الرئيسية » مقالات » الإيمو، الوجه الآخر للحملة {الوطنية} لتدمير الدولة العراقية(3-3)

الإيمو، الوجه الآخر للحملة {الوطنية} لتدمير الدولة العراقية(3-3)




لم أرغب في أول الأمر الكتابة حول ما يسمى بقضية (الإيمو)، إذ اعتقدت أنها مسألة عابرة وتنتهي بسرعة. ولكن مع الأيام أخذت الإشاعة تتسع حتى صارت وكأنها حقيقة لا جدال فيها بحيث أشغلت وسائل الإعلام، والسياسيين، ورجال الدين، ومنظمات المجتمع المدني لأسابيع عديدة، بل وحتى نوقشت في إحدى جلسات البرلمان حيث حصلت فيها سجالات حادة أتهم فيها بعض النواب الحكومة بالتستر على هذه “الجريمة البشعة” لتغطي فشلها!! وقد بلغ تهويل هذه القضية في الإعلام العراقي إلى حد أنها صارت هي الأخرى كغيرها من الإشاعات، مثل حكاية (ثياب االإمبراطور الجديدة) فمن لا يصدقها فهو غبي وقليل الذوق!!

ومن متابعة هذه القضية منذ ظهورها لأول مرة في صحيفة المدى، وما نشر عنها من أخبار ومقالات على مواقع الانترنت فيما بعد، نعرف أن هذه الحملة هي الأخرى لعبة ضمن الحملات الكثيرة لإرباك الوضع، وإشغال المسؤولين، والرأي العام العراقي بمشاكل أقل ما يقال عنها أنها وهمية، وهي من صنع جهات تختلق هذه المشاكل والأزمات لأغراض سياسية معروفة، وكأن الشعب العراقي لا تكفيه المشاكل الحقيقية التي تنغص عليه حياته، مثل الإرهاب، والفساد، والبطالة ونقص الخدمات وغيرها. لذلك، رأيت من المفيد التصدي إلى هذه الإشاعة السامة ولو متأخراً، وتنبيه الرأي العام العراقي من مخاطرها، وفضح الجهات التي تقف وراءها في معامل صنع الإشاعات التي غرضها تشويه سمعة عراق ما بعد البعث الفاشي.

ولم يتوقف الأمر عند الإعلام العراقي، بل تجاوزه إلى الإعلام العالمي، ومنه مؤسسة البي بي سي التي نشرت عدة تقارير عنه، نقتبس الفقرة التالية من أحدها لمراسلها في بغداد السيد رامي رحيّم، في 18 مارس/ آذار، 2012، جاء فيه:
“أجمعت منظمات حقوقية، ومرجعيات دينية، وشخصيات سياسية في العراق على إدانة موجة من العنف موجهة ضد شبان يوصفون بأتباع ظاهرة “الإيمو”. وجاء سيل الإدانات بعد أن تداولت وسائل الإعلام هنا – وعلى مدى أسابيع متواصلة- أنباء عن مقتل عشرات الشبان الذين يطولون شعرهم ويرتدون ملابس ضيقة يغلب عليها اللون الأسود، وذلك عن طريق سحق رؤوسهم بالحجارة. وبات هؤلاء يعرفون بالإيمو، وهو تعبير غربي المنشأ يشير إلى محبّي نوع معين من موسيقى الروك. لكن اختلاط المفاهيم أدى إلى ربط الإيمو بالمثليين حينا، أو عبدة الشيطان ومصاصي الدماء حينا آخر. واختلفت التقارير حول عدد الضحايا، لكن الأرقام المتداولة تراوحت بين ثمانية وخمسين شابا وأكثر من مئة. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن معظم المعنيين لم يتمكنوا من التأكد إلا من حالة واحدة، وحتى هذه الحالة لا يزال يلفها الغموض.” أنتهى.(1)

لا شك أن كلمة (الإيمو) غريبة على العراقيين، لذلك لم أعرف معناها في البداية، ولكن تبين فيما بعد وكما كتب العارفون عنها، أنها مشتقة من الكلمة الإنكليزية (Emotional) أي العاطفي، وأنها حالة نفسية نفسية عاصفة يمر بها شباب في عمر المراهقة، تتصف بسلوكيات غريبة عن المألوف الاجتماعي في ارتداء الملابس وإطالة الشعر…الخ.

