الرئيسية » شؤون كوردستانية » في أربعينية الشهيد نصر الدين برهك ( ابو علاء )

في أربعينية الشهيد نصر الدين برهك ( ابو علاء )

في الذكرى الأولى لأربعينيتك ، أقف بخشوع على ضريحك قائلاً :
لقد كنت شجاعاً في زمن ذلت فيه الرجولة ، وقل الرجال ، كنت شهماً ، كنت جريئاً ، كنت بطلاً ، عشت مناضلاً ، متّ شهيداً ، اطمئن يا رفيق الدرب ، فنحن على طريقك الذي لم تكمله سائرون :
الحضور الكريم
في بعض المواقف تعجز الكلمة عن القيام بالواجب ، تعجز عن إعطاء بعض الرجال ما يستحقونه من الإطراء والمديح ، تعجز عن التعبير الموازي ، والمساوي لعظمة أولئك الرجال ، تعجز عن الإنصاف والإعطاء والإحاطة بمختلف الجوانب ، عندما يكون الموصوف عظيماً ، عندما تكون المزايا خارقة وخارجة عن دائرة قدرة الكلمة وتمكنها من الوصف والتوصيف ، عندما يكون المعني بها كبيراً في كل شيء ، في البذل والعطاء ، في التسامح والعفو عند المقدرة ، في التعامل اليومي ، في ترجمة الأقوال إلى أفعال ، في الدفاع عن الموقف بأقوى الإيمان ، في الوقوف إلى جانب الحق وإعلاء رايته التي لا تعلو إلا على همم الرجال وشجاعتهم وقوتهم المستمدة من قوة الحق .
كنت عظيماً يا أبا علاء ، متواضعاً عندما يتطلب الموقف ذلك ، شجاعاً وصلباً في مواقف أخرى ، حاملاً هموم شعب ، مثالاً في البذل والتضحية ، جندياً للقضية ، لسان حال الفقراء والمسحوقين والمظلومين ، الأخ الطيب ، والجار الأطيب ، والرفيق الذي يقتدى به ، كنت شمعة أضاءت بنورها ما حولها ، ولكن وا أسفاه !! تمكنت أخيراً رياح السموم من إطفائها بعد أن عاونتها عاصفة الشر وثورة التخلف ، والجهل الأعمى ، والحقد الدفين ، محاولة منها إيقاف عجلة الزمن ، وضبط عقارب الساعة بما يتوافق مع ثورتها ضد الثورة ، وهدفها ضد السير في الاتجاه المعاكس ، ووضع العربة أمام الحصان ، والسير إلى الوراء ، بل فرملة التقدم والتخلف ، ليبقى الحق عند مغتصبيه ، لتبقى الحقيقة مغلفة بغلاف لا ينفذ النور إليها ، ليبقى الغرباء سادة الموقف ، ليستمر هضم الحق ، وإخفاء الحقيقة ، ليبقى الظلم ويخيم الجهل ، ويصمد سواد الليل أمام ضوء الشمس ونور الحق .
يا صاحب المواقف الشجاعة ، كنا بحاجة إليك دائماً ومازلنا ، وعلى الأخص عندما حاول ويحاول ضعاف النفوس ، طمس الحق ، وحرف العربة عن مسارها ، عندما كانت المواقف التي يجب أن تتخذ بحاجة إلى أمثالك لتجنيبها عبث العابثين وكيد الحاقدين واحتكار الحق ، وحرف المسار وتغييره ، ومصادرة الحقيقة ظناً منها أنها نجحت ولو مؤقتاً في تحقيق هدف خبيث وغاية عدوانية ، ومكسب رخيص مقبوض الثمن ، في محاولة يائسة منها الإبقاء على تأخير ثورة الجياع ، وانتفاضة الحرية ، لتبقى دموع اليتامى ، ليستمر عويل النساء ، وبكاء الأطفال ، وآهات اليتامى والأرامل ، ولكن هيهات ، لقد انطلق قطار الحرية ولن يتوقف إلا في محطة الانتصار ، وهبت الرياح العاتية وهي ستقتلع بالتأكيد هذه الشخوص المؤقتة التي عاثت فساداً في الأرض ، وتقتلع هذه الطحالب التي لازالت جذورها سطحية لم تتغلغل كجذورك في أعماق الأرض ، فأنت الشجرة الباسقة ، أنت الجذر المتجذر ، أنت السرو الذي أبى إلا أن يستشهد واقفاً .
هنيئاً لك هذه السمعة الطيبة ، هذه الخصال الحميدة ، هذه الصفات النادرة التي توجتها بوسام الشجاعة ، وأنواط الشهادة ، فالكل أبكاك ويبكيك صديقي وأخي ورفيقي من زورافا المهاجرة إلى عامودا البطلة ، إلى قامشلو الوفية ، وجل آغا المكلومة الثكلى .
لا أبكيك منفرداً سيدي ، لا أعزيك رفيق دربي ، بل سأذهب إلى جبال كردستان الشماء وأعزيها ، إلى الجودي المائل وهو مكلل بثلوجه ، إلى ديركا حمكو وهي تبكي ابنها البار وشهيدها البطل ، وفقيدها الذي غادرها لكنها مازلت منتفضة ، مازالت ثائرة ، لتنتقم من أجلك ، لتثأر لك ، لتعيد الكرامة المهدورة .
لقد أخطأ الجناة سيدي، فهم لم يطفؤوا شمعة ، لم يقتلعوا شجرة ، بل أشعلوا ثورة ، وغرسوا غابات من الأشجار المتنوعة التي لن تبخل علينا طويلاً بثمارها ، فها هي الرياح المنعشة تهب الهوينى لتعيد الروح ، وتسترجع الخضرة ، وتعلن نهاية حقبة السواد ، وبداية فجر جديد ، فجر الحرية والتحرر الذي سيجرف في طريقه كل المعترضات والمعوقات ليعود الحق السليب إلى أصحابه ، لتعود البسمة إلى شفاه فارقتها سيدي ، إنها الحقيقة مهما طال الليل وتكالب الظلام ، فلا بد للأطفال أن يفرحوا أخيراً ، ولا بد للنساء المتشحات بالسواد ، أن تزغرد في النهاية ، ولا بد لليل ان ينجلي ، ولا بد للقيد أن ينكسر ، وستشرق شمس حانية ، شمس دافئة وهي تعيد الطمأنينة والحرارة إلى قلوب أفقدتها ونفوس ظمأى ، إلى الماء الزلال .
كنت شجرة باسقة متجذرة في أعماق هذه الأرض ، ولن تقوى فؤوس الحقد ومعاول الكراهية أن تقتلع جذورك ، فهنيئاً لك سيدي هذا الجود الأعلى ، وهنيئاً لك هذه الشهادة .
والسلام
2/4/2012