الرئيسية » شؤون كوردستانية » تصريحات رئيس إقليم كردستان في الميزان

تصريحات رئيس إقليم كردستان في الميزان

كل من استمع إلى كلمة السيد مسعود البارزاني, رئيس إقليم كردستان العراق, تيقن أكثر من أي وقت مضى بوجود أزمة عميقة وحادة تواجه الدولة العراقية الهشة والحكومة المفتتة ورئيس الحكومة المستفرد بالحكم والمجتمع العراقي الصامت حتى الآن, وهي الأزمة الشاملة والمتفاقمة التي أشرنا إليها وأشار إليها المئات من المحللين السياسيين وعلماء الاقتصاد والاجتماع والنفس, إضافة إلى شكوى الغالبية العظمى من سكان البلاد خلال السنوات الخمس الأخيرة على نحو خاص, رغم إنها تمتد إلى العقود الخمسة المنصرمة. وهي ليست أزمة عابرة, بل عميقة تساهم في تفتيت أكثر فأكثر وحدة الشعب العراقي وتهيئ مستلزمات تفاقم السلوك الفردي والاستبدادي في العراق وتعيد الدولة والحكومة والمجتمع إلى نقط الصفر التي ناضلنا جميعاً ضدها وقدم الشعب العراقي المزيد من التضحيات للخلاص منها وبناء الدولة الديمقراطية الحيثة.
لأول مرة وبهذه الصراحة والوضوح يضع رئيس إقليم كردستان النقاط على الحروف حول العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وحول الموقف من الدستور العراقي والمشكلات القائمة وحول الفردية في الحكم وتهميش الأطراف الأخرى في مجمل العملية السياسية الجارية. ولكن كل القضايا التي طرحها السيد مسعود البارزاني كانت معروفة لعدد متزايد من العراقيات والعراقيين, وبشكل خاص بالنسبة للجماعات العاملة في السياسة والمهتمين بشؤون المجتمع والواعين من الناس, إضافة إلى احتجاجات الناس والمحافظات والإقليم وأطراف في الحكومة. وهي بهذا المعنى ليست جديدة حتى وأن لم يتحدث عنها رئيس الإقليم قبل ذاك وصرح بها مسؤولون آخرون أقل مستوى. إذ كانت قيادة وحكومة الإقليم ساكتة تقريباً عن كل ما كان يجري في بغداد, رغم الآثار السلبية المترتبة عن ذلك على الإقليم ذاته. في ما عدا احتجاجات جمهرة المثقفين والصحفيين للتجاوزات الفظة على الدستور والمثقفين والصحفيين العراقيين. ولهذا وجهنا أكثر من مرة ملاحظاتنا المسؤولة والجادة عبر مقالات ورسائل مباشرة أكدنا فيها ضرورة إيلاء اهتمام خاص لما يجري في بغداد والعواقب المترتبة على ما يجري في العراق لا على المحافظات العربية في الوسط والجنوب وبغداد وغرب العراق والموصل فحسب, بل وعلى الإقليم أيضاً, إضافة إلى ضرورة متابعة ما يريده شعب كردستان من تطلعات وحاجات ضرورية.
يرى الكثير من المراقبين والمتابعين لتطور الأحداث السياسية في العراق بأن خطاب السيد مسعود البارزاني يتضمن جانبين يستوجب الإشارة إليهما:
الجانب الأول يؤكد وجود هذا الصراع السياسي والاقتصادي والمالي الدائر بين أربيل وبغداد وما يحمل هذا الصراع من مشكلات وهموم على صعيد العراق كله والعواقب المحتملة التي يمكن ان تكون حبلى بأحداث غير سارة للجميع.
