الرئيسية » مقالات » ألأبطال المنبوذون

ألأبطال المنبوذون

كان يخيل لي أن والدتي ـ رحمها الله ، كانت مولعة بالحزن والبكاء فكانت تندب وبلا ملل أخويّ الشهيدين في سجون الطاغية , وكان نحيبها يشـتد
كلما يصبح بيتنا مجلسـاً لعزاء الثكالى من أمهات السـجناء والشــهداء ويبكين مع بكائهن بكاء كل الأرامل والأيتام بعد أن فقدوا العزيز والمعيل حتى بدأت آثاث بيوتهم تنقص تباعاً ـ إن لم تكن أموالهم المنقولة وغير المنقولة قد صُدِرت ـ ويستجيرون بالله من المستقبل المجهول
فهم غير مرغوب بهم رسـمياً والتقارير تلاحقهم و تصفهم بأنهم أعداء الحزب والثورة
وأعلن أكثر الأقارب والأصدقاء براءتهم من هذه العوائل لأنهم صاروا مصدراً للإزعاج والشـبهات
أما مسؤولوهم السياسيون الإسلاميون ـ أعني مسؤولي إخواننا المعتقلين ـ فقد إختفوا بلمح البصر ولا أحد يعرف كيف ومتى والى أين , ولم يكن بإمكان الأعداء أو الأصدقاء أن يقتفوا أثر أحد منهم , ولعلهم كان يعكر صفو مزاجهم التفكير بمعيشة ومصير هؤلاء المنكوبين

كان أحدنا في البيت شديد اللهجة ويصرخ أين اختفوا ؟ إنهم هربوا بأنفسهم وعوائلهم بعد أن حرضوا اخواننا ومعيلي هذه العوائل المسكينة وقدموهم كقرابين للموت , هل هؤلاء هم قدوتنا والأسـوة الحسـنة فينا
هل تصدقون أنهم يفكرون كيف سـيعيش هؤلاء الأيتام والأرامل؟
أنا أراهنكم من الآن الى بعد عشـر سـنوات بل قل عشـرين سنة إن فكر أحدهم بنا أو أستعلم أخبارنا أو يحاولون إغاثة هؤلاء المنكوبين بمصدر رزقهم !

وبوقار كان المرحوم والدي وقد ناهز السبعين يردد : إنما أشــكو بثي وحزني الى الله فصبر جميل والله المستعان وبهما أواسي سيد الشهداء بالقاسم وعلي الأكبر
وتوفي والدي ولم يكحل ناظره برؤية أخويّ ولم يرتدد له بصـره ولم نكن نستطيع أن نفرحه في قبره بعد سقوط الطاغية لأننا لم نجد لهم جثثاً حتى في المقابر الجماعية
فقد يكونوا قد اختفوا في احواض التيزاب أو توزعت جثثهم في بطون أسـماك دجلة
ولعل سلوى والدي هي أن جعلنا لهما قبراً رمزياً مشتركاً جنب قبره في وادي السلام

أما أنا فكنت أفتقد أخويّ وأصدقاءهم في مدينة الثورة ـ مدينة الصدر ـ أو في الجامعة الذين تعرفت عليهم عن قرب وأحببتهم بأشد مايكون الحب , إنه الحب في الله
إنهم كانوا المؤمنون حقاً ينشرون المحبة أينما حلوا ..
بل إنهم كانوا خير البرية ..
أنهم كانوا نجوماً تتلألأ في ظلام سـماءنا المكفهرة ..
إنهم كانوا مصابيح هدىً وإشراقات أمل في غياهب الظلمات واليأس والقنوط ..
ولازالوا عند المؤمنين منا علامات الأمل لمستقبل مشرق وكأنهم يدعوننا لنخلص العراق العزيز وأهله من كل كابوس يجثم على صدره .


ونظام الطاغية صدام وأزلامه سعوا في الأرض ليفسـدوا فيها ويهلكوا الحرث والنسل و
قهرونا وأستضعفونا ولم يرقبوا فينا إلاًّ ولاذمة لكي لانستطيع حيلة ولانهتدي سـبيلاً

كان كل الزمن مرعباً .. إنهم ضيّقوا علينا الأرض بما رحبت وكانوا يريدو أن يضيّقوا علينا أنفسـنا ليطفئوا نور الله في قلوبنا ويابى الله إلا أن يتم نوره فأعددنا لهم في ضمائرنا ماأستطعنا وجمعنا كل الإيمان في قلوبنا لنهاجر الى الله ورسوله وتوكلنا عليه لنجد في الأرض مراغماً كثيراً وسـعة بالمجاهدين الذين فضلهم الله على القاعدين والهاربين درجة

