الرئيسية » شؤون كوردستانية » عولمة الهوية الكوردستانية في زمن الد‌يمقراطية الكونية

عولمة الهوية الكوردستانية في زمن الد‌يمقراطية الكونية

من المعلوم بأن الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له، و إنها ليست كياناً ماورائياً، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي، بكل أبعاده، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات، فهي إنبناء و تشكيل بقدر ماهي صناعة و تحويل. وهي بُنية يعاد بناؤها باستمرار، و خاصة عند بلوغ الأزمات أو الوقوع في المآزق و ذلك بتنظيم المشهد الديمقراطي و تأهيل مؤسساته و دعمها والعناية بأوضاع الموارد البشرية والرفع من شأنها على أساس المبادئ الديمقراطية الكونية القائمة على التعددية والحرية والمسؤولية.
الشعور القومي بدأ يقتحم مشاعر الكوردستانيين في كل مكان أكثر فأكثر بعد أن قمعت إنتفاضات و ثورات شعبه التاريخية بصورة وحشية لامتناهية، رافقته دوماً سلسلة من الإعدامات و القتل الجماعي، بالإضافة الی تخريب القری وقصف المدن بالاسلحة الفتاكة والتهجير القسري، راح يشمل كل عائلة كوردية بغض النظر عن دورها في هذه الثورات و لاإنتفاضات. هذا الشعور القومي منح الكوردستانيين الزخم والقوة في النضال المستميت من أجل الديمقراطية والتحرر والسلام ضد الصنم الأكبر في و رائد الشوفينية الحديثة “صدام” في العراق، الذي نشر سلطة اللغة الموروثة لتحنيط الفكر و كذا الحال في الأجزاء الأخری من كوردستان الكبری. ومن ذاق سحر الحرية لا يقدر التخلي عنها ولا يقبل العودة الی سجن العبوديّة والتسامح السلطوي الكاذب و التّهميش والإقصاء. والمعلوم بأن الديمقراطية لم ولن تكون إلا أسلوب حياة، عيشاً ومکابدة.
في العراق إستطاع الفرد الكوردستاني تحرير نفسه من ربقة الاستبداد، والخروج من النسق الشمولي ساعيا في بناء الدولة الكوردستانية الحديثة المرتكزة علی مبادئ الحرية والمساواة والعدالة. هذه الدولة سوف تكون ملكوت الحرية الموضوعية و دولة لجميع الكوردستانيين بلا استثناء ولا تميز. و الحكومة الكوردستانية تعمل جاهداً في سبيل خلق نظرية فكرية ترسم ملامح الدولة وثقافة وطنية حديثة منفتحة على منجزات الفكر البشري ومعطيات الخبرة العملية وعلى تقدم العلم والتقانة واستيعاب أثرهما في صيرورة العالم.
الشعب الكوردستاني إذ يبرهن اليوم علانية، وبصورة عملية، على نطاق واسع تأييده الحاسم لبناء الدولة بالطرق السلمية الأرقى والأنبل والتي تتوافق مع بنود الدستور العراقي، وهو يدعم اليوم حكومته، التي تعمل بشكل مدني ديمقراطي و تسعی من أجل التعددية، لأنه يعلم بأن نشأة الدولة نتيجة لميثاق و تعاقد إداري حر بين الأفراد، تتم بمقتضاه تنازله عن بعض حقوقه الطبيعية و حريته المطلقة مقابل تحقيق الأمن و استقرارهم و ضمان المعيشة له و لأبناءه.
فمع بزوغ مبدأ المواطنة الكوردستانية، الذي هو “دين” الدولة الحديثة و مبدأ الإنسان و حقوقه نشعر بإتحاد راسخ بين الكوردستانيين و إنفتاحهم علی المستقبل. فالمواطنة والإنسانية مقولتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل، لأنهما من طبيعة العقل، ومن البديهي بأن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس.
فالوطنية هي انتماء الفرد انتماء خالصاً للدولة الوطنية و الوطن، مضمون هذا الانتماء جملة الحقوق والحريات التي يتمتع بها وجملة المسؤوليات والالتزامات الملقاة على كاهله بصفته عضواً في الدولة. أما الثقافة الوطنية فهي البيئة الروحية التي يتشكل فيها الوعي الاجتماعي و ينمو بتأثيرها. الكوردستانيون يرفضون كل ما من شأنه تجزئتهم وتفسيخهم أرضاً وشعباً وحضارة و يعرفون حق المعرفة بأنه لا حرية للفرد إلا إذا كان مجتمعه حراً والمجتمع الحر لا يمكن أن يكون حراً إلا إذا كان جميع أبنائه أحراراً و الأمة الكوردستانية الحرة تدرك وحدة حياتها ومصالحها وأغراضها ومقاصدها ومثلها العليا، وتجاهد في سبيل تحقيقها بكل ما تستلزمه الحرية من وعي وعزم وإرادة. و الحرية تعني الحياة الجيدة لكل مواطن وسيادة شعب كوردستان على نفسها وعلى وطنها و تعني أيضا النهوض والتعاون لتحقيق وتحقق إرادة الحياة العزيزة الحرة.
الفكر الشوفيني العروبي لا يزال ثاوٍ في العقول السياسية التي تحكم في بغداد، فبسبب هذا الإرتداد الفكري في العراق والرجوع مرة أخری الی السياسات الخاطئة التي مارستها الانظمة الاستبدادية والشمولية السابقة التي حکمت العراق و محاولة البعض العودة إلى النظام المركزي و التهرب المقصود من طروحات الفدرالية الحقيقية نری بأن مستقبل المنطقة سيتقرر في كوردستان، لأن شعبه يعرف بأن الأفكار لاتبنت في السماء، و إنما تشتغل في الرؤوس و تنعقد عبر الصلة مع الغير و تتشكل علی أرض الواقع، لذا يعطي الأولوية للغة المفهومية و العقلية التواصلية والاستراتيجيات العملانية و التحويلية و يسعی في تظهير صورة جديدة للهوية، معنی و معاشاً، نظرية و ممارسة. فمع العولمة يتغير مشهد العالم و تتغير خارطة التاريخ المصطنع و يتشكل واقع عالمي جديد وما المستقبل سوى ممكنات الواقع.
وختاماً: “من يريد أن يخرج من الدائرة الخانقة والتصنيفات العقيمة، التي تسجن العقل داخلها، لابد أن يعمل بفکره علی خرق السقف و إختراق الحواجز، لجعل وطنه أوسع من مساحته الجغرافية، لممارسة هويته الثقافية بصورة عالمية.”