الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : الكذب .. أول الغيث

سلاما ياعراق : الكذب .. أول الغيث

للدكتاتورية علامات تنذر الناس بظهورها، مهما اجتهد أصحابها لإخفائها. إنها مثل المطر الذي مهما حاول أن يباغتنا، فلا بد من أن تسبقه علامات “خفيفة” كتراكم الغيوم، أو “ثقيلة” كالرعد والبرق. وان كان التفرد بالحكم والبطش وخنق الحريات العامة والخاصة وتغير طريقة “مشية” الحاكم ونبرات صوته،

هو وبطانته من المقربين، من العلامات “الثقيلة”، فهناك علامات قد تبدو خفيفة لكنها اخطر من الثقيلة. خطرها يكمن في أن كثيرا من الناس لا ينتبه لها ومن بينها الكذب. وإن كان “أول الغيث قطر ثم ينهمر”، فإن أول الطغيان كذب ثم ينهمر. لذا كان شعار ماكنة جوبلز الإعلامية “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” واحد من أهم أسباب صعود هتلر على سلم الطغيان. وكذلك كان الحال مع موسيليني وستالين وصدام وغيرهم من الطغاة.
لقد بدأ صدام خطوته الأولى على طريق الدكتاتورية بكذبة تلتها كذبات. الأولى كانت ادعاء الكشف عن مؤامرة لقلب نظام الحكم قام بها رفاق صدام نفسه بالتعاون مع الأسد الأب، وذبح بها كماً من الرفاق قربانا لبزوغ “شمس” الطغيان. ثم تلتها كذبة أسباب الحرب مع إيران ومن بعدها كذبة دوافع احتلال دولة الكويت، ودوافع الانسحاب منها. قدروا كم من الدماء قد سفكت وحجم الخراب الذي حل بالعراق بفعل تلك الأكاذيب.
هذه الكذبات الكبيرة، سبقتها ورافقتها ولحقتها كذبات أصغر كان الهدف منها غسل أدمغة الناس ليتقبلوا ما هو اكبر. والناس إذا غسلت أدمغتهم فقدوا أهم ما يميزهم عن سائر المخلوقات وهو العقل. فعدي، مثلا، قد فقد بطاقته التموينية يوما. وإحدى أخواته كانت قبل أيام من عرسها حائرة في تدبير ثمن بدلة العرس! كل هذا وعلى الناس أن تصدق!
والحكومة إذا كذبت على الشعب، وفاتت بجيسها، كما يقولون، فاقرأ السلام على الناس والديمقراطية والوطن. إنها لوائح الطغيان والدكتاتورية بلا شك.
واليوم بعد انتهاء مؤتمر القمة، الذي تعطلت حياة العراقيين اليومية من اجل نجاح انعقاده، حيث قطعت الطرق وحشر الناس في بيوتهم وماتت هواتفهم النقالة بين أيديهم ، لم تشكرهم الحكومة ولا أجهزة أمنها على صبرهم بل كذبت عليهم. وزارة الدفاع تقول إن انقطاع شبكات الهواتف النقالة كان لأسباب تقنية وليست أمنية. ومكتب رئيس الوزراء، أو القائد العام للقوات المسلحة كما يحلو لهم وصفه دائما، يؤكد أيضا أن الأسباب تقنية وليست أمنية.
إنه استخفاف واضح بعقول الناس وكذبة لا مبرر لسكوت العراقيين عنها. وهو هوان آخر يضاف لهوان قطع الكهرباء وانتشار الفساد وتفشي البطالة.
لقد انشغلت المحاكم المصرية طويلا بالكشف عمن قطع شبكة الهواتف النقالة يوما واحدا بالقاهرة أثناء تظاهرات ميدان التحرير وأوعدت بالاقتصاص ممن كان السبب. وما زلت أتذكر إصرار الفنان عمار الشريعي على أن قطع الهواتف النقالة لا يقل ضررا عن قطع الماء والهواء عن الناس. فإن كانت الحكومة لا تستحي من الكذب علينا فما الذي يجعلنا نستحي منها؟ فهل سهل الهوان، أم ماذا؟