الرئيسية » مقالات » التربية العنيفة وانتاج الإعاقة الاجتماعية

التربية العنيفة وانتاج الإعاقة الاجتماعية

الشك بالآخر بل فقدان الثقة به بل العدوان عليه لفظيا وبدنيا هي من جملة السمات التي تهيمن على السلوك العام لدى شرائح متعددة في المجتمع العراقي المعاصر. هذا السلوك المرضي لم يُعترف به حتى الآن باعتباره ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد كيان المجتمع بأسره وتستدعي الكشف عن جذورها وتتطلب السعي المخلص من اجل مكافحتها.
بخلاف ذلك يتعمد بعض الباحثين التشكيك من بلوغها مستوى الظاهرة على الرغم من تفشيها الواضح في المجتمع ورصد حالاتها الأشد خطرا على مدار الساعة في محلات السكن والعمل والأماكن المزدحمة كما تشي بذلك سجلات مراكز الشرطة وأروقة المحاكم العراقية.
يجمع علماء التربية على فكرة أن المشاعر السلبية التي تنتاب الناس بعضهم ضد بعضهم الآخر وتدعوهم لاحتقار بعضهم بعضا واستعداء بعضهم بعضا ليست هي من قبيل المشاعر التي يتوارثها الخلف عن السلف جينيا إنما هي نتيجة طبيعية للطرق التربوية المذلة التي يتلقونها لاسيما في مرحلة الطفولة سواء في نطاق الأسرة أو المدرسة.
وبحسب قانون السبب والنتيجة فان شخصية الإنسان العراقي المأزومة نفسيا والتي تؤدي به إلى الإصابة المبكرة بالعوق الاجتماعي إذا جاز الوصف لا تعدو عن كونها نتاجا طبيعيا لمنظومة تربوية متخلفة ترى فيه حيوانا يحتاج إلى الترويض والتأديب أكثر من حاجته إلى المحبة والاحترام. وأظهر معالم هذه المنظومة وأشدها تأثيرا بعد مؤسسة الأسرة يتجلى في المكان الذي من المفترض به أن يكون الموضع الأكثر تحصينا ضد شيوع المشاعر السلبية كممارسة أساليب القسوة والاحتقار، والمقصود بهذا المكان هو المدرسة لاسيما في مراحل التعليم الابتدائي.
إن بالإمكان دائما الاستماع إلى قصص مؤثرة يرويها كبار السن تتحدث عن وسائل القسوة والاحتقار التي اتبعت بحقهم في أيام الدراسة الابتدائية بحيث غدت شخصية المعلم مدعاة للخوف والرعب بدلا من صيرورته عنوانا رئيسا من عناوين الألفة والمحبة.
نستطيع أن نكتشف وجود هذا الخوف والرعب من شخصية المعلم حتى في إطار أكثر القصص ميلا للدبلوماسية أو الواردة في سياق احترام شخصية المعلم وتبجيله عن كل عيب ونقص باعتباره أبا رحيما ومربيا فاضلا وشبيها بالأنبياء أيضا.
وليت المعاناة من هذه المحنة تنحصر في دائرة الأجيال التي عفا عليها الزمن إذ ما نزال إلى الآن نستمع بذهول شديد لقصص مأساوية يذهب ضحيتها أطفال صغار ويتولى تنفيذها بعض المعلمين مع الأسف الشديد. وفي هذا الصدد تناولت بعض وكالات الإنباء مؤخرا خبر وفاة احد تلاميذ مدرسة ابتدائية في مدينة العمارة جنوب العراق نتيجة حبسه من قبل معلمته مدة طويلة في دورة المياه! وقد نال هذا الخبر نصيبا كبيرا من النقد والاستهجان أكثر مما ناله من تأكيد وتوثيق غير أن حقيقة شيوع بعض الأساليب التربوية القاسية التي ما يزال يصر على إبقائها رهن الاستخدام بعض المعلمين يدفع باتجاه الإيمان بوجود انتهاكات صارخة ومستمرة في مدارس البلاد تُمارس ضد تلاميذ المدارس الابتدائية لدينا.
إن إصلاح المنظومة التربوية خاصة في مرحلة الدراسة الابتدائية يجب أن يحتل الأولوية القصوى في أعمال أية حكومة تتوخى النجاح في مهامها وتعاني من تدهور العلاقة بين المتعلمين والمعلمين. وعليه فليس مثيرا للاستغراب أبدا أن يتبنى بعض المثقفين العرب رفع شعار سياسي من قبيل ” الشعب يريد إصلاح التربية والتعليم”. وقد يكون من جملة الأمور التي تساعد على تحقيق هذا الإصلاح المنشود فضلا عن الاهتمام بتثقيف المعلم والاجتهاد في تصحيح طرق تفكيره التربوية الخاطئة وحثه على الإقلاع عن إتباع أساليب المحاسبة المبنية على القسوة والاحتقار واستبدالها بأخرى تحفظ للمتعلم هيبته واحترامه لنفسه.. ما يأتي:
• استحداث جائزة ذات قيمة مادية ومعنوية كبيرة تُمنح للمعلم المثالي وهو في هذه الحالة من يحصد الشعبية الأكبر بين أقرانه في صفوف تلاميذ مدرسته بشرط تحقيقه لنسب نجاح لا تقل عن الحدود المقبولة مهنيا.
• تأسيس ملتقيات اجتماعية خارج المباني المدرسية تعمل على جمع ولاة الأمور بالمعلمين ويكون على رأس أهدافها تذليل صعوبات التعلم لاسيما في نطاق التلاميذ من ذوي الطباع الحادة.
إن تحفيز شخصية المعلم على تبني نهج المسامحة وممارسة هذا النهج في حياته اليومية لاسيما في قاعات الدرس كفيل بتخليص المعلم من مشاعره النفسية الضارة. هذه المشاعر التي تنعكس ضررا فادحا على تلاميذه وتحمل بعضهم على مغادرة مقاعد الدراسة مبكرا والضيق الدائم بالعملية التربوية والتعليمية.
إن من شأن إشاعة ثقافة التسامح عند المعلمين تجاه تلاميذهم تمهيد الطريق أمام تنشئة متعلم يُحسن الاقتداء بمعلمه المحبوب ويثق بنفسه، ويدأب على تطوير مهاراته الفردية في مختلف المجالات، ولا يعتدي على غيره بأي شكل من الأشكال، ويستمر على هذا السلوك بقية حياته.
* مركز المستقبل للدراسات والبحوث