الرئيسية » مقالات » طريق الشعب هدف أجهزة الأمن والشرطة العراقية

طريق الشعب هدف أجهزة الأمن والشرطة العراقية

حين وجهت التحية والتهنئة للحزب الشيوعي العراقي, قيادة وأعضاءً وأصدقاء, بمناسبة الذكرى الـ 78 لتأسيسه, لم أكن قد سمعت بالاعتداء الغاشم الذي وقع ليلة الاثنين 26/3/2012 على مقر “طريق الشعب ” الجريدة المركزية للحزب ولا عبث القوة المسلحة بأثاث المقر وغرف قادة الحزب واعتقال 12 شخصاً من حماية المقر والعاملين فيه. ولكني كنت قد أشرت بصراحة ووضوح كبيرين إلى ما يلي:
“وعلمتنا التجارب المنصرمة منذ تأسيس هذا الحزب المناضل, الذي انتمى له عراقيات وعراقيون بغض النظر عن قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم وألوان بشرتهم ولغتهم, والذي عبر في برامجه وأهدافه عن مصالح العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين من الناحية القومية, وعن مصالح العمال والفلاحين وبقية الكادحين والمثقفين وفئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الوطنية من الناحية الاجتماعية, وعن مصالح النساء والطلبة والشباب, بأن البدء بمتابعة وملاحقة وقمع الحزب الشيوعي العراقي كانت باستمرار البداية الفعلية لملاحقة وقمع واضطهاد الحركة الوطنية والديمقراطية العراقية ومصادرة الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية التي قادت في المحصلة النهائية إلى هيمنة الاستبداد والقهر وإنزال المزيد من المظالم بمصالح الغالبية العظمى من الشعب وقواه السياسية”.
إن ما جرى في مقر طريق الشعب يعتبر تجاوزاً فظاً على الحياة الديمقراطية والحريات العامة حتى الآن وإساءة كبيرة لحزب وجريدة ديمقراطية من جانب الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية. فهو إجراء لا يبشر بالخير ولا يمكن أن يعزى إلى خلافات وصراعات داخل الحكومة وداخل هذه الأجهزة, بل هو إجراء مصادق عليه من جانب رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة العراقية والمسؤول الأول عن اجهزة الأمن والشرطة وقيادة عمليات بغداد وبقية الأجهزة الخاصة, كما لا يمكن ان يعزى إلى أهمية الحذر والحيطة في هذه الفترة بسبب قرب انعقاد مؤتمر القمة العربية ببغداد, كما لا يمكن أن يعزى إلى تسريب خبر مناهض للحزب الشيوعي بشأن السكراب المركون في سطح بناية طريق الشعب. إنها سياسة رئيس الوزراء الجديدة التي بدأت بمحاولة جادة لقمع واحدة من أبرز الصحف العراقية المعبرة عن مصالح الشعب وسيادة الوطن, وضد واحدة من أبرز القوى السياسية التي ناهضت الحكم السابق وعملت من أجل التغيير وناهضت وما تزال تناهض الإرهاب بمختلف اشكاله والفساد المالي والإداري وتدافع عما تبقى من حرية في البلاد ومن اجل بناء عراق وطني ديمقراطي اتحادي مستقل وموحد, إنها السياسة التي تريد كم الأفواه ونشر الخشية بل الخوف والرعب من إجراءات الحكومة, تماماً كما بدأ صدام حسين بسياسته الأولى التي توجهت مباشرة ضد الحزب الشيوعي العراق ثم أعقبها التوجه ضد كل القوى السياسية الأخرى, وكانت العاقبة واضحة لما حصل لصدام حسين ورهطه. أما الحزب الشيوعي ورغم الجراح الثخينة التي أصيب بها فهو باق وسيبقى قائماً, وكما قال الشاعر الجواهري الكبير
باق وأعمار الطغاة قصار من سفر مجدك ماطر موار
تماما كما كانت تفعل أجهزة الأمن العراقية في زمن صدام حسين: عصبت عيون حراس طريق الشعب واقتيدوا إلى أحد مراكز الشرطة بعد ان اهينوا في المقر ذاته ولم يجر الحديث معهم أو استجوابهم وفرض عليهم التوقيع على وثيقة لا يعرفون نصها. كان عليهم أن لا يوقعوا عليها.
إن هذا الأسلوب ليس فقط غير لائق, كما عبر عنه بيان الحزب, بل هو إساءة كبيرة وتجاوز فظ على حقوق الحزب والحركة الوطنية العراقية وعلى الصحافة العراقية وحرمة دورها. كما إن أجهزة الأمن والشرطة لم تجلب أمراً بالتحري, بل دخلت المقر تحت ستار إلقاء نظرة من على سطح البناية للتيقن من قضية الأمن في المنطقة.
إن توجيه نيران النقد على أجهزة الأمن وحدها أمر غير سليم, إذ ينبغي أن يتوجه صوب رئيس الوزراء الذي أمر أو عرف بذلك ولم يمنعه بل وافق عليه, وإلا لما حصل ما حصل في مقر طريق الشعب.
إن صعاليك النظام ووعاظه القدامى والجدد سيواصلون من جديد الدفاع عن هذا الإجراء التعسفي لحكومة المالكي وأجهزتها القمعية المختصة بملاحقة الشيوعيين والديمقراطيين, كما دافعوا عن ذلك البيان الصادر عن جهاز مخابرات النظام في ملاحقة أعضاء الحزب الشيوعي ونكران صدوره أصلاً. إن هؤلاء الوعاظ الجدد يمارسون سياسة “صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون, بل ولا يفقهون” وهم مستعدون للتجاوز حتى على ابسط المبادئ التي آمنوا بها سابقاً بهدف الإساءة إلى القوى الديمقراطية لأنها تقف ضد التجاوز على الدستور العراقي وعلى الحياة الديمقراطية وحرية الرأي والنشر وضد الطائفية السياسية المقيتة. إنهم مستعدون على قبول قتل هادي المهدي دون أن يعتريهم الخجل من أنفسهم في الدفاع عن القتلة المجرمين لأن هادي المهدي تجرأ وهاجم الحكومة وانتقد سياساتها وطالب بالحريات العامة ومكافحة الفساد والإرهاب والظلم. إنهم بذلك يشاركون القتلة جريمتهم ويشاركون أجهزة القمع قمعهم أدركوا ذلك أم لم يدركوه.
إن احتجاج الحزب الشيوعي وجمهرة من المثقفين العراقيين غير كاف بأي حال, بل يفترض أن يتسع الاحتجاج ليشمل كل القوى السياسية العراقية التي تعلن عن التزامها بمبادئ الحرية والديمقراطية والحريات العامة.
حين كتبت مرة بأن أول الغيث قطر ثم ينهمر المطر, حين جرى اعتداء أجهزة الأمن والشرطة والمرتزقة على المتظاهرين المحتجين, كتب لي أحد الأصدقاء من السياسيين العراقيين المخضرمين والكتاب البارزين قائلاً: يا عزيزي يا كاظم … منذ زمان بدأ المطر يتساقط في العراق والخشية الآن من هطوله الشديد على رؤوس الناس, كل الناس!” كم كان هذا الصديق على حق في ذلك وبخلاف اصدقاء آخرين عقدوا العزم في الدفاع عن إجراءات الحكومة ولو أدت بهم إلى التهلكة والإساءة لتاريخهم النظيف. أنا لا أطالب هؤلاء الناس بالوقوف ضد الحكومة, بل أقول لهم كما يقول المثل الشعبي العراقي ” أگعد أعوج وأحچي عدل مولانا”.
أتمنى على الأحزاب الوطنية والديمقراطية العراقية من كافة القوميات أن تعلن تضامنها مع الحزب الشيوعي العراقي وطريق الشعب وأن تحتج على هذا الإجراء التعسفي الجديد وأن تطالب الحكومة الاتحادية بالاعتذار لطريق الشعب وإعادة ما أخذ من المقر إلى الحزب وتعويضه عن العبث الذي لحق بأثاث المقر وما دمر منه وعدم تكراره ضد أي من القوى السياسية العراقية.
أتمنى على قوى التيار الديمقراطية والمحسوبة عليه أن تعلن رفضها لهذه الأساليب واحتجاجها الشديد ومطالبتها بالاعتذار وعدم تكرار ذلك.
أتمنى على الحركة الديمقراطية في الدول العربية ان تحتج وتشجب ما حصل لطريق الشعب في العراق تحت اية واجهة كانت وضد كل ما يمس الحريات العامة وحرية الصحافة ومحاولات كم الأفواه ونشر الرعب في صفوف الشعب.

28/3/2012 كاظم حبيب