الرئيسية » مقالات » عبد الله بن يقطر، درس في علم التاريخ

عبد الله بن يقطر، درس في علم التاريخ




اكاد اجزم بان الكثيرين لا يعرفون شيئا عن عبد اله بن يقطر الحميري ولهم الحق في ذلك، لانه مغمور السيرة استشهد قبل وصول الامام الحسين بن علي عليه السلام الى الكوفة، وكان قد ارسله سفيرا عنه فهو موضع ثقته لانه كما يقال عنه (لدة الحسين) اي ولد معه في زمن واحد، ولد قبل الحسين بثلاثة ايام ، وكان ابوه بقطر او يقطر خادما للرسول الاعظم عليه الصلاة والسلام، وكانت امه ميمونة حاضنة للحسين وتقول الروايات بانها لم تكن مرضعة له مع انه يسمى رضيع الحسين الذي له حاضنة اخرى وهي لبابة ام الفضل بن العباس.
تقول الروايات بان الحسين ارسله في جواب كتاب مسلم ، فقبض عليه الحصين بن تميم بالقادسية وارسله الى عبيدالله بن زياد والي الكوفة فساله عن امره فلم يخبره، فطلب منه الصعود الى سطح القصر ولعن (الكذاب بن الكذاب) فصعد القصر فقال: (ايها الناس انا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله لتنصروه) فامر به عبيدالله فالقي من فوق القصرفتكسرت عظامه وبقي فيه رمق، فاتاه عبد الملك بن عمير اللخمي قاضي الكوفة وفقيهها فذبحه بمدية فلما عيب عليه قال: اردت ان اريحه. (الغريب ان رئيسا عربيا كان يلقي بضحاياه احياء من شاهق).
وقد قيل في نصوص اخرى بان امه ميمونة ارضعته مع الحسين بن علي في دار علي عليه السلام كما ارضعته لبابة ام الفضل ويقابل هذا رواية تقول بان الحسين لم يرضع من غير ثدي امه فاطمة وابهام الرسول وريقه، وهذا باب من ابواب الغلو لانه لا عيب في ان يرضع الامام من غير امه وقد رضع قبله الرسول الاكرم من غير امه ، وعندما نقول:ولد معه في زمن واحد يعني بان امه كان عندها حليب على الاغلب وانا لا افهم معنى حضانة امه له بلا رضاعة وقد قيل صراحة انه رضيع الحسين ، ولا عبرة في قولهم بان هذه المصطلحات كانت تطلق للتعميم اما للتبرك او للافتخار بشرف العلاقة مع اهل البيت لان من يقول ان فلان رضيع فلان يعني انهما رضعا من ثدي واحد وعكسه يعني ادعاء كاذب وهو مرفوض.
والرواية التي ذكرتها في بداية المقال فيه تناقض اخر وهو انه كان رسول الحسين الى مسلم بن عقيل ولكنه يقول للناس من على سطح القصر انه رسول الحسين الى الناس ثم قيل بل انه كان حامل كتاب اهل الكوفة الى الحسين وهذا يعني بانه قُتل قبل مجئ مسلم بن عقيل الى الكوفة ، كما قيل العكس بانه كان حامل كتاب الحسين الى اهل الكوفة، وقيل ايضا ان الحسين بن علي بعث بكتابين احدهما مع قيس بن مسهر الصيداوي والاخر مع عبدالله بن يقطر فاعترضه الحصين بن نمير قرب دخوله الكوفة، وقيل في القادسية، فاخرج الكتاب ومزقه، وقيل : بل بعثه الحسين مع مسلم فلما ان رأى مسلم الخذلان من الناس وقبل ان يجري عليه ما جرى بعث بن يقطر الى الحسين ليخبره بالامر الذي انتهى الى القبض عليه، وقيل: بعثه الحسين الى مسلم قبل ان يعلم انه قُتل في حين يذكر الخوارزمي: انه كان آخذا كتابا للحسين فشك في امره مالك بن يربوع التميمي ففتشه وجاء به الى ابن زياد مع الكتاب الذي وجده عنده.