ونلتقي المجاهدين في الشمال ووجدناهم لبسـوا لباس التقوى وارتدوا الزي الكردي وتفننوا في لف قماش حزام الظهر وكانوا فينا يجسـدون العزة التي كتبها الله لنفسه ولرسـوله وللمؤمنين
وكان ولههم لللحوق بالشهداء الذين سبقوهم بالإيمان كآشتياق يعقوب ليوسف إنهم يرونهم ببصائر قلوبهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويسـتبشرون بالذين لم يلحقوا بهم أن لاخوف عليهم ولاهم يحزنون
ونحن نرجوا أن لايصيبنا ظمأ ولانصب ولامخمصة في سـبيل الله ولانطأ موطئاً نغيظ به المجرمين البعثيين ولاننال منهم نيلاً إلا كتب لنا به عمل صالح إن الله لايضيع أجر المحسـنين ولانقطع وادياً أو نحبو على جليد الشمال ولاننفق نفقة صغيرة ولاكبيرة إلا كتب لنا ليجزينا الله أحسن ماكنا نعمل

وكان أملنا الفوز بإحدى الحسـنيين… النصر أو الشــهادة
ولكن … وآه لما بعد لكن
لكن المأسـاة أننا لم نفز بإحدى الحسـنيين
بل جرحنا في أبداننا ودارت بنا الدوائر ولاكتنا رحي مصائب الدنيا بلا ملل ولاهوادة وأصبحنا وكأننا نستحق الشـفقة وتجمعنا في بيت الجرحى للعراقيين وكنا نغبط الجرحى الإيرانيين لما يلاقونه من أنواع التكريم والتشريف وكأنهم شـهداء أحياء وأطلقوا عليهم لقب ( جانباز )
وكأنهم مصداقاً لمن يشـري نفسـه إبتغاءً لمرضات الله والله رؤوف بالعباد ويزيّنون جدرانهم بكلمة الأمام الخميني : أن بركات دماء جرحانا هي من أسـرار إنتصاراتنا
ولعل تكريم الجرحى والمضحين هي من المسلمات في تأريخ الأمم والأحزاب حتى رويّ عن أحد الصحابة أنه كلما يريد الكلام كان يشـير بأصبعه المبتور في حروب المسلمين كأنه يقول للناس أن الإسلام كرمني و (ولاة الأمر) وأتشرف بأصبعي المبتور
بل حتى الطاغية صدام ـ وإن كانت نواياه دائماً خبيثة ـ كان قد كرم جرحاه

لم يهمل وينبذ أحد مثل جرحى المعارضة أيام المعارضة والمهجر
وأدبرت الدنيا معنا وكما قال الحكماء إذا أدبرت الدنيا يأتيك الشـر من حيث يأتيك الخير
ومع ضغط الآلام بكل أنواعها وإحسـاسـنا بأننا لم نعد نقدر بدنياً أن ندفع عن أنفسنا ضراً ولانملك لها نفعاً وفي هذه الأجواء يأتيك من تتمثل فيه أخلاقية الهزيمة ليوبخنا على سـوء فعلنا ويقول : ياأخي من ضربكم على إيديكم لتذهبوا للقتال .. ألم ننصحكم .. ولكن لاتحبون الناصحين … ياأخي هذه أوربا أمامكم وتفتح لكم أبواب الحياة والمستقبل … ويشهد الله على أنه مشفق علينا ويتولوا وهم فرحين
ولم تكن مرة واحدة أن يرجع أحدنا خائباً مرفوضاً ممن يتقدم للزواج من بنات العوائل العراقية في المهجر حتى علق أحدنا ساخراً ـ إننا لم يبقى لنا إلا المتردية والنطيحة وما أكل الســبع
بل الحق أننا الجرحى المضحين أصبحنا في نظر الناس كالمتردية وأخواتها
فمن أخذت منه الألغام ساقه صار يكنى بالأعرج وكذا الذي أصيبت عينه لقبوه الناس الأعور وهذا المسكين أعمى وذاك مشـلول أو عليل
بل الأدهى وأمر أن لاتجد شظايا الحرب لتبتره من أحدنا إلا ما يمثل عنوان الرجولة في العقل العربي فأنه يظل وجهه مسـوداً وهو كظيم يتوارى من الناس من سوء ما بشر به أيمسـكه على هون أم يدسه في التراب ألا سـاء ما يحكمون

