الرئيسية » مقالات » عقد عالمي جديد لأقوياء العالم

عقد عالمي جديد لأقوياء العالم

تدخل روسيا على خط الأحداث السياسية العالمية هذه الأيام وكأن الحياة قد دبت من جديد في عروق الاتحاد السوفيتي السابق الذي أشيع القول في حقه : إنه لفظ أنفاسه الأخيرة بالتزامن مع تحول الجزء الأعظم من جمهورياته المتحدة إلى دول ذات سيادة تامة.
ولا يُعرف على وجه اليقين السبب الرئيس من وراء هذا الدخول الروسي الصادم أهو بسبب التقدم الروسي أم بسبب التراجع الأمريكي؟ ومع هذا الواقع السياسي برز احتمال عودة الحرب الباردة بين الامريكيين والروس بوصفه احتمالا قابلا للنقاش على أقل تقدير فإلى مدى هو دقيق هذا الفرض الأخير؟
إن تاريخ الصراعات الإنسانية يثبت لنا دائما حقيقة أن صراعات البشر بصرف النظر عن معدلات العنف فيها تنشب أولا من قبل إنسان فرد. وكلما زاد التأثير الشخصي لهذا الإنسان الفرد ماديا ومعنويا ازدادت مخاطر الصراع الناشب. وهذه الحقيقة الغائرة في القدم لم تستطع كل أشكال النظم السياسية الحديثة أن تخرجها بشكل كامل من خريطة الوجود فحتى في الدول الأكثر نبذا لمفهوم الفردانية السياسية والأكثر اعتمادا على مفهوم المؤسسة في حياتها العامة تظل في جزء قليل أو كثير من مواقفها رهينة لطريقة تفكير الزعيم وما يدين به من متبنيات فكرية.
وعلى هذا الأساس فان نتيجة المقارنة بين قوتي كل من الرئيسين فلادمير بوتين وباراك اوباما تجنح لصالح بوتين الرئيس الروسي المنتصر في انتخابات بلاده مؤخرا ، هذا الرئيس الذي يجهد ما وسعه الجهد من اجل فرض نفسه على الساحة الداخلية والخارجية لروسيا باعتباره الرجل الساعي لاستعادة مكانة الدولة المصادرة غربيا وأمريكيا على وجه الخصوص.
وبحسب استطلاعات الرأي العام الروسية، وما يصرح به لوسائل الاعلام بعض علماء الاجتماع الروس فان الغالبية العظمى من المجتمع الروسي تنظر نظرة كارهة للدول الغربية بل إن هذه الغالبية تنظر إلى واضع سياسة البيروسترويكا ميخائيل غورباتشوف التي أخلت ساحة النفوذ العالمي لأمريكا بوصفه اقل رؤساء الاتحاد السوفيتي السابق شعبية بينما تبدو هذه الغالبية أو الجزء الأعظم منها راضيا عن قيصرهم “المتزوج من الدولة” والدليل الأحدث على ذلك هو حصاد بوتين لـ 64% من أصوات مواطنيه في الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخرا فبوتين إذن هو أقوى من باراك اوباما من حيث خروجه من السباق الانتخابي المحلي مظفرا في حين أن اوباما ما يزال يعيش حالة القلق والترقب والخوف من احتمالات اقصائه من سدة الرئاسة الأمريكية التي بدأ العد العكسي لإجرائها.
إلى ذلك فإن قائمة أعداء بوتين هم الاسلاميون المتشددون في الشيشان وخارجها بينما ينخرط الرئيس الأمريكي الحالي في حملة علاقات عامة لا تستثني حتى قدامى “المجرمين”. وبينما يسير بوتين بخطى واثقة في مجلس الأمن يعضده التنين الصيني يراهن اوباما على شراكته مع بريطانيا هذه الدولة التي لم تعد تملك من أسباب القوة والمنعة أكثر من تراث الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس منذ ليل طويل، واوباما بسعيه هذا يبدو كما لو انه يريد بعث رسالة عالمية ممجوجة تنشد التفريق بين الأشياء لا على أساس المعطيات الواقعية وإنما على ضوء منظور جغرافي بال يصنف سكان المعمورة إلى غرب قوي وشرق ضعيف. صحيح أن المقارنة بين قوتي الزعيمين الروسي والأمريكي لا تكفي لإصدار حكم في أي من الدولتين هي الأقوى ولكن هذه المقارنة تنفع إلى حد ما في قراءة المتغير السياسي العالمي ومعرفة إلى أين تتجه بوصلة الاحداث في غير مكان من العالم.
إن الحدث الشرق أوسطي الأبرز الذي أخذ طريقه سريعا إلى واجهات الصحافة العالمية وما يزال يحتل مساحات واسعة من التحليل هو الموقف الروسي المدعوم صينيا ضد توجهات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من الأوربيين والترك والعرب الرامية إلى الإطاحة بحكم الرئيس السوري بشار الأسد. وكما يبدو من سير القضية السورية وتداعياتها فأن روسيا والصين في موقفهما المضاد للقوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لا تستهدفان إسناد النظام السياسي السوري بقدر ما تريدان الإعلان عن نفسيهما باعتبارهما قوى عظمى لم تعد صيغة خمسة زائد واحد الأمريكية توفر لهما الحد الأدنى من الإحساس بالعظمة.
وهذا الأمر يتضح بجلاء كلما أنعمنا النظر في طبيعة التعاطي الروسي والصيني مع الشأن السوري الجاري لاسيما تصريحات الرئيس الروسي الأخيرة التي شدد فيها على أن الرئيس الأسد لم يستجب إلى نصائح الروس!
طبعا ليس هناك عودة للحرب الباردة بين معسكري الغرب والشرق بكل تأكيد لوجود قوى ممانعة شعبية عظمى ولكن بكل تأكيد أيضا فان هناك معادلة عالمية جديدة في طريقها للتشكل وتقضي بعقد شراكة بين جميع الأقوياء الغربيين منهم والشرقيين على حد سواء. وكلما يرجوه العالم أن لا يكون هذا العقد الجديد عقدا جديدا يكرس مفهوم اضطهاد الضعيف أيضا.
* مركز المستقبل للدراسات والبحوث