الرئيسية » مقالات » المالكي وطارق الهاشمي وبينهما مشعان الجبوري

المالكي وطارق الهاشمي وبينهما مشعان الجبوري

لحد هذه اللحظة يتعذر على الكثير من السياسيين المشاركين في إدارة مؤسسات الدولة العراقية معرفة بنود ما سمي باتفاقية اربيل التي أشيع عن عقدها بين المالكي وباقي رؤساء الكتل وبالذات منهم القائمة العراقية والتحالف الكردستاني بحضور السيد مسعود البرزاني الذي اتفق الجميع على جعله راعيا للاتفاقية, وإذا خفيت مواد وبنود الاتفاقية على غالبية رجال السلطة فما الحال مع المواطن العادي ومثله وسائل الإعلام التي تضرب أخماسا بأسداد لأجل الحصول على نوع من المعلومة حتى ولو بسيطة عن حقيقة فحوى الاتفاقية التي تختفي في جيوب بضعة أشخاص ليس غير.

لا تقتصر محاولات التمويه فقط على هذه الاتفاقية وإنما سياسات مؤسسات الدولة وقادتها وأفعال أغلب الساسة تعد اليوم من الألغاز المحيرة أو إحجيات يصعب على المرء تفكيكها ، وفي خضم الصراعات يفتقد الناس البوصلة التي تدلهم الطريق الصحيح أو تكشف عن ماهية الخطأ ومسبباته. وتدخل رجال السلطة بتصريحاتهم المنفلتة والمتضاربة يزيد الطين بللا ويضع المواطن في حيرة من أمره.

في تصريح مثير لعزة الشاهبندر ردا على تصريحات علي الدباغ الناطق الرسمي للحكومة العراقية حول عودة مشعان الجبوري إلى العراق وأخلاء سبيله من قبل المحكمة بعد إسقاط التهم الموجه له، كان الشاهبندر كعادته في الكثير من تصريحاته وتلميحاته بعيد جدا عن اللياقة والكياسة الأدبية قبل السياسية، وتصريحه الأخير حول مسألة مشعان جعلت المواطن العادي يصدق قوله رغم ما حمله من سوءة وحدة أكثر مما يعير قول علي الدباغ ذات الاهتمام، وهذا التفاضل يأتي على خلفية علاقة عزة الشاهبندر بنوري المالكي التي بنيت على أسس مصالح شخصية مشتركة تتجاوز الأطر الحزبية أو السياسية بعمومها مما سمح للشاهبندر التجاوز حتى على حزب الدعوة وشخصيات قيادية فيه دون أن يجد من يحاسبه أو حتى يعاتبه أو يرد عليه وأبتلع جميع أعضاء حزب الدعوة الشتيمة برضا وخنوع، ففي لقاء تلفزيوني سُرب من خلال اليوتوب شتم الشاهبندر واستهزأ بشخصيات قيادية مثل علي الأديب والسنيد وغيرهم لا بل تطاول على فكر حزب الدعوة، ولم يمض على ذلك التسريب غير بضعة أيام ليجد عزة الشاهبندر التكريم المناسب الذي جعله يحل عضوا فاعلا في البرلمان العراقي بالرغم من عدم حصوله على عدد من الأصوات التي تؤهله لهذا المنصب، وكان ذلك المقعد قد قدم له هدية من رئيس قامة دولة القانون نوري المالكي وهذا لوحده يشير للمكانة الخاصة التي يتمتع بها الشاهبندر لدى رئيس الوزراء المالكي.

كان من الممكن تكذيب تصريح مشعان الجبوري لو أقتصر الأمر على ما ورد على لسانه وبعد ظهور تصريح الناطق باسم الحكومة علي الدباغ ليفند إدعائه وعندها يختم فصل إشاعة لم تكتمل حقيقتها، ولكن تأكيد تصريح مشعان من قبل عزة الشاهبندر وشهادة أكبر المرتزقة في عالم القضاء العراقي المحامي طارق حرب الذي أكد حضوره كواحد من محامي الدفاع عن مشعان الجبوري حيث قال إن المحكمة برأته في قضيتين وأخلت سبيله بكفالة عن قضية ثالثة، وسبق للمحامي الملقب بالمعموري أن صرح عن طبيعة الأحداث وكشف للصحافة الدور الذي لعبه في أقناع مشعان الجبوري بغلق قناة الرأي والعودة إلى العراق، ومع كل تلك التصريحات التي تظهر حقيقة الواقعة وتؤكدها بشكل قاطع وتدفع تصريح علي الدباغ بعيدا لتجعله غير مناسب بل غير واقعي،يدور بين أوساط الجمهور المهتم بالشأن السياسي العراقي حديث عن مهمة عزت الشاهبندر في هذه الواقعة وكلفتها الحقيقية ونوع الصفقة بينه والمالكي أو قيادات حزب الدعوة التي استطاع بها مشعان الجبوري إغواء كل هؤلاء والحصول على عفوهم واسترداد مكانته وأمواله داخل العراق وجعلهم يتحفزون للوقوف بجانبه وتوجيه القضاء لصالحه. هل المال وحده الذي أدار الرؤوس وفكك العقد وأبعد التحفظات وراحت دماء الضحايا التي ذبحها مشعان الجبوري وعصاباته هدرا، أم إن هناك سياسات إقليمية لعبت دورها في الأمر، أيضا يدور تساؤل عن موقف أهالي الضحايا وبعض الشخصيات التي ترى في مشعان الجبوري قاتل وبعثي صدامي من الطراز الأول هل سوف تصمت وتقبل بما يزق في جوفها من زقوم المالكي وحاشيته.

ولكن السؤال الذي يثير معه ألاف الأسئلة وعلامات الاستفهام ويضع القضاء العراقي في الواجهة ويؤكد خضوعه للتسييس والارتزاق هو الكيفية التي تم فيها تبرئة مشعان الجبوري بعد كل تلك الوثائق والصور والبث التلفزيوني الحي الذي سبب قتل العديد من الأبرياء وأيضا قضية اختفاء الأموال التي سرقها ليبني بها وسائل إعلامه، فأي قاضي وأية محكمة تلك التي سبق لها أن أصدرت حكمها وفق وقائع وشهود ووثائق نجدها اليوم تتخلى في ليلة وضحاها عن كل ذلك لتبرأ المجرم وتتلف وثائق ووقائع جرائمه.

إن قضية مشعان الجبوري وما حدث له في المحاكم العراقية تعني أساسا موضوعتين لا غير أولاهما فساد السياسي وقبله فساد القضاء ويظهر ضحالة القائمين عليه وكيف يتسنى للسلطة توجيهه والتلاعب بقراراته وهذه الحالة من مخلفات العهد الصدامي رغم تبجح البعض بنزاهة القضاء، فوقتذاك كانت تبدل أحكام بجرائم موثقة ليطلق سراح المجرم أو يعدم البريء بدلا عنه ويأتي ذلك بجرة قلم من القاضي الذي قبل الرشوة أو انصاع لقرار من السلطات العليا وما أختلف الأمر اليوم عن سابقاته.

لا يختلف أداء القضاء وقبله سلطة المالكي فيما حدث للسيد طارق الهاشمي التي تبدو قضيته مع وقائع ما جرى لمشعان الجبوري تسير على ذات النمط من السلوك الشائن للقضاء وللسلطة وعصاباتها على حد سواء، ولذا من المسلم به أن طارق الهاشمي بريء وقد لفقت له التهم وفق مخطط وضع لتصفية الخصوم وإن ما صدر بحقه من استدعاء أو مذكرات قبض تمثل ابتذال قضائي بدوافع سياسية ليس إلا، وقرار الهاشمي بعدم الخضوع لتلك الإجراءات هو الحق بعينه وموقف الأخوة الكورد بحمايته هو عين العقل والصواب، وعليه إن كان مقتنعا ببراءته أن يعرض قضيته أمام المنظمات والهيئات الحقوقية الدولية كي تطلع على استهتار الحكومة وتسلطها وتسويفها وتلاعبها بالسلطة القضائية ومن ثم بنصوص الدستور التي نصت على استقلال القضاء.

أما الموضوعة الثانية فهي محاولة مستهجنة وبائسة لإظهار طبيعة الحكومة أمام الرأي الداخلي والدولي وكأنها حامية وضامنة للحريات والعدالة وتقدم الديمقراطية للشعب العراقي على طبق من ذهب، وهي لا تضمر للآخرين عداءا شخصيا وسوف توفر ظروف طبيعية وسليمة لإجراء المحاكمات والمثال على ذلك محاكمة مشعان الجبوري التي جرت وأسقطت عنه التهم وخرج دون تبعات، لذا على السيد طارق الهاشمي أن يحتذي بتلك الواقعة وما عليه غير الحضور أمام المحاكم لتقديم أدلته ودفوعاته والقضاء وحده من يفصل ويحكم في طبيعة الجريمة. ولكن هذه الموضوعة بقضها وقضيضها تبدو ضحك على الذقون لا بل تشير لسذاجة قادة السلطة واعوجاج تفكيرهم و سخافتهم، فموضوعة مشعان الجبوري فضيحة بالعيار الثقيل ولا تصلح أبدا لتكون مثلا يحتذى به أو واقعة تشير لنزاهة أي شخص ارتبط بها من رأس الحكومة حتى أصغر منتفع من نقود وعطايا مشعان الجبوري، والصفقة لتبرئة مشعان يتحمل وزرها ولا يبرأ منها جميع من يشارك في السلطة أن كان برلمانيا أو وزيرا أو عضوا في حزب سلطوي، ويعلق في عنق الجميع دم الضحايا وجميع التبعات التي ترتب عليها وضع الأيتام والأرامل الذين سببت مقتلهم أو تيتمهم وترملهم يد مشعان الجبوري وعصاباته وبرامجه التلفزيونية وشعاراته التحريضية، وقضية مشعان الجبوري بتفاصيلها القذرة تكشف عمق الخراب الذي حل بالعراق جراء سياسات وأطماع هؤلاء المرتزقة من دعاة الدين والتشيع، وتكشف دور هؤلاء في ما ارتكب ويرتكب من جرائم قتل وتصفيات جسدية يومية في الشارع العراقي.