الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : عن الشيوعيين والشعر الشعبي

سلاما ياعراق : عن الشيوعيين والشعر الشعبي

 لم يخطر ببالي حدث معين حين قررت أن اشتري شدة “اشياش” كباب من لندن لأدسها في حقيبتي التي ستطير معي للقاهرة. الشيء الوحيد الذي ربما كان بالبال هو أن أفاجئ بها صاحبي أبا يوسف بجلسة “باربكيو” على الطريقة العراقية. ومن القاهرة اكملت شراء ما تبقى من عدة “الشوي”:

منقلة وفحم ومنكاش. لم يبق الا تحديد اليوم الذي نفتتح به الجلسة. قررها صاحبي وأقمناها ليلة السبت الفائت. سألته: عود ليش ليلة السبت؟ رد صاحبي: انها ليلة 31 آذار عيد ميلاد الحزب. لك ما تريد، ومبروك مقدما ايها الشيوعي العتيق.
حين يمر اسم الحزب الشيوعي، بمناسبة او بدونها، يمر ببالي الشعر الشعبي وترتسم في مخيلتي ذكرياتي مع الشعراء الشعبيين. ومسألة ارتباط اسم الحزب الشيوعي بالشعر الشعبي تكاد تشكل ظاهرة عند السلطة وعند الناس ايضا. فالبعثيون يرون كل شاعر شعبي، شيوعيا “وان لم ينتم”. ما كان يخلص من تلك التهمة غير الشعراء التقليديين أو “الكلاسيكيين” كما يسمون. اما شعراء القصيدة الشعبية “الحديثة”، التي كان رائدها مظفر النواب، فتهمة الشيوعية تلاحقهم اينما حلّوا. ومن غرائب الامور ان المهرجانات الشعرية الشعبية العراقية، التي كانت تقام في السابع من تموز كل عام، بدءا من المهرجان الاول عام 1969 وانتهاء بآخرها في العام 1973، صار بعض الشعراء الشعبيين البعثيين، حين يمرون على ذكرها في ايام صدام، يسمونها “المهرجانات الشيوعية”. يطلقون عليها تلك الصفة رغم ان البعث كان يحكم العراق آنذاك وكانت كلها تقام تحت رعاية محافظ المدينة التي تعقد فيها. اعتقد انهم سموها كذلك لانها كانت خالية من التطبيل والمديح والإسفاف الذي طغى على مهرجانات الشعر الشعبي مع بداية العام 1980.
كنت أحدث صاحبي الشيوعي عن تلك المهرجانات وهو “يهفّي” على الفحم ويراقب “اشياش” الكباب عن كثب خوف ان لا يتساقط اللحم من احداه . كان يقلبها بخفة وحرص شديدين. لا ادري سر تلك المتعة التي نشعر بها حين نراقب شيش الكباب يتقلب على الفحم المتوقد. ربما هي المتعة ذاتها التي كانت تقف وراء تأليف معزوفة “شيش كباب” الجميلة.
كان أبو يوسف قد حضر المهرجان الاول الذي عقد بالناصرية. وما زال يحفظ كثيرا من قصائد ذلك المهرجان. ورغم عيده، لم يخفِ ألمه وحزنه لتعرض مقر جريدة حزبه للمداهمة من قبل قوات امن الحكومة. جر حسرة وقال: مو صوجهم. لعد صوجمن؟ دعني اقرأ لك شيئا مما قاله الشاعر الشيوعي عبد الواحد معلة في قصيدة “الخرانيب” التي قرأها في مهرجان الناصرية الاول، فقد تعرف منها “صوجمن”:
من ايدي ويا ذنب تجنيه الايام
شيجني السكه العوسج والخرانيب؟
آنه وما ســــــواي بهاي ينــــلام
جـي ما أثّــرت بيّـــه التجــــاريـــب
غير يكون وحده ثنين وتصير
عبـره واعتبر واصحه الزماني
غير يكون اكوم احسن التدبير
واخلّــي هـــاي ترجيّـــه بإذانــــي
غير يكون عندي يصير تفكير
واعــي وأحــذر من اللي جواني
كل هذا وانه ساهي الفكر خام
بوهم حدار نوب ونوب تغريب
للخطه نكدت مرصرصي ونام
الجـه وصــرت مطمــع للواعيـــب
وللكلام بقية.