الرئيسية » مقالات » الثورات العربية… و الحرب الباردة الجديدة….3

الثورات العربية… و الحرب الباردة الجديدة….3

الثورات العربية… و الحرب الباردة الجديدة….3

في هذه المقالة سنحاول ان نقدم قراءة في الثقافة السياسية للحرب الباردة من خلال مخيال العلاقة بين الولايات المتحدة و التقليدية الاسلامية المتجددة….نتسائل…هل سقط الرهان عن قوى الاسلام السياسي في تحقيق التوازن الفعال مع امريكا؟ و حتى لا نتحث عما اذا كانت الولايات المتحدة انتصرت ام خسرت يمكننا ان نضع السؤال هكذا…هل فشلت امريكا في توظيف العداء للاسلام في خلق العدو الضروري واهب الحياة..؟؟

في مقالة حول مشهد قتل القذافي ذكرت نقطتين اعتقد انهما مهمتان… النقطة كانت تتعلق بخلق القداسة و القديسين من اشخاص ربما لا يستحقون ذلك…. اما النقطة الثانية فكانت تشير الى السقوط الحضاري و قلت هنا ما معناه… ان الثوار انتصروا لكنهم سقطوا اخلاقيا… و في الحقيقة فان هذا السقوط لا يمكن باي حال من الاحوال اختزاله في سلوك و ثقافة الجماعات الثائرة و انما يجب ان الامور من خلال الصورة الكبيرة و اعني بشكل اساسي في سلوك و ثقافة الذين دعموهم بهذا الاتجاه و اعني بها القوى الخارجية التي تشكلت من تