الرئيسية » مقالات » من هو المثقف ؟

من هو المثقف ؟

الاعتقاد السائد في مجتمعنا أن المثقف هو كل من يحمل شهادة جامعية في تخصص معين أو من حاز على لقب علمى أو كل من يمارس نشاطا ذهنيا في حقل من حقول المعرفة ، ،سواء اكان عالما او شاعرا او اديبا او فنانا . بيد أن هذا الاعتقاد ليس في محله تماما , ذلك أن الانسان المتعلم قد لا يكون أنسانا مثقفا .
و كان الناقد الانكليزي ت . س اليوت يعتقد ” أن الكمال في أي واحدة من مناشط الثقافة لايمكن أن يسبغ الثقافة على أحد , لان السلوك المهذب بدون تعليم أو فكر أو حساسية للفنون يجنح بالمرء الى ألية مجردة , وأن العلم من دون سلوك مهذب انما هو حذلقة , وأن القدرة الفكرية المجردة من الصفات الاكثر انسانية لا تسنحق الاعجاب الا كما يستحقه ذكاء طفل معجزة في لعب الشطرنج , وأن الفنون بدون أطار فكري زيف وخواء .
,أن كنا لانجد الثقافة في أي واحدة من هذه الكمالات بمفردها فأننا يجب أن لا نتوقع في أي شخص واحد أن يكون كاملا في جميعها , أذن نستنتج أن الفرد الكامل الثقافة هو محض خيال ”
ونظرا لاستحالة وجود أنسان مثقف تجتمع فيه كل هذه الكمالات في أن معا فأن (اليوت ) يسبغ الثقافة على المجتمع وليس على الفرد ,

ومثل هذه الافكار كثيرة وشائعة في الفكر الفلسفي الغربي ولكنها جميعا تعزل المثقف عن الواقع المعاش و عن التفاعل مع قضاياه وتجرده من اي دور في تغيير هذا الواقع نحو الافضل .
ان اتخاذ المعرفة المجردة اساسا لتقييم المثقف امر يرفضه العقل والمنطق , لأن الدور القيادي الذي يمارسه المثقف في توجيه المجتمع ثقافيا وروحيا لايقل أهميية عن دور السياسي المخلص النزيه الذي يهمه في المقام الاول تطوير المجتمع و تحديثه ، بما يتلائم مع الظروف الموضوعية و الخصوصيات المحلية و مواكبة الحضارة الأنسانية المعاصرة فى آن واحد .

ولكي يقوم المثقف بدوره المنشود لابد له من أن يتحلى بصفات وسجايا عديدة مثل يقظة الضمير والاحساس بالمسؤلية واستقلالية الرأي والفكر النقدي ويمتلك رؤية واضحة ومعاصرة للواقع الراهن و آفاق تطوره والايمان بقيم الحرية والعدالة الأجتماعية, ولايمكن تصور اي مثقف حقيقي لا يتفاعل مع قضايا عصره ومجتمعه ولا يقلقه مصير البشر .

و يقول انطونيو غرامشى ” ان المثقف الفعال تتوهج أفكاره تحت رماد التخلف و يشعر بمسؤوليته فى تغيير الواقع ، يدرس التأريخ و تعقيداته بعيون فاحصة ، و يقول كلمته ببسالة ، و يشارك فى أثراء الواقع بلا حدود ، دون ان يستسلم لماض لم يعد فى أكثر جوانبه يجدى المجتمع فى مسيرته ، و لا يستسلم الى الآخر ، يجعلنا – هذا المثقف- نأخذ من ماضينا دون ان نسمح له ان يستعبدنا ، و نأخذ من غيرنا دون ان ندعهم يستلبون عقولنا او يخيفونا .”

يقال أحيانا أن المثقف العراقى يعاني من الاغتراب عن المجتمع وهذا زعم مشكوك في أمره ، ذلك لأن المثقف العراقى الحقيقى ، يعاني من شظف العيش ويناضل من أجل البقاء وأبتعاده عن دهاليز السياسة لا يعني على الاطلاق اغترابه عن المجتمع وقضاياه , بل على العكس من ذلك تماما ، فالمثقف العراقى غارق في مشاكل هذا المجتمع ، وأذا كان يحرص على قيمه ومبادئه ولا يتنازل عن أستقلالية الرأي وحرية التعبير و الأبداع و عن كرامته الشخصية من اجل نعم زائلة , فهذا موقف مشرف وسلوك حضاري يليقان بالمثقف الحقيقي في زمن يشهد تدهور و انتكاس القيم الاجتماعية والروحية .
و قد ظهر فى العراق خلال السنوات الأخيرة مع توسع أستخدام الأنترنيت فى الحصول على المعلومات بسرعة فائقة و مع أنتشار ظاهرة الشهادات المزورة طبقة من أشباه المتعلمين و أنصاف المثقفين الذين لم يبذلوا جهدا فى التحصيل العلمى و لم يتعبوا فى الدرس و الأجتهاد و هم ثلاثة أصناف ،

