة القليوبي– الشركات التجارية – الطبعة الرابعة – دار النهضة العربية – 2008- ص 30.
[5] منها قانون تنظيم استثمار رأس المال الاجنبي في النشاط الاقتصادي القطري رقم (13) لسنة 2000 إذ تنص الفقرة (د) من المادة الاولى منه على ان الاستثمار الاجنبي رأس المال الاجنبي المستثمر في احد الانشطة المسموح بها وفقاً لاحكام القانون، ومنها قانون تنظيم الاستثمار المباشر لرأس المال الاجنبي في دولة الكويت رقم (8) لسنة 2001 في مادته الاولى التي تعرف الاستثمار بأنه توظيف راس المال الاجنبي في نشاط مرخص فيه طبقاً لاحكام هذا القانون، وقريب جداً من هذا المفهوم تعريف نظام الاستثمار الاجنبي السعودي لسنة 1421 هـ في مادته الاولى. بيد ان قانون تشجيع الاستثمار الفلسطيني رقم (1) لسنة 1998 قد اورد تعريفاًعاماً للاستثمار الوطني والاجنبي إذ عرفته المادة الاولى بأنه انفاق مالي فعلي لتكوين المشروع (رأس المال الثابت) من جانب المستثمر في المشروع سواء كان مشروعاً حديثاً او قائماً اصلاً.
[6] كقانون تشجيع استثمار رؤوس الاموال الاجنبية الليبي رقم (5) لسنة 1426هـ وقانون تنظيم الاستثمار المباشر لرأس المال الاجنبي الكويتي رقم (8) لسنة 2001 وقانون تنظيم استثمار رأس المال الاجنبي في النشاط الاقتصادي القطري رقم (13) لسنة 2000 ونظام الاستثمار السعودي لسنة 1421هـ.
[7] فقد عرفته الفقرة (هـ) من المادة الثانية من قانون الاستثمار السوري رقم (10) لسنة 1991 بأنه ((الشخص الطبيعي او الاعتباري الذي يحصل على ترخيص باقامة مشروع وفق احكام هذا القانون)) وقريب منه تعريف قانون الاستثمار الفلسطيني في المادة الاولى وتعريف قانون الاستثمار الاردني رقم (68) لسنة 2003 في المادة الاولى.
[8] يستخدم المشرع العراقي في القوانين العراقية لفظ الشخص الطبيعي للدلالة على الانسان ولفظ الشخص المعنوي للدلالة على الدولة والشركات والجمعيات ونحوها. ينظر في ذلك الفصل الثاني المادة (34) والمادة (47) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951. وينظر المواد (4-5) من قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997 المعدل.
[9] لم تعرف القوانين العربية المقارنة المحفظة الاستثمارية.
[10] د. عماد محمد علي العاني – اندماج الاسواق المالية الدولية اسبابه وانعكاساته على الاقتصاد العالمي – الطبعة الاولى – بيت الحكمة – بغداد – ص 75.
[11] الاستاذ خليل الهندي والقاضي انطوان الناشف – العمليات المصرفية والسوق المالية – الجزء الثاني – المؤسسة الحديثة للكتاب – طرابلس – لبنان – 2000 – ص 206
[12] المصدر السابق – ص 62