الرئيسية » شؤون كوردستانية » قيام دولة كوردستان وسط سخط المعارضين

قيام دولة كوردستان وسط سخط المعارضين

من المعلوم بأن التواصل في عصر التحولات المتسارعة والطفرات المفاجئة في المعلومات والمعطيات يصنع الحضور، وأن الحداثة هي جهد و اجتهاد، مراكمة و تكديس، عمل و مراس، صناعة وتحويل، بناء و تركيب، علی نحو متواصل و بصورة نتغير بها بتغيير صورتنا عن أنفسنا وعن العالم، عبر المشاركة في ورشة الخلق والإنتاج.
فبعد أن نشر قبل فترة وجيزة مقالات لي حول موضوع “إعلان دولة كوردستان” و “الهوية الكوردستانية”، وصلني مجموعة غير قليلة من رسائل الکترونية تحمل في طياتها هجمات كلامية غير متحضرة علی الشعب الكوردستاني والقيادة الكوردستانية و أفكار عقيمة ذو تفسير أحادي لدعاة و حملة الشعارات وأصحاب المشاريع الإصطفائية، التي يشتغل أصحابها الی اليوم بمنطق التكفير والتخوين و بعقلية النبذ والاستبعاد والإلغاء. أسأل نفسي، ما النفع من نفخ شعارات في الديمقراطية و الفدرالية و الدولة الاتحادية، إذا كانت هناك قوی سياسية تفكر بعقلية النخبة والوصاية وإحتكار القيم و تحلّل في الدستور ما تنفعه و تحرّم فيه ما تنفع الجماهير الكوردستانية، التي هضمت حقوقها الشرعية إبان الحکم الديکتاتوري القسري والتي تسعی اليوم في إسترداد حقوقها الشرعية بأسلوب متحضر بعيد عن طرق تدمير صيغ التعايش بين الناس.
المحاولات الفاشلة في بغداد من قبل دعاة وحماة العراق العروبي، الذين سقطوا في إمتحانات العلوم والمعارف الحديثة، و أسلمة الحياة فيه لإستعادة ما لا يمكن إستعادته لا تجلب معها إلا فقراً و تخلفاً أو هذياناً و شعوذةً و ظلاماً و إرهاباً. الذين تعاملوا في السابق مع هوياتهم کعصاب أو كقوقعة أو كفخ، دمروا صيغ التعايش بين الكوردستانيين و بينهم بقدر ما نصبوا الحواجز الرمزية والمادية بين دوائر المكونات الأساسية في العراق، فوقعوا في النهاية فريسة ثوابتهم البائدة وأوهامهم الخادعة. فبعد سقوط الطاغية عام 2003 کان هناك فرصة ذهبية أمام القوی، التي تتربع اليوم علی عرش رئاسة الحكومة و سيطرتها الشبه مطلقة على المؤسسات الأمنية والعسكرية، لتقوم بمشاريع الإصلاح والتحديث و لتمارس الإعتراف بالآخر دستورياً بمعنی التداول والتبادل مع من كان مستبعد سياسياً أو ثقافياً أو حتی معرفياً و االإهتمام بمفاهيم كونية، أي الحرية والديموقراطية، لكن هذه القوی بنظرتها الطوباوية الفردوسية ولّدت عکس ذلك تماماً، أي المزيد من الاستقصاء و التفاضل والصطفاء والاستبعاد و التحامل علناً علی الكوردستانيين و العجز في تحقيق الحرية والعدالة، و هي اليوم تدعم الأنماط الثورية الإيديولوجية القائمة على نظرية القائد المنقذ.
هؤلاء لا يعترفون بأن ثمة منظومة إيديولوجية قومية إنهارت مع سقوط أوراق التين في بغداد بمسلماتها الثابة و أطرها النظرية وآلياتها العملية- کأنفلة الكوردستانيين و حرق قراهم و قصف مدنهم- بقدر ما فقدت مصداقيتها، بساساتها و أمناءها و قممها، بجنرالاتها و إعلامييها، بمفكريها و نظرياتهم المتهافتة، فضلا عن مثقفيها القاصرين والمذعورين من التحولات الثقافية العالمية، و سائر رموزها، الذين غرقوا في وهم المارد “صدام” بحجة الدفاع عن الحدود الشرقية من “الوطن العربي” أو “رسالة العرب الخالدة” و “كرامة الأمة العربية”.
نقول لا يمكن لهم مواجهة المستجدات، التي هي نتاج العولمة “وليبراليتها الجديدة” بعدة قديمة، لذا نری لزاماً علی الكوردستانيين أن يرسموا مجالهم الجيوسياسي بأنفسهم و لا يخافون في قيام دولتهم كوردستان لومة لائم.
وختاماً نقول: “إن لغة الصاروخ وطائرات F16 و المدفع والحشد المليوني المرصوص والجمهور الأعمی لن تصنع حياة ولن تجلب حرية ولن تغير واقعاً نحو الأحسن ولم تصنع إصلاحاً أو تجديداً أو تقدماً أو إزدهاراً.”