واما الدرس الذي يستفاد من هذه الروايات ابدأه بقولي باني لم اكن اسمع بهذا الرجل طوال حياتي لولا اني كنت في قرية نائية اسمها (امام زين العابدين) تقع جنوب مدينة كركوك حيث يوجد فيها قبران متجاوران احدهما لقنبر والاخر لزين العابدين، ويعتقد العامة بان زين العابدين هو الامام علي بن الحسين السجاد، وهو اعتقاد خاطئ للغاية،وجدت اسم عبد الله بن يقطر هناك على لوحة باسم( خارطة مسير الحسين)فشدني الاسم فعلمت بانه احد سفراء الحسين بعد ان كنت اظن بان مسلم بن عقيل هو السفير الوحيد للحسين الى اهل الكوفة ، وهذا الامر يؤكد بان الحسين توخى الاسباب الموضوعية قبل الخروج الى الكوفة وانه لم يلق بايديه الى التهلكة كما يقول البعض بانه كان يعلم بانه ملاق حتفه في هذه السفرة بالذات والقول بانه كان يسير والمنايا تسير معه هو استنتاج تأكد بعد استشهاده عليه السلام وان الحسين لم يذهب الى العراق بلا دراسة كافية ووافية للوضع فهو لم يصدق كلام شيعته في الكوفة عندما كاتبوه فارسل اليهم ثقته وابن عمه مسلم بن عقيل ورضيعه عبد الله بن يقطر لاستطلاع الخبر والتأكد من صحة دعواهم.
نقطة اخرى في هذا الدرس هي حول اصحاب اللحى من فقهاء التكفير والتضليل الذين مازالوا يفتون بقتل الصالحين وتفجير الابرياء وهم شريحة موجودة على مر التاريخ ومنهم عمرو الازدي او عبد الملك بن عمر او عمير النخعي وقيل اللخمي الذي ارتكب عارا وشنارا باجهازه على جريح كسير محتضر مسلوب السلاح والارادة وقد عيروه في ذلك فقال : انه اراد ان يريحه، ومنذ متى كان وظيفة الفقهاء والقضاة ذبح المخالفين واراحة الجرحى من الالام، ومن امثال هذا القاضي كثير فالخوارج الذين بقروا البطون وكفروا الامة وارتكبوا الكثير من الجرائم كانوا حفظة وقراء للقران الكريم، وكلمة اراحة الجريح وردت في واقعة الطف عندما اثخن الحسين بن علي بالجراح تعالت الاصوات ان هلموا اليه واريحوه اي اجهزوا عليه واذبحوه،فترى اشقاهم يسرع اليه ليريحه ويحز راسه مع باقي رؤوس اصحابه حتى لا تفوتهم فريضة العصر .
ونستفيد من درسنا هذا ايضا بان عبدالله بن يقطر جندي مجهول من شهداء الطف سبق الاخرين الى الشهادة وانه غير معروف للكثير من الناس ولم يذكر التاريخ عنه شيئا كثيرا ولا اعرف له قبرا يزار ولكن التضارب الموجود في الروايات لا يُسقطها جميعا كما هي القاعدة المتبعة وانما يقويها ويثبت على وجود البطل لا سيما وان الاختلافات ليست جوهرية ولا تقلل من شأن الموضوع، ونحن نجد روايات كثيرة في التاريخ الاسلامي حول حادثة معينة تتناقض فيما بينها ولكنها لا تنفي وجود الحادثة، اذن فتعارض الروايات لا تسقط الرواية وعندما يقال في مكان بان عدد جيش عمر بن سعد كان اربعة الاف ويقال في مكان آخر انهم يزيدون على السبعين الفا لا يعني عدم وجود الجيش باي عدد كان.وانها نصيحة لكل من يقرأ التاريخ ان يتمعن في الاحداث لان اكثر ما فيه مدسوس لاغراض مختلفة ، واذكر باننا في الصغر كنا نقرأ التاريخ للمتعة فقط، وكنا نلتهم روايات تاريخ الاسلام لجرجي زيدان ،ونستمتع بكل ما يأتينا من قصص من وحي خياله الواسع ونعتبره جزءا حقيقيا من التاريخ، علما بان جرجي زيدان يدخل مخدع العباسة اخت الرشيد ويختلق قصصا في الحب والغرام والوله والهيام ليستهوي القارئ فقط معتمدا على براعة الاسلوب وسعة الخيال ومثله يفعل من يشاكله من القصاصين وارباب المقاتل والاخبار.
فسلام على هذه الشخصية المغمورة التي لا يعرفها الكثيرون يوم ولد ويوم قتل ويوم يبعث حيا في الشهداء والصديقين.