الرئيسية » مقالات » من كتاب : نبضات الذاكرة – مذكرات الدكتور إحسان رؤوف البحراني

من كتاب : نبضات الذاكرة – مذكرات الدكتور إحسان رؤوف البحراني

الطبعة الاولى 2011
وفاة شقيقتي سلوى المحزن والمفاجىء حزيران 1980
في شباط من عام 1980 حدث حادث اغتيال لاحد البعثيين في الكرادة الشرقية من قبل شخص مجهول وحدث ذلك اثناء ذهاب ابن شقيقتي سعد بسيارته الى كلية الطب حيث كان طالبا في الصف السادس ، وهو ابن الدكتور سلمان تاج الدين الاستاذ في كلية الطب وطبيب الاطفال المشهور والذي توفي في حادث قيادته لسيارته في طريق الرمادي – بغداد بعد قضاء اجازة في منتجع الرمادي.
بينما كان سعد يقود سيارته في طريقه الى كلية الطب اعترضه القاتل وشهر مسدسه واوقف سيارته وطلب منه ان يوصله الى مكان بعيد ولم يتمكن سعد من رفض طلبه بسبب تهديدة له ونقله تحت التهديد الى مكان في ضواحي بغداد ، ولما كان سعد من المتدينين شعر انه اذا ذهب الى الكلية قد يلاحق من قبل الامن والمخابرات وقد يلقى عليه القبض وقد يلقى مصيره ، فالتجأ الى احد اصدقائه وبعث لنا برسالة بواسطته الى العيادة موجهة لي ولاخي زهير يشرح فيها ماحصل وبانه بريء مما جرى لانه انسان مسالم .
ظهر ذلك اليوم عند عودتي من المستشقى وبعد تناول الغذاء حاولت ان اخذ قسطا من الراحة فاذا باحد الاقرباء يحضر الى بيتي ويخبرني بان شقيقتي قد اوقفت من قبل الامن . فاتصلت باخي زهير الذي كان يسكن بجواري وقررنا الذهاب لدارها لاستطلاع الامر. عند وصولنا الى الدار والدخول اليه من الباب الخارجي اذا بعدد من المسلحين يهاجموننا بالرشاشات ويوقفونا وهم يصرخون ماذا تفعلون هنا، فرديت عليهم باننا اخوة السيدة سلوى صاحبة الدار جئنا نسأل عنها ، فتعرف علي احد المهاجمين لانه كان سابقا في حراسة صدام وقال لي انت الدكتور احسان . فقلت نعم فطلب من رفاقه عدم التجاوز فدخلنا الدار ووجدنا شقيقتنا سلوى جالسة في احد الغرف وهي تقرأ القرآن كما وجدت طفلا لايتجاوز الثانية عشر واقفا في ركن الغرفة . فقلت لها ماذا جرى فقالت لقد حضروا الى هنا وطوقوا البيت واجبروني على عدم الخروج وكذلك الصبي الذي احضر لي خبزا من المخبز ، وقالوا لي ان ابنك مجرم وقتل احد المسوؤلين الحزبيين في الكرادة . فقلت لهم ماذنبها هي اذا كان هذا صحيحا . فقالوا صدرت الاوامر لنا بحجزها وحجز كل من يدخل الدار ، وانكم ستحجزون معها.
كان رئيسهم فظا ومتجهما وذا وجه كالح فقال لي انكم ستبقون هنا ولا نسمح لكم بالخروج . فقلت له اعطني التلفون لاكلم مدير الامن العام الذي كان فاضل البراك يومئذ ، فرفض فقلت له بصوت عال ان من حقي ان اتصل بأي احد واحملك المسؤولية فأنا استاذ في كلية الطب وأعالج كل المسؤولين والكل يعرفني واخي زهير وطلبت منه ان يتصل بمديره ففعل واخبره المدير ان يسمح لنا بالخروج . بعد ان اطمئنا على شقيقتنا تركناها وهي لاتعلم شيئا عما حدث وماحل بابنها سعد . بعد يوم او اكثر تركوا الدار وعادت شقيقتي الى عملها كأمينة لمكتبة كلية الطب ببغداد وبدورنا سلمنا الرسالة التي بعث سعد الينا في العيادة الى مدير الامن العام فاضل البراك ليطلع عليها.
بعد اكثر من شهر أوقفت شقيقتي سلوى في الامن العام واخبرني بذلك احد الاقارب. فاتصلت بمدير الامن العام فاضل البراك وطلبت مقابلتة مع اخي زهير فذهبنا سويا الى مكتبه في السعدون واستقبلنا وذكرنا له بان شقيقتنا لم تقم بعمل مخل بالقانون ونرجو ان لاتتعرض للاهانة او الضرب فوعدنا بانهم سيجرون تحقيقا معها حول ابنها سعد وخلال يوم او يومين ستخرج ولا يمسها احد بسوء.
فعلا بعد يومين خرجت من الامن العام الى دار شقيقتي الصغرى مها وذهبنا لزيارتها انا واخي زهير واطمأنينا بانها لم تتعرض لاي اهانة او ضرب وانها بصحة جيدة ولم تتناول خلال بقائها في الامن سوى كاس من اللبن ، حيث كانت صائمة وانهم حققوا معها حول ابنها سعد وعلاقاتة واصدقائه.
بعد يومين اتصلت بي شقيقتي مها واخبرتني بان سلوى بدات تتقيأ وتشعر بالغثيان وبدأ شعرها بالتساقط . فذهبت لزيارتها وكانت مضطربة ونبضها سريع وضغطها واطيء فقررت ادخالها الى المستشفى لاجراء فحوص لها . كان ذلك في بداية شهر حزيران من عالم 1980 . استشرت بعض الزملاء ليشاركوني في التشخيص والعلاج ولم يدر في خلدي انها تشكو من تسمم حاد ولكن دخل المستشفى في نفس الفترة عدد من المرضى بأعراض متشابهة
فعرفنا انها حالات تسمم بمادة كيمياوية.
بعد اجراء فحوص مخبرية وشعاعية والرجوع الى المصادر الطبية حول هذه الحالات وجدنا مع بعض الزملاء انها حالة تسمم بمادة الثاليوم وهو سم قاتل لا طعم ولا رائحة له ولا لون ويستعمل لقتل الفئران . ولا يشعر المريض عند اخذه باية علائم ليومين او ثلاثة ثم يبدأ السم مفعوله ويصيب الجهاز العصبي بالدمار ، فيشل وظائف الجسم كافة والاعصاب بصورة خاصة فيصاب المريض بالجفاف الشديد وعسر في التنفس وشلل في الاطراف وفقر في الدم والغثيان وهبوط في الضغط وليس هناك علاج يقاوم هذا السم.
هذا ماحدث مع شقيقتي سلوى اذ اصيبت بكل هذه الاعراض ، عانت كثيرا بالرغم من كل المحاولات التي بذلتها وزملائي لانقاذها ولكن السم كان كمية كبيرة ، حتى غسل الكليتين والتي اجريناها عليها لم تساعد في انقاذها .
فغادرت الحياة بعد عذاب مرير لمدة تزيد على الثلاثة اسابيع. في ايامها الاخيرة سحبت عينة من الدم وارسلتها في حاوية مثلجة بواسطة صديق كان في طريقه الى الولايات المتحدة . فاجري الفحوص عليها هناك في مختبر متخصص في السموم واثبت الفحص وجود مادة الثاليوم بنسبة عالية وقاتلة . هكذا غادرت شقيقتي سلوى الحياة شهيدة الغدر والظلم وبدون ذنب ارتكبته.