الصنف الأول : أدعياء السياسة و الوطنية الذين قفزوا من ( الطهارة الى المنارة ) كما يقول المثل الشعبى العراقى أو ببساطة من الحضيض الى قمة المناصب الحكومية العليا و هم لا يهتمون بالثقافة و لا يقرؤن كتابا واحدا فى السنة و ليست لديهم خبرة فى تخصص معين فى حقل من حقول المعرفة ولا يتقنون مهنة من المهن ، بل هم من ( الشطار ) الذين يعرفون من أين يؤكل الكتف و خبراء فى التضليل و التزييف و خداع الرأى العام بالكلام المعسول و التصريحات الجوفاء التى تبين معدنهم الردىء .
و صنف ثان لا يقل خطرا عن الصنف الأول ، و يتكون من المحللين السياسيين الطارئين على الأعلام المرئى و و مهمتهم الأساسية الترويج لأولياء نعمتهم و تلميع صورهم من اجل الحصول على فتات موائد دكتاتور العراق الجديد .

أما الصنف الثالث و الأخير ، فأنه يضم عددا كبيرا من كتاب الأنترنيت ، الذين يزخر كتاباتهم بما يكشف عن جهلهم المركب بأبسط القواعد النحوية و الأملائية ، ناهيك عن الثقافة العامة . و أعتقد ان رؤساء تحرير الصحف الألكترونية يعانون الأمرين من هؤلاء المثقفين المزيفين .

رحم الله طه حسين فقد تنبأ فى وقت مبكر من ظهور التلفزيون بظهور مثقفين مزيفين أو مثقفين مصبوغين – أى سطحيين – كما يقول العراقيون . ” قال عميد الأدب العربى ان ثقافة التلفزيون ثقافة سطحية ، ، ينساها الأنسان بعد فترة وجيزة بخلاف المعرفة التى يضمها الكتاب الورقى الجاد ، مصدر الثقافة الراسخة “.

لست ضد أستخدام الأنترنيت ، بل على العكس من ذلك أعده نعمة كبيرة و أنجازا علميا مذهلا يسهل الحصول على المعلومات الجادة و كذلك على كل ما هو سطحى و تافه ان لم نحسن الأختيار و مهمة المثقف هو الفرز بين هذا و ذاك وعدم الأقتصار على المصادر الألكترونية فقط لأن معظم المعرفة الأنسانية غير متاحة حتى اليوم على الأنترنيت و يكفى ان نقول بأن نقل التراث الفرنسى من الورق الى الكومبيوتر أستغرق حوالى ربع قرن ، أى أننا لا يمكن فى المرحلة الراهنة من عمر الأنترنيت أهمال مصادر الثقافة الأخرى وهى كثيرة وعديدة .

يقول ديفيد بروكس فى مقال ساخر له بصحيفة نيويورك تايمز ” لم يعد الأمر متعلقا بما تقرأ أو تعرف ، و لا بمدى قدرتك على فهم ما تقرأه و تستهلكه من مواد ثقافية ، بل يتعلق الأمر بأن تجد لنفسك مكانا فى فضاءات الصخب الثقافى ، و لا تقلق ان لم يكن لديك شىء لتقوله ، فلا أحد سيصغى اليك على أية حال . و أصبح من السهل ، أكثر من أى وقت مضى ان تبدو مثقفا ، فلم يعد ضروريا الآن حمل كل تلك الكتب الثقيلة ، فقد تغيرت قواعد اللعبة ، يمكنك اليوم أن تكون عضوا ناشطا فى النخبة الثقافية من دون ان تضطر لقراءة شكسبير أو دوستويفسكى أو نيتشة ، و بوسعك أن تناقش و تجادل فى كل شىء يستطيع كومبيوترك أو هاتفك الخلوى أن يلتقطه من الأنترنيت ، يمكنك مثلا أن تكتب مقالات فى شؤون العصر و ان يكون لك رأى فى كل القضايا ، و كل ما عليك هو أن تتبع الموضة الثقافية .

جودت هوشيار