رافق الحملة نشر صور بشعة لضحايا بأجساد ممزقة، ورؤوس مهشمة، كما وبولغ في عدد الضحايا. والمعروف أنه ليس هناك شحة في صور الأجساد الممزقة في العراق بسبب عمليات الإرهاب البعثي-القاعدي، وما أكثرها فراحوا يستعيرونها وينشرونها على أنها صور ضحايا الإيمو، مما اضطر رجال الدين إصدار فتاوى بتحريم قتلهم أو إلحاق الأذى بهم. كذلك صدرت بيانات من قادة مليشيات ومنظمات سياسية تبرئ نفسها من قتل الإيمو وتدينه!! ولكن عندما تستفسر من العراقيين في الداخل والخارج فيما إذا شاهدوا هذه الظاهرة أو عثروا على جثة قتيل لهذه الأسباب، فإنهم ينفون علمهم بذلك، فقط يشيرون إلى ما تنشره وسائل الإعلام. إذ كما جاء في تقرير مراسل بي بي سي: “… فإن معظم المعنيين لم يتمكنوا من التأكد إلا من حالة واحدة، وحتى هذه الحالة لا يزال يلفها الغموض.”

وأخيرا نشر تقرير على موقع (عراق القانون) يوم 9/3/2012، بعنوان: [“الايمو”: الداخلية نفتها و المدى اثارتها وحيدر المله اوصلها الى مجلس النواب]، جاء فيه: “وزارة الداخلية العراقية ترى “ان الاعلام هو من ضخم المسألة في اشارة الى أن فخري كريم زنكنه ومن وراءه من حيدر الملا الى الجاف هم من ضخم المسألة وهي ملفقة من الأساس، لم تسجل أية حالة قتل على هذا الأساس، بل إن القضية ضخمت وأخذت أكثر من مداها الطبيعي.”](2)



ولدي صورة لشباب مراهقين أدعى ناشروها أنها لشباب الإيمو العراقيين. ولكن عندما تتأمل في وجوههم لم تجد فيها أية ملامح عراقية، بل هي أقرب إلى ملامح شباب جنوب شرق آسيا. ويمكن الإطلاع على البعض من هذه الصور عن طريق غوغل.

ومن كل ما تقدم، أعتقد أن ما يسمى بـ”قضية الإيمو في العراق” هي قضية مفتعلة وملفقة، وراءها شخصيات إعلامية وسياسية، غرضها تشويه سمعة العراق، خاصة وقد تزامنت مع قضية طارق الهاشمي، والاستعدادات لعقد مؤتمر القمة العربية في بغداد، في محاولة منهم لإعطاء صورة سيئة عن العراق، وانطباع أن المسؤولين العراقيين غير مؤهلين لاستضافة هكذا مؤتمر دولي وحتى لحكم بلادهم.

من المؤسف القول أن العراق صار بلد الإشاعات السامة والهدامة التي معظمها يتم صنعها على أيدي أبنائه من الذين يدعون الوطنية، وقد تطرقنا مع غيرنا إلى خطورة هذا الموضوع، وقد ساعدت تكنولوجية المعلومات على صناعتها ونشرها بسرعة البرق. كان يطلق على الصحافة (السلطة الرابعة) وذلك لما لها من واجب حضاري نبيل، وتأثير إيجابي على الحكومة والشعب، ولكن وللأسف، خان بعض الإعلاميين مهمتهم النبيلة هذه، فبدلاً من البحث عن الحقيقة وتنوير الرأي العام، سخروا إمكانياتهم لصناعة الإشاعات المغرضة لتضليل الناس. فنحن حقاً نعيش في عهد (سلطة الإشاعات الرابعة) على حد تعبير الأستاذ حسن حاتم المذكور(3).