والجانب الثاني يحاول فيه تفادي المشكلات القائمة في الإقليم ذاته ويسعى إلى إنعاش آمال يدرك هو من جهة مدى عدالتها وشرعيتها من حيث المبدأ, وأعني بذلك حق تقرير المصير وإعلان الدولة الكردستانية المستقلة, وهما مسألتان لا تحتاجان إلى تكرار, ولكنه يدرك من جهة أخرى بأن هذه المسألة غير قابلة للتحقيق في المرحلة الراهنة بالارتباط مع الحالة والموقف على المستويات الثلاثة المحلية والإقليمية والدولية, وبالتالي فهو ينعش آمالاً غير ممكنة في المرحلة الراهنة على اقل تقدير, ويساهم في نشوء توترات على صعيد العراق والمنطقة قبل مؤتمر القمة العربية لا تساهم في ترصين الوحدة الوطنية الضرورية لمواجهة التحديات, بما في ذلك النهج غير الديمقراطي والاستبدادي على عموم العراق, ويساهم في خلق تحالفات مضادة للقضية الكردية والفيدرالية على المستويين المحلي والإقليمي بين قوى متصارعة حالياً, ولكن يوحدها العداء للشعب الكردي أو لقضيته العادلة. إنه أشبه بنداء “يا أعداء القضية الكردية اتحدوا!”. وهو ما ينبغي تجنه!
ويرى المراقبون أيضاً بأن القناعة آخذة بالاتساع لدى المزيد من البشر في داخل البلاد وخارجه بأن قائمة وحكومة دولة القانون تخلتا عن القانون الأول, أي عن دستور البلاد وعن الالتزام ببنوده في معالجة القضايا العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, وبين الحكومة الاتحادية والمحافظات, وبين الحكومة الاتحادية والقوى والأحزاب السياسية العراقية, وبين الحكومة الاتحادية ومشكلات وقضايا المجتمع, وكذلك بين الحكومة الاتحادية والمرأة العراقية التي أنصفها الدستور جزئياً وداس على هذا الجزء رئيس الحكومة الحالي بتشكيلته الوزارية الخالية من المرأة! وتعهد بمئة يوم للبدء بتحسين الأوضاع ولم يبتلع هذا الوعد وذاك العهد فحسب بل اتخذ الإجراءات لتعزيز سلطته وسطوته وكتابه من وعاظ السلاطين من خلال تعزيز دوره وحزبه و”شيعته!” في أجهزة الأمن والشرطة لمواجهة حركة الجماهير اللاحتجاجية.
نحن أمام حكومة عراقية تبتلع الدولة العراقية الضعيفة والمهلهلة, وتساهم في زيادة ضعفها من خلال عدم احترامها للدستور وما ينص عليه من فصل للسلطات وابتعاد عن الطائفية السياسية وعن المساس بأحكام الدستور. إنها حكومة فاشلة ولكن تسعى إلى إفشال الدولة أيضاً من خلال هيمنتها عليها وسلوكها اليومي والتمادي في إضعاف السلطتين التشريعية والقضائية وهما ضعيفتان وغير مستقلتين حتى الآن بالأساس.
بالأمس صرحت النائبة عن القائمة العراقية والناطقة باسمها وأعربت عن استنكارها واستهجانها الشديدين للتعذيب القاسي وغير الانساني الذي تعرض له أحد أفراد حماية طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، والتي أدت الى استشهاده. ” قائلة ” ان الأجهزة الأمنية سلمت جثمان عامر سربوت زيدان البطاوي الى ذويه بعد اعتقال دام ثلاثة أشهر في الفوج الثاني لواء 45 من الفرقة 11 التابعة للواء بغداد، وتبدو عليها آثار التعذيب في يديه ورجليه وبطنه وظهره، ومواضع أخرى تخدش الحياء، وتنأى الأخلاق عن ذكرها”.بحسب قولها.
