الرئيسية » مقالات » الحزب الشيوعي وتدمير الدولة العراقية!

الحزب الشيوعي وتدمير الدولة العراقية!

بدأ احد اهم كتبة المالكي في الخارج قبل ايام بكتابة مقالة من ثلاثة اقسام تحت عنوان (الحملة “الوطنية” لتدمير الدولة العراقية)، خصص القسم الاول منها للخلاف بين السيدين نوري المالكي ومسعود البارزاني والذي طفى للسطح مؤخرا. وفي نهاية المقالة كتب من ان الموضوع القادم من ثلاثيته هو: (حول مظلومية الحزب الشيوعي العراقي)، ولا اعرف السبب الذي منع الكاتب من تحديد الجهة الثالثة التي سيتناولها في آخر حلقاته بعد نشره حلقته الثانية والتي اعتقد انها ستكون متعلقه بالجانب السني. وكان من المفروض التروي في الرد على الكاتب لحين اتمامه ثلاثيته، الا ان ما حصل مساء الاثنين 26/3/2012 ومداهمة مقر صحيفة طريق الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي من قبل قوات تابعة للشرطة الاتحادية (المالكية)، قد عجلت الرد على مقالة الكاتب قبل اتمامها، بعد ان حصر لليوم القوى التي تريد تدمير الدولة العراقية (كذا) بالكرد والشيوعيين!! واذا كان الكرد قد اعلنوا مرارا نيتهم باللجوء الى شعبهم واستفتائه بالانفصال واعلان الدولة الكردية، فلا اعرف من اين تفتقت قريحة الكاتب لاتهام حزب سياسي كالحزب الشيوعي العراقي المعروف بتاريخه ومواقفه الوطنية ازاء جميع الاحداث التي طالت وستطال العراق. هذه المواقف التي لا يستطيع لا الكاتب ولا من هم على شاكلته التشكيك بها خصوصا بعد دخول الحزب الشيوعي في العملية السياسية من بابها الواسع ليساهم قدر امكانياته ببناء عراق جديد، كنا كعراقيين نحلم به اثناء النضال الطويل والمرير ضد اشرس نظام قمعي عرفته بلادنا والمنطقة. والذي تحول بعد رحيل جلادي البعث عن سلطتهم الغاشمة الى كابوس مرعب يهدد الوحدة الوطنية ومستقبل البلد ككل، بعد ان رسّخت حيتان السياسة الجديدة في العراق مبدأ المحاصصة الطائفية (التي لا يستطيع الكاتب رؤيتها) كوسيلة للحكم، هذه المحاصصة التي تضع البلد اليوم على كف عفريت. واذا كانت مشاركة الشيوعيين في تظاهرة من اجل توفير الخدمات لابناء شعبهم ومطالبتهم بانفراج سياسي ينهي حالة الاحتقان الموجودة اليوم يعتبر تدميرا للدولة العراقية كما يقول كاتب المقال بالنيابة عن ارباب نعمته؟ فماذا عن قوى تتربع على السلطة منذ الاحتلال لليوم وساهمت بحرب طائفية ذهبت ضحيتها عشرات الالاف من ابناء شعبنا بين قتيل ومعاق ومهجر، واوقفت عملية البناء والتنمية نتيجة احترابها مع بعضها البعض لسرقة اكبر قدر ممكن من ثروات البلد. قوى اصبحت الرشوة والمحسوبية وسرقة المال العام وازدياد نسبة البطالة والارامل والايتام وانعدام الخدمات، وانهيار المؤسسات الصحية والتعليمية وتخلف البلد صناعيا وزراعيا من بديهيات ما اجرمته بحق الشعب والوطن ، قوى اعادت نفخ الروح في النظام العشائري للاستفادة منه في موسم الانتخابات، وهل هذه القوى تعمل على بناء البلد؟ ان من عاصر نضال الشيوعيين العراقيين منذ عقود ولم يكتشف فيهم هذه الميزة الا بعد ان انتقل الى معسكره الطائفي، هو بحاجة الى مراجعة شاملة ليس لتاريخه الشخصي فقط بل ولمجمل التاريخ السياسي العراقي، عسى ان نكتشف على يديه الكريمتين امور سياسية لم نكن نعرفها عن الحزب ودوره (التآمري !!) طيلة العقود الماضية. وان كان الكاتب على دراية بموقف الشيوعيين هذا طيلة تلك السنوات وسكت عنها، فانه اليوم كمن سكت دهرا ونطق كفرا.

بداية وقبل الخوض في الرد على المقالة، اود الاشارة الى احدى المطبات التي وقع فيها الكاتب الليبرالي كما يدعي، وهي استعارته مصطلحا من القاموس السياسي الاسلامي لوصف حزب علماني التوجه وهو الحزب الشيوعي عندما استخدم كلمة مظلومية بدلا عن كلمة اضطهاد، وبهذا يكون قد نسف دون ان يعي تاريخه باكمله لينزلق الى منزلق الطائفية الخطر الذي طالما حذره منه الكثيرون دون جدوى خصوصا بعد 96 ساعة قضاها في بغداد، والتي كانت كافية على ما يبدو للانتقال به الى المعسكر الطائفي مروجّا لدكتاتورية جديدة تقوم على مبدأ عبادة الفرد. اما حول اعتباره تظاهرات شباط هي عملية تأهيل للبعث! لانها انطلقت في شباط، فانه تفسير اكثر من صبياني لان الجماهير ليس عليها الانتظار للمطالبة بحقوقها في اشهر معينة كما يريد الكاتب بسبب احداث تاريخية سابقة وقعت خلال الشهر المعني. والا لكان البعثيون قد اجلّوا انقلابهم في تموز عام 1968 الى شهر آخر لقيام ثورة 14 تموز في الشهر نفسه. وماذا لو وقعت بعض المناسبات الدينية حسب التقويم الهجري القمري في شهر شباط فهل سيحتفل بها الاسلاميون ليقعوا في اشكالية الكاتب ام يتجاوزوها؟

والان لنعد الى المقالة وهي رد من الكاتب على كتاب سري – شخصي للمخابرات العراقية (برقم 3061 بتاريخ 20/2/2012) تطالب فيه بمتابعة تحركات اعضاء الحزب الشيوعي، هذا الكتاب الذي تداولته العديد من المواقع الالكترونية قبل ان تتداوله المواقع اليسارية ومن ضمنها موقع الحزب الشيوعي العراقي. حيث يقول الكاتب في مقالته ( لو امعنا النظر جيدا في نص هذا”الكتاب” لعرفنا انه ملفق، والا كيف وصل الى الصحافة وهو ” سري – وشخصي”). وهنا يجزم الكاتب بتلفيق الكتاب متسائلا عن كيفية وصوله الى الصحافة وهو كتاب “سري – شخصي”!؟ عجبي اليس هناك المئات من الوثائق السرية للغاية والتي وجدت طريقها الى الصحافة في مختلف دول العالم. وماذا عن وثائق ويكليكس التي احرجت العديد من الحكومات في ارجاء العالم المختلفة بوثائقها التي نشرت ولازالت؟ ولو اردنا عدم الذهاب بعيدا فبوسعنا لفت نظر الكاتب الى كتاب سري – للغاية صادر عن مكتب رئاسة الجمهورية لصرف مبلغ 2 مليون دولار لغرض سفر الرئيس لحضور اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة، وقد اعاد المكتب بعد نشر الوثيقة مبلغ 500000 دولار الى خزينة الدولة. ولماذا تسريب وثيقة من مكتب رئاسة الجمهورية امر ممكن الحدوث، وتسريب وثيقة لجهاز المخابرات بقيادة المالكي امر من المستحيل حدوثه!!؟ خصوصا ونحن نعيش ازمة سياسية خانقة نتيجة تمترس اقطاب الحكومة العراقي بمذاهبها وقومياتها على حساب الوطن، هذا التمترس والتخندق الذي يأبى كاتب المقال وصفه بالمحاصصة الطائفية القومية. وبعد ان اكّد الكاتب بان الوثيقة مزورة يعود ليتراجع عن رأيه بعد اسطر ثلاث لاغير ليقول (ولذلك نعرف ان هذا الكتاب على الاغلب ملفق من الجهة التي ….).

وفي مكان آخر من مقالته يذهب الكاتب بعيدا في هجومه على الحزب الشيوعي عندما يتهمه ورفاقه بالمازوخية اذ يكتب قائلا (كما وصار الاضطهاد هو كل رأسمال الحزب الذي يعتمد عليه في كسب عطف الجماهير وشعبيته)، وماذا عن سفر الحزب الكبير ونضالاته ومعاركه ضد مختلف الحكومات العراقية في سبيل تحرير شعبنا من البؤس والحرمان الذي لازال يعيشه. ان الاعمى فقط هو من يستطيع ان يتجاوز على تاريخ الشيوعيين العراقيين محاولا تغييب تاريخهم من الذاكرة العراقية العصية على امثاله وغيره. والمرضى هم من يتلذذون بالتعذيب وليس الشيوعيين العراقيين عاشقي الحياة والمناضلين دوما لغد افضل لشعبهم ووطنهم.

ويستمر الكاتب في مقالته ليصل الى فشل الحزب في الانتخابات الاخيرة ليذكر عدة اسباب نتفق معه في بعضها ونختلف في اخرى اذ يقول (وبدلا من دراسة اسباب الفشل دراسة علمية وموضوعية، راحوا يبررون فشلهم بالقاء اللوم على قانون الانتخابات وتزوير النتائج). وهنا لا اعرف من اين جاء الكاتب باستنتاجه هذا وخصوصا شطره الاول وهل هو عضو في الحزب الشيوعي؟ ان منظمات الحزب المختلفة على امتداد العراق وتنظيماته خارج العراق عقدت الكونفرنسات الحزبية والندوات واستضافات العديد من قيادات الحزب، كي تضع يدها على الخلل وتحدد الاسباب التي جاءت بها نتائج الانتخابات. وتوصلت الى العديد من الاسباب منها الموضوعية وهذا ما تناوله كاتب المقال نفسه دون ذكره لاستخدام الدين للدعاية الانتخابية لغاية في نفس يعقوب على ما يبدو، ومنها الذاتية والتي يعمل الحزب حسب امكانياته اليوم على تجاوزها. اما حول دور القانون الانتخابي والتزوير والذي يعمل الكاتب على اهمالهما، فاننا نعيده الى اعتراضات المالكي على نتائجها متهما حينها المفوضية بالتزوير ومطالبا وهذا ما تحقق له، باعادة فرز الاصوات يدويا بعد حصول قائمته على مقاعد اقل من قائمة غريمه علاوي، والى رأي المحكمة العليا التي بتت حينها بخطأ توزيع المقاعد التعويضية. اما حول تزوير النتائج التي حصل عليها الحزب – وهنا لا نقول انها بمئات الالاف – فانني احيل الكاتب الى مفكر من حزب الدعوة الاسلامية وهو السيد سعيد العذاري ومقالته (الشيوعي العراقي اول من ضحى ولم يستفد) المنشورة على صحيفة المثقف بعددها الرقم 2074 بتاريخ 20/3/2012 الذي قال فيه حول نتائج الانتخابات (واخر مظلومية هي استخدام الدين للدعاية الانتخابية ، وكذلك حذف اصوات كثير من الذين صوتوا لمرشحي الحزب الشيوعي . فمثلا في احد المدن كان عدد الناخبين الذين صوتوا للقائمة الشيوعية 600 فكانت النتيجة 2 صوت) وهنا بودي ان اطرح سؤالا للكاتب حول الفرق بين الرقمين في علم الحساب ان كان صغيرا ام كبيرا؟ من البديهي ان الفرق بين الرقمين كبير جدا ولكنه صغير جدا عند الكاتب ومن يدافع عنهم من المزورين ليس في نتائج الانتخابات فقط بل حتى في الشهادات الدراسية ومبالغ السرقات!!

ويقول الكاتب في جزء آخر من مقالته (الحقيقة الناصعة تؤكد لنا انه ليس هناك اي اضطهاد او ملاحقة او مراقبة ضد اعضاء الحزب الشيوعي في عراق ما بعد البعث الصدامي، فالحزب وصحافته يمارسان نشاطاتهما السياسية والاعلامية بكل حرية وعلنية لم يعرفانها حتى في عهد ثورة تموز….). لا املك ردا على ما جاء به الكاتب الا صور مكتب صحيفة طريق الشعب التي داهمتها قوات نظامية، رئيسها نوري المالكي القائد العام للقوات المسلحة. واسأل الكاتب عن الحريات السياسية والاعلامية التي نص عليها الدستور واين هي؟ وما هو موقف الكاتب من هذا الهجوم غير المبرر وان كان جزء من ارهاب فكري وسياسي ام لا؟ وهل اخذ التعهدات الخطية من السياسيين يذكر الكاتب بحقبة البعث سيئة الصيت والسمعة ام لا؟ ويبدو ان الكاتب وهو يهاجم البعث واخلاقه قد نسى في خضم الاحداث انه يستعير جزء من اخلاقهم في معاداته الشيوعيين وحزبهم. اذ يقول (ولكن يبدو انهم يتمنون ذلك لانهم ادمنوا على الاضطهاد بحيث لا يستسيغون العيش بدونه……) وقول الكاتب هذا مدافعا عن ولي نعمته لا يفرق شيئا عن ما قاله المجرم طارق عزيز نهاية سبعينات القرن الماضي حول الشيوعيين، عندما قال مدافعا عن ولي نعمته لانهم (الشيوعيين) يعتبرون انفسهم حزب الشهداء فسنجعلهم شهداء.

ان وضع نظارة سوداء نهارا لا تعني غياب الشمس.

الدنمارك
29/3/2012