الرئيسية » شؤون كوردستانية » فلسفة السلطة ونوايا المعارضة في إقليم كوردستان

فلسفة السلطة ونوايا المعارضة في إقليم كوردستان

من المعلوم بأن وجود المعارضة كقيمة سياسية ديموقراطية، لاجل تقويم واداء عمل الحكومة فيما اذا اخفقت، أمر ضروري في إطار الديمقراطية النيابية، لأن القائمين عليها هم من البشر يتعرضون للاخطاء والهفوات. لكن علی المعارضة الإعتراف بالحقيقة التي تظهر بأن السلطة هي شريك لها في معركة التحول الديمقراطي و ليست في الموقع المضاد لها، و إذا كان هناك من اختلاف وهو حاصل لا محالة فإنما يكمن في تباين المنظور حول نسق التحول و سقفه و حجم القوى المؤثرة فيه وليس حول طبيعته الاصلاحية و محتواه الديمقراطي.
و من الواضح أيضا بأن شرعية النظام السياسي القائم تتحدد وفقا لقوة المعارضة او ضعفها و أن قوة أو ضعف المعارضة يمكن أن تشير الی درجة تطور هذه الأمة أو تلك ليس في الجانب السياسي حصرا، بل في الجوانب الحياتية الأخرى أيضاً.
لکن ماهي أسباب والدواعي لنشوء المعارضة؟ إن نشوء القلق الاجتماعي والسياسي، الذي ينطوي على شعور الانسان بالتذمر في درجاته الدنيا وفي التمرد في درجاته العليا بسبب حدوث التناقض بين السلطة والشعب يولد حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يلقي آثاره الى مختلف نواحي الحياة الاخرى.
و من الطبيعي أن يؤدي هذا القلق الى اتخاذ موقف مناهض تجاه قرارات السلطة، فيفضي الى تأسيس تجمعات تتفق فيما بينها على مجموعة من المبادئ او تعمل على طرح مشروع اصلاحي لترميم بعض الهدم السياسي والاجتماعي ويكون ذلك في صورة غير منظمة في بادئ الامر ويتطور الى عمل منظم بشكل صورة احزاب سياسية او مؤسسات مجتمع مدني، للقيام بالنقد و الضغط علی الحکومة و لا تسعی للوصول الی السطة. لکن سؤالنا هو، هل کان نشوء المعارضة الکوردستانية الحالية نتيجة هذا القلق الاجتماعي أو السياسي الذي ذكرناه؟
السيد نيجيرفان بارزاني، الذي قام بقيادة أكثر من حکومة منتخبة و ذلك تحت ظروف أكثر حساسية وخطورة، أكد خلال لقاءاته مع قوی المعارضة و في تصريحاته أمام الاعلام بأن المعارضة ينبغي توافرها في اي عملية سياسية ديمقراطية، لان الديمقراطية هي عملية (تسويات) بمعنى ان الاحزاب والحركات السياسية مهما كانت متبنياتها الفكرية وايا كان عمق الاختلاف بينها فمن الضروري ان تتعايش في فضاء سلمي عبر الانتخابات والحوار الهادئ وتداول السلطة والنقد وان تتقاسم معا قيم الحرية في التعبير والمعتقد والحماية المتساوية امام القانون.
علی المعارضة القيام بدور المراقب والراصد والمتابع لاي خلل يصيب اداء عمل الحكومة لتصحيح مسارها و تکون العون ما دام القوی السياسية في السلطة تعمل أيضا لمشروع الصالح العام.
المطلوب من المعارضة الانتقال من المطالبة الشعاراتية بالديمقراطية الكاملة و الناجزه إلى المشاركة في بناءها و انجازها والعمل بصورة حثيثة على بناء دولة المؤسسات، خاصة و أنه قد توفر للمعارضة فضاءات و مواقع داخل المجالس المنتخبة و الأطر الاستشارية فضلا عن منابر الحوار و وسائل الاعلام المختلفة للفعل و التأثير لا في توحيد الرأي العام فحسب و إنما أيضا توفرت امكانية التأثير في قرارات الحكومة و سلطات الاشراف.
حکومة السيد نيجيرفان بارزاني تقبل المعارضة و تدعمها إنطلاقا من حرصها على رقابة وتصحيحات المعارضة نفسها، لکي تتحول المعارضة الى مصدر قوة لحکومة بدلاً من ان تفكر و تعمل ليل نهار من أجل إزالتها ولكي تتغير ثقافة المؤسسات السياسية والخدمات المدنية نحو الأحسن.
ومن البديهي بأنه‌ لايمكن خلق معارضة فعالة اذا كانت تضم احزابا في اليمين المتطرف او اليسار المتطرف، لأن هذه الاحزاب لا تعارض الحکومة فقط بل هي تسعی الی معارضة الدستور والنظام المنتخب.
وللأسف نری اليوم في كوردستان بأن مبادرات المعارضة لم تغادر مربع الاحتجاج و المطالبة كما أن بدائلها المطروحة مازالت مطبوعة بلغة شعاراتية عائمة تفتقد للتفعيل و التدقيق و الشمولية.
إن المرحلة التي نعيشها اليوم هي مرحلة متقدمة بالقياس لما عانى منه شعب كوردستان سابقا من الآلام، لذا علينا العمل من أجل دولة كوردستان و المطلوب من المعارضة الحقيقية توسيع المضمون الديمقراطي للتوافق و عدم التهادن في مناهضة كل العناصر و القوى التي تعمل على الارتداد بالمسار السياسي إلى الوراء و اعداد البدائل الملائمة لمشكلات الواقع و دفع الناس للمشاركة في حلها من خلال مؤسسات الفعل السياسي التعددي التي يتوجب علينا تأكيد مصداقيتها و ترسيخ ضماناتها الدستورية و القانونية، و تعميق ثقافتها السياسية المستندة لمرجعية الحداثة و قيمها في الوعي الجماعي و السلوك الفردي، في الساحات العامة و هياكل المجتمع المدني و مؤسسات الدولة.
إذن إقليم كوردستان اليوم بحاجة الی معارضة فاعلة وسلمية وواقعية لا سيما اننا قد خطونا خطوات إيجابية نحو عهد جديد في التحول الديمقراطي. الحکومة القادمة تريد الإهتمام بشكل جدي بالجوانب المؤسساتية لتحقيق تغييرات نوعية علی مستوی الدولة والمجتمع و تفعيل برامج الإصلاح و متابعة الفساد الاداري والمالي، الذي هو شبح كبير وواسع ينخر وزارات الدولة جميعا، لغرض معالجتها و العمل بشكل استراتيجي في مجالي الصناعي والزراعي و الاهتمام بالجانب التنكنلوجي و دراسة الأبعاد المستقبلية في تنفيذ المشاريع العمرانية و إيجاد فرص عمل لخريجي الجامعات والمعاهد الفنية والمهنية و تقليص البطالة التي تمثل كبرى المشاكل الاقتصادية للدولة.
وختاماً: “الإصلاح يتم بعقلية المباحثة والشراكة أو المداولة والتوسط والمبادلة، فهو عمل المجتمع علی نفسه في سائر حقوله و قطاعاته المنتجة، بتدخل مختلف مشروعياته الفاعلة والمسؤوولة.”