إن صح مثل هذا الاتهام, ولدي القناعة على وفق معرفتي الشخصية بالأخت ميسون الدملوجي فإنها صادقة في ما قالته, فإن حكومة تحترم نفسها لا يمكنها أن تدوس وبهذه الصورة على حقوق الإنسان وتمارس التعذيب الهمجي كما مارسه العهد الصدامي الفاشي, إلا إذا كانت لها ذات المواصفات التي كانت لدى حكومة صدام حسين وأجهزته الأمنية. ولم يكن ما أشار إليه معتقلو الاحتجاجات خلال العام المنصرم حين أكدوا واقع التعذيب الشرس الذي تعرضوا له أثناء الاعتقال إلا الدليل الجديد على ما يجري في دهاليز أجهزة الأمن العراقية. إضافة إلى الكتاب السري والمستعجل الصادر عن أجهزة المخابرات العراقية الذي يدعو إلى متابعة الشيوعيين الذين يريدون التظاهر مطالبين بالخدمات العامة للعاطلين أو ضد الفساد..الخ لملاحقتهم. إن كل ذلك, إضافة إلى الدلائل التي يشاهدها ويعيشها الشعب يومياً, تؤكد ما يلي: إن السياسة الراهنة للحكومة العراقية وحزب الدعوة ونوري المالكي كلها تدفع بالبلاد إلى طريق مسدود وهو ما ينبغي مقاومته. وكل المؤشرات تؤكد أيضاً بأن هذا الطريق كان قد سلكه قبل ذاك حكام البعث ووصلوا إلى الحضيض الذي عرفناه. فهل سيكون مصير الحكام الجدد نفس مصير الحكام الذين سبقوهم؟ هذا ما سيكشف عنه مستقبل الأيام. إن علينا دراسة وتحليل ما يجري في رأس نوري المالكي والكشف عن الخبايا المحتملة من خلال قراءة ما بين السطور وعدم الاكتفاء بالمكشوف منها أو المسطور.
وعلى صعيد كردستان فأن المهمات التي تواجه الشعب الكردي والقوى الديمقراطية الكردستانية والعراقية عموماً تتلخص على وفق قناعتي الشخصية, وكما يؤكد عليه الكثير من المراقبين لتطور الأوضاع في إقليم كردستان, في النقاط الأساسية التالية:
1. المزيد من الحريات العامة والحياة الديمقراطية الدستورية التي تعزز الأمن والاستقرار في الإقليم وإشباع المؤسسات الثلاث, التشريعية والتنفيذية والقضائية بصلاحياتها.
2. الاهتمام بالتنمية الاقتصادية وبناء المشاريع الصناعية والزراعية التي توفر المزيد من الأمن الغذائي لشعب كردستان وتقليص الفوارق الاجتماعية والفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء أو ذوي الدخل المحدود ومكافحة الفساد والتضخم الإداري ومكافحة البطالة المقنعة على نحو خاص.
3. تعزيز الوحدة الوطنية, وحدة الشعب, لمواجهة المشكلات التي يمكن أن تنشأ مع الدول المجاورة بالاتفاق مع الحكم في بغداد, الذي يصعب الاطمئنان إلى جانبه حالياً ومع تفاقم سلطة الفرد في بغداد وهيمنته على كامل المؤسسات العسكرية في البلاد بشكل مطلق, إضافة إلى التحالف المتزايدة تشابكاً بين إيران والعراق والحكم في سوريا وحزب الله في لبنان.
4. الانفتاح على الشعب العربي في العراق وعلى الشعوب العربية عموماً والتحرك الفعال إعلامياً عليها والسعي لإيجاد لغة مشتركة مع التركمان في كركوك على نحو خاص. ومواجهة مختلف أنواع التطرف الذي لا يساهم في تعزيز الوحدة الوطنية بل يمزقها.
5. أهمية العودة إلى قوى التيار الديمقراطي العراقي الذي بدا وكأن التحالف الكردستاني قد غادر هذا الموقع عبر التحالف مع قوى طائفية. كما إن التيار “الكردايتي”, أي القومي الكردي, في هذه المرحلة من النضال يفترض أن لا يتعارض مع مهمات التيار الديمقراطي العراقي, بل يتكامل معه. وإذا ما وضع في تعارض فستكون العواقب سلبية وسيئة على الطرفين في ظل الأوضاع الجارية في العراق.
إن قمة الحكام العرب في بغداد لن تجلب للشعب العراقي والأمة العربية أي شيء يستحق الذكر, فهي قمة حكام معزولين ومرفوضين في الغالب الأعم من شعوبهم, بل إن هناك مخاطر يمكن أن تنشأ خلف الكواليس لتؤجج الحكام العرب ضد الفيدرالية في العراق وضد إقليم كردستان وضد الديمقراطية. إنها مخاطر جادة وفعلية وليست من فعل الخيال والحسابات الخاطئة.

26/3/2012 كاظم حبيب