والمسـؤولون المتصدون ـ أيام المعارضة ـ لم تكن علاقتهم بالجرحى طيبة البته , بل كان لكل منهم شـان يغنيه فلم يبادر أحد منهم لزيارة الجرحى وعيادتهم أو تحيتهم وتكريمهم أو إعطاءهم شعوراً بأنهم من خيار القوم
ويسـتشـيط غضب الجرحى عندما نسـمع أن أحد المسـؤولين سـافر الى الخارج للعلاج أو النقاهة والنزهة , والجرحى بأمس الحاجة لذلك حسب التقارير الطبية وقد يكلفهم التأخير حياتهم
بل قد يتحايل المسـؤول ويسـرق ( أرسال) الى أوربا خصص لعلاج الجرحى من قبل المنظمات العالمية أو المؤسسـات الأيرانية فيسرق المسؤول هذا التصريح ليسـافر به الى اوربا أو قد يعطيه لخاصته وأقاربه

ولكل أمة أجل وجاء أجل أمة البعث و اسـقط الشـيطان الأكبر بيده نظام صنيعته وكأننا لم نكن أهلاً للنصر فأستبدل الله بنا غيرنا .
وأسـتلم الإسـلاميون السلطة ولم يلمس الجرحى والمضحين تغييراً يذكر
وبعد عام من السقوط تجمعنا عدد من الجرحى والمضحين وقررنا أن نطرق أبواب المسـؤولين ثانيةً لنطالب بحقنا ـ وإن كان ليس قليل ممن حضر معنا يكاد أن يكون يائسـاً من أن تلين قلوب المسـؤولين الإسلاميين ـ ولعلهم كانوا محقين بذلك , وصرنا نشعر بإنزعاج هؤلاء المسؤولين منا وكأننا صرنا نذكرهم بماضيهم في الفقر والعوز الذي لايحبون تذكره بعد عز المناصب وما تدره عليهم من أموال
فتسكعنا ليومين امام البوابة الرئسية للمنظمة التي كنا ننتمي لفيلقها ونحن نرجوا أن يتكرم علينا المسـؤولون وكأننا نسـتجدي عطفهم
وكان على مايبدو أن طلبنا كان فوق ما نسـتحق
ولم يرغب المسـؤول مقابلتنا , رغم أننا كنا معه أصحاب طريق واحد وكنا نعتبره كأحدنا .. وكان كذلك
وذهبنا الى المجلس لعلهم جلوا صدأ القلوب وشكروا النعمة حيث أورثهم الله ديار الذين ظلموا , وقدمني للمسؤول أحد الأصدقاء بشرف الأفتخار بأنني أخ لشهدين وأنني كنت من المجاهدين وكان المسؤول يتلهى بما أمامه لأن هذا الكلام لم يعد يعني له شيئاً
ثم قال له ـ إنه قادم من المانيا
حينها صحى المسؤول من غفوته والتفت لي بتملق
عفواً أستاذ تشرفنا

نعم قابلنا أحدهم في أحدى صالات الإسـتقبال
وشـرح بعضنا المسـألة من وجهة نظر إنسانية على إننا وتحت لواء المجلس جرحنا وأصبحنا نعاني من حالة عوق في أبداننا وخارت قوانا من هموم الغربة ونحن غير قادرين على العمل وليس لدينا مسـكن نستظل به ونريد إيجاد فرص عمل مناسبة لنا لنرجع الى وطننا الذي أحببناه وضحينا من أجله وبعضنا لازال تحت العلاج في خارج الوطن

والآخرمنا قال للمسـؤول بوضوح إن لنا حقاً في أعناقكم لم تؤدوه لنا بعد فإننا دفعنا دماءنا وأنتم تاجرتم بها فإننا نطالبكم بكل حقوقنا في السـكن والعلاج والحياة الكريمة , واذا ضيعتم دماءنا فأننا لانملك الا أن ندعوا عليكم أن تضيعوا في تيه كتيه بني أسرائيل
وكان يصرخ في وجوههم ( وقفوهم إنهم مسـؤولون ) وإننا سنقف يوماً خصوماً لكم ذلك يوم التغابن حيث تعاد الأمة الى نصابها ونشكيكم الى من لايحب أحد يشتكى عليه أمامه

وعدنا المسؤول خيراً وكان يشهد على مافي قلبه
لكن طلبنا أدرج على ما يبدو في درج الحفظ أو لعل سلة المهملات قد التهمته
والطامة الكبرى أن يتسـرب خبر من داخل المجلس مفاده أن موظفي المجلس وكتبته ومتملقيه قد حصلوا على قطع أراضي وإمتيازات والبعثيون المجرمون عادوا الى المناصب أو يستلمون حقوق تقاعدهم

وكرام القوم منبوذون
ولما عاد بعضنا الى الغربة من جديد سألهم أصدقاءهم هناك … هل استقبلوكم في العراق اسـتقبال الأبطال!