والأكثر إيلاماً، أن هناك قطاع لا يستهان به من المجتمع العراقي له الاستعداد لتصديق الإشاعات ومهما كانت مخالفة للعقل السليم. ففي كل يوم ينقل لنا البريد الإلكتروني، ومواقع الانترنت مقالات وتقارير ملفقة معظمها لكتاب بأسماء مستعارة تنشر الأكاذيب ضد هذا المسؤول السياسي أو ذاك ومن طائفة معينة، وإذا ما قلت لهم أن هذه الأخبار ملفقة ومناقضة للعقل، اتهموك على الفور بأنك انقلبت على مبادئك وصرت من كتاب السلطة!!. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قرأت قبل يومين “تقريراً” أن وزير التعليم العالي أصدر أمراً بإلغاء بحوث الدكتوراه في الجامعات العراقية لأن أحد طلبة الدكتوراه اكتشف في دراسة له أن المالكي أفشل رئيس وزراء في تاريخ العراق. فيا عزيزي القارئ، إذا صدقت هذا الخبر فأنت وطني غيور، وإذا أنكرته، فأنت في جيب المالكي وعميل له. خبر آخر يتنقل منذ أشهر مفاده أن ابن المالكي أشترى فندقاً في سوريا بمئات الملايين من الدولارات من ثري عراقي، وأول عمل قام به هو أن فصل جميع العراقيين العاملين في الفندق وعيَّن مكانهم إيرانيين وباكستانيين!. وإن لم تصدق فأنت في جيب المالكي… ولله في أمره شؤون وشجون!!

والسؤال الذي نود طرحه هو، إذا كان هؤلاء الإعلاميون الذين اخترعوا قصة الإيمو وغيرها من إشاعات، ونتوقع المزيد من أمثالها في قادم الأيام، إذا كانوا حقاً مخلصين لوطنهم العراق، وحريصين على أرواح شبيبته، أما كان الأجدر بهم توفير هذه الإمكانيات والطاقات الفكرية والإبداعية لمواجهة مشاكل اجتماعية حقيقية تنخر في كيان المجتمع العراقي مثل ما يسمى “جرائم الشرف” والتي تذهب ضحيتها آلاف النساء الشابات سنوياً؟ إذ تفيد الأنباء أن في إقليم كردستان وحده أكثر من 800 فتاة سنوياً يلاقين حتفهن عن طريق الانتحار حرقاً، والحقيقة أن أقربائهن هم الذين يقومون بقتلهن بسبب علاقات مع الجنس الآخر، أو حتى مجرد إشاعات عن علاقات غير مؤكد تعتبر مخلة بشرف العائلة وفق عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة، والادعاء بأنهن انتحرن بإحراق انفسهن ليتخلص القتلة من العقاب. أقول، أما كان الأجدر بالصحافة العراقية أن تواجه هذه المشاكل وأمثالها من الآفات الاجتماعية بشجاعة، وتشن عليهاً حملة تثقيفية لبث الوعي التقدمي الإنساني، بدلاً من اختراع مشاكل وهمية مثل مشكلة الإيمو تشغل بها الشعب العراقي ومؤسساته الأمنية والسياسية والاجتماعية؟ لا بد أن هؤلاء الإعلاميين ستنكشف أكاذيبهم، وبالتالي سيفقدون مصداقيتهم.

عادة يلقي الناس اللوم في هذه الحالات على الجهل، ولكن هل هؤلاء الإعلاميون من مخترعي هذه الإشاعات هم جهلاء؟ أعتقد أن المسألة لا تتعلق بالثقافة أو الجهل، فالثقافة سلاح ذو حدين، يمكن استخدامه للخير وللشر، ولكن في العراق هناك أزمة خطيرة اسمها أزمة أخلاق وضمير، وهي أم الأزمات لدى أولئك الذين يوظفون إمكانياتهم الفكرية والكتابية لخدمة الشر بدلاً من توظيفها لخدمة الخير ولمصلحة شعبهم. وحقاً ما قاله الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت… فإن هم ذهبت أخلاهم ذهبوا

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl / الموقع الشخصي
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
مواد لها علاقة بالموضوع
1- تقرير بي بي سي من بغداد، رامي رحيّم: إشاعات عن حملة على “الإيمو” في العراق تنشر الرعب بين الشباب
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2012/03/120318_
iraq_emo_death_campaign.shtml
 

2- “الايمو”: الداخلية نفتها و المدى اثارتها وحيدر المله اوصلها الى مجلس النواب
http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=13963  

3- حسن حاتم المذكور: سلطة الإشاعات الرابعة
http://akhbaar.org/home/2012/02/125249.html