الرئيسية » مقالات » السيد عبد الخالق حسين وجبة المالكي

السيد عبد الخالق حسين وجبة المالكي

يصاب المرء بالأسى حين يطالع ما يكتبه الدكتور عبد الخالق حسين في بعض المواقع عن واقع الحال العراقي، فالسيد عبد الخالق بات يمثل لونا واحدا يصعب على المرء قبوله، وهو في ذلك مقتنع جدا بما يتحدث عنه رغم مخالفة ما يستعرضه من إنجازات السلطة لواقع الحال الذي عليه العراق. ويمارس السيد عبد الخالق حسين عمليا وبمنهجية ثابتة ومنذ عودته من لقاء السيد المالكي قبل أكثر من سنتين، خطاب تبيض وجه وتهليل لسلطة المالكي، وهذا الخطاب مترع بخلاف الواقع وعاري من كل ما يمت للحقيقة بصلة.

في حلقتين متتاليتين قدم السيد عبد الخالق رؤيته لمواقف سياسية عراقية كان الجزء الأول منها عن أسباب الخصومة التي مثلما يقول حسين أفتعلها الكورد مع سلطة المالكي وفي الجزء الثاني ناقش أو حلل حسب تصوره أسباب ودوافع تلفيق الشيوعيون ( كذا) لكتاب المخابرات العراقية المرقم 3061 بتاريخ 20 / شباط/ 2012 سري وشخصي ليوجه السيد عبد الخالق اتهامه الصريح للشيوعيين بأنهم من فبرك هذا الكتاب وهو غير موجود أصلا وإن الشيوعيين اعتادوا خلق الأعداء ووضع أنفسهم في موضع الاضطهاد والمناداة بالمظلومية. وفي مقاله هذا ربط بين 25 شباط وهو موعد انطلاق التظاهرات في ساحة التحرير مع انقلاب البعث في 8 شباط الأسود ويعني هذا أن مشاركة البعض من الشيوعيين في هذه المظاهرات محاولة لتجديد البيعة للبعث أو محاولة لإعادة تأهيله، وفي ذلك التشبيه يبدو السيد عبد الخالق وكأنه مشارك في الهجوم الذي تعرضت له التظاهرات من قبل بلطجية المالكي الذين نشرت صورهم وسجلت صولتهم الرعناء بأفلام اليوتوب وهم يواجهون المتظاهرين العزل بالعصي والعكل. فالسيد حسين يريد من الناس الذين تضرروا وأصابهم الحيف ويطالبون بالحريات المدنية والخدمات إن يتوقفوا ويكفوا عن مطالباتهم فتاريخ التظاهر غير مناسب لاستعارته شهر شباط مما يقربه من 8 شباط الأسود كذا، وأغمض السيد عبد الخالق عينيه عن الأخبار التي أشارت لموقف البعض من البعثيين الذين دعوا للتظاهر في ساحة الفردوس وليس التحرير وفي تأريخ أخر وقد فشلت تظاهراتهم، ولا أدري ما كان عليه موقف السيد عبد الخالق لو إن ذلك التأريخ توافق مع يوم ثورة 14 تموز.

لندع هذا التأويل الملتبس في مخيلة البعض والذي يدل على الانغلاق التام وانعدام الرؤية السليمة لمجريات الأحداث والتنكر لمظلومية الناس وشكواهم من سوء الخدمات والبطالة والمحاصصة والإرهاب ونذهب مع بعض نصوص مقال السيد عبد الخالق حسين.

(ولنفرض جدلاً، أن هذا الكتاب “السري- الشخصي” فعلاً صدر من الاستخبارات العراقية، فما الجديد والغريب في ذلك؟ ولماذا كل هذه الضجة وحملة جمع تواقيع احتجاج ضده؟ فهذه المراقبة هي من ألف باء واجبات الاستخبارات في جميع البلدان وحتى الديمقراطية العريقة منها مثل بريطانيا العظمى، سواء صدر كتاب أو لم يصدر. إذ يتذكر بعض القراء الضجة التي أثيرت في بريطانيا عام 1987 عندما صدر كتاب (Spy catcher ) لمؤلفه بيتر رايت، مساعد مدير جهاز المخابرات (MI5)، ذكر فيه أنهم تجسسوا ليس على الحزب الشيوعي البريطاني فحسب، بل وحتى على الأحزاب الأخرى بما فيها الحزب الحاكم، وتجسسوا حتى على رئيس الوزراء العمالي هارولد ويلسون في السبعينات وكانوا يراقبون تحركاته وسفراته، )

مثال السيد عبد الخالق يثير الاستغراب ويدعو للتأسف على الحال الذي وصل أليه، فهو في هذا المثال يفتقد الكثير من الصدق والتوازن الفكري في ما يريد الذهاب أليه ، فيقول ما الغريب في الأمر، ولكنه يستمر ليقول “يتذكر البعض الضجة التي أثيرت في بريطانيا عام 1987” ، ولا ادري لم ذكر الأستاذ هذه الضجة أو الاعتراض وما دوافعها أذا كان الأمر عنده طبيعي ولا يشكل أية علامة لخرق قانوني أو ممارسة غير دستورية أو سياسية ولم وقف المجتمع البريطاني مستهجنا لهذه المراقبة وهو مجتمع راق ومتحضر ومثال مقنع للسيد عبد الخالق فما بالك بمجتمعنا الذي يعاني الأمرين من سياسييه وقياداته. أذن الضجة عند السيد عبد الخالق شيء طبيعي ولكنه يستنكرها حين تصدر عن الشيوعيين، وفي الوقت ذاته المراقبة والتجسس من الحقوق المضمونة للسلطات مهما كان نوعها وتوجهاتها وأهدافها، ولكن هل تتشابه تلك التدابير مع تدابير تتخذ اليوم بحق أعضاء حزب الدعوة أو المجلس الأعلى أو حتى مكتب السيد المالكي نفسه بما يحويه من مصائب وعجائب.

أيضا لا أدري إن كان السيد عبد الخالق حسين يستطيع إن يفسر لنا الكيفية التي يستطيع فيها الشيوعيون تأهيل البعثيين أو القيام بانقلاب ضد سلطة المالكي حين يخرجون في مظاهرة 25 شباط . وهل مراقبتهم تبدو لديه واجبا يماثل تتبع ومراقبة خلايا الإرهاب والجريمة المنظمة وسراق المال العام وممارسي الرشوة وقوات الأمن من الذين يساعدون السجناء الخطرين على الهروب من السجون، وهل أن الوقت مناسب لدى السيد المالكي ليوعز لرجاله بمراقبة حزب يدعوا لخيار الحوار الحضاري والتداول السلمي للسلطة تاركا غيره يسرحون ويمرحون بل يقدم هو وأعضاء في قائمته وحزبه بسخاء يد المساعدة لهؤلاء ويصافحهم ويخالطهم ويبارك لهم جرائمهم وخير شاهد على ذلك الخبر الأخير التازه عن قصة مشعان ركاض الجبوري مع حبيب عمه المالكي، السيد شاه بندر التجار عزة وما عادت الحاجة لطارق حرب كي يروي للسيد عبد الخالق تلك الواقعة.

ثم يأتي السيد عبد الخالق ليضع أمامنا مثلا لتفسير طبيعة علاقة السلطة الحاكمة العراقية بالحزب الشيوعي وضرورة إن يقبل الشيوعيون بما يفرض عليهم فهم جزء من دعاة إرهاب يتجولون في الشوارع لزرع العبوات الناسفة والقتل بكواتم الصوت والسرقة وتفجير البيوت، لذا فالحكومة تضع كاميراتها لمراقبتهم سوية مع باقي المجرمين ولذا يأتي بمثاله التالي الذي يجعلنا في حيرة واستغراب ومعه نتأسى ونأسف عن الكيفية التي يتم فيها تفسير الوقائع ووضع الأمثلة وحالة الذهن التي جعلته في تلك اللحظة يربط هذا بموضوعة مراقبة الحزب الشيوعي .

( وكما في جميع البلدان الأوربية الديمقراطية العريقة، شبكة واسعة من ملايين كاميرات المراقبة الحكومية موزعة في جميع المناطق، والطرق، والشوارع، والأحياء السكنية، والدوائر والمكاتب الحكومية وغير الحكومية، منها علنية مرئية، ومنها سرية)

أذن وضع الكاميرات في الشوارع جزء من مراقبة الأحزاب ومهامها ترصد ومراقبة حركات المتظاهرين ومن يشارك في التظاهرات كي لا يقوموا بأعمال مسلحة أو محاولات انقلابية وليس غير ذلك، أذن حسب رأي السيد حسين على الشيوعيين الخضوع لكاميرات المراقبة وهي تعمل من أجل ضمان أمن المواطن الذي يريد البعض من الشيوعيين إقلاقه، شيء من الإنصاف والمعقول والذكاء لا يحتاج لشهادة دراسية ومن الممكن أن نجده عند فلاح في الريف والمضايف يأتي بما يفحم من الحسجة والحكمة دون تخبط في تقريب الأمثال من الوقائع.

وأنا أكتب هذه المقالة توقفت لبعض الوقت وفتحت بريدي الالكتروني لأجد فيه عدة رسائل منها صورة لمكتب السيد حميد مجيد موسى سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وتظهر الصورة كيف بعثر أثاث المكتب،ثم رسائل أربع من أصدقاء شيوعيين فحواها تصريح مكتب إعلام حزبهم عن مهاجمة قوى الأمن لجريدة الحزب طريق الشعب واعتقال حرس الجريدة ونقلهم إلى أحدى المعتقلات ومصادرة أسلحتهم المرخصة، وذهبت لصحيفة طريق الشعب لأجد ما يشير لحملة قوى الأمن وأجرائها التعسفي بحق الشيوعيين، بعد هذا عدت لإكمال مناقشة مقال السيد عبد الخالق فوجدت فيه ما يمتع الناظر ويدل على المعنى الخفي في موقف السيد عبد الخالق ودوافعه والغرض من الهجوم المستميت على جميع من يفضح سياسات المالكي ورهطه أو يشير حتى بالشيء القليل لما عليه الوضع المزري في العراق، وينهي مقاله بتكذيب من يدعي عداء السلطة الحاكمة وجلاوزتها للحزب الشيوعي ليقول.

(الحقيقة الناصعة تؤكد لنا أنه ليس هناك أي اضطهاد أو ملاحقة أو مراقبة ضد أعضاء الحزب الشيوعي في عراق ما بعد البعث الصدامي، فالحزب وصحافته يمارسان نشاطاتهما السياسية والإعلامية بكل حرية وعلنية لم يعرفانها حتى في عهد ثورة تموز. ولكن يبدو أنهم يتمنون ذلك لأنهم أدمنوا على الاضطهاد بحيث لا يستسيغون العيش بدونه، حتى باتت وكأنها عقدة نفسية مزمنة، لذلك إن لم يكن هناك اضطهاد حقيقي ضدهم فمن الأفضل اختلاقه ولو بالوهم وتلفيق كتب ) .

ومع هذه النكتة من العيار الثقيل التي قالها السيد عبد الخالق، ترى ما الذي دفع اللواء الثامن شرطة اتحادية والتابع لقيادة عمليات بغداد للمجيء إلى مقر الحزب الشيوعي وتقديم الاعتذار عن الذي فعله بعض أبطاله ممن يدفعهم أخلاصهم وحميتهم وشجاعتهم على ممارسة البطولة وفي كل مرة برأس الشيوعيين وليس غيرهم وترك الباقي على الله ورسوله وآل بيته بعد أن يكفينا الشيوعيون من شرورهم وكذبهم وتلفيقاتهم مثلما يقول السيد حسين. والظاهر إن هذا اللواء مختص دون توجيهات وببراءة عالية الجودة ؟؟ بمراقبة ومناكدة الشيوعيين وأمثالهم من مثل اتحاد الأدباء والجمعية الأشورية وحركات المجتمع المدني ومحاصرة المتظاهرين في ساحة التحرير.

ولكن في النهاية يفضح السيد عبد الخالق نفسه ليطل علينا من تحت جبة المالكي بنصيحة مؤسية مضحكة مبكية على الحال الذي وصل أليه البعض ليكونوا وعاظ سلاطين مشبعين حد التخمة بشعارات السلطة التلفيقية الرخيصة ويكونوا أبناء بررة للقاء وصورة موضوعة في صدر غرفة الضيوف تشي بمقدار ما يحمله المرء من قدرة على الإخلاص والتضحية من أجل الوفاء للأصدقاء الكرماء، وعندها يصرخ السيد حسين بأعلى صوته ومن كل قلبه ومهجته أن توقفوا ثكلتكم أمهاتكم إلا ترون تلك الانجازات و المكاسب التي تفقأ العين إلا ترون كيف توزع الحصة التموينية، إلا تسمعون عن وتشاهدون أزقة المدن المزينة بالزهور والإنارة الملونة، أتستكثرون على سلطة المالكي كونها قطعت رقاب حرامية المال العام حتى وإن كانوا أعضاء من حزبه، إلا تشاهدون جدال الحريات الحضاري والفرح الغامر الذي بات عليه الشعب العراقي بظل قيادة المالكي وووو الكثير مما يعجز عن ذكره اللسان، إن لم تعترفوا بكل هذا فأنتم من الشيوعيين الفاشيين الحاقدين تعملون على تخريب البلد وبعثيين بامتياز وهي تهمه حاضرة بالرغم من إن غالبية عمال وأسطوات وصناع وجايجية وعسكر وحبربشية وطبالي وراقصات ورفاق المالكي من هؤلاء.

تأملوا معي نصيحة سلطوية بامتياز واقتدار من رجل منصف حد العظم وصادق في تقديم صورة العراق الجميل تحت ظل ورعاية فخامة السيد الرئيس نوري مراد علم دار المالكي. وليحذر جماعة الحزب الشيوعي وأمثالهم من التمادي في تلك التصرفات فالنتائج تكون….. ويل لكل همزة لمزة.

( نؤكد لهؤلاء أنه كلما تمادوا في هذه التصرفات فالنتائج تكون على عكس ما يتمنون، لأنهم بمحاولاتهم هذه يؤكدون أكثر أن الديمقراطية والحريات في العراق بخير، إذ لولا هذه الديمقراطية والحرية لما استطاع هؤلاء افتعال هذه الأزمات، والمعارك الوهمية مع السلطة. )


عند هذه الحادثة لم تعد لدي رغبة بإكمال المقال لكون الموضوعة تكفي جيدا لمعرفة الغرض من هذا الهجوم على الحزب الشيوعي والدفاع المستميت عن سلطة تحمل من الآثام مالا يعد ويحصى، ولكن أقول ربما، وأقول ربما رغم قناعتي بأنه من النوع الذي تأخذه العزة بالإثم مثله مثل العديد من الذين يصبحون في ليلة وضحاها دعاة سلفية إن كانت سياسية أم ثقافية أو اجتماعية، ربما يأتي اليوم الذي يعيد الرجل النظر في حساباته بشيء من الواقعية والصدق مع النفس قبل حاجة الناس لقناعاته القديمة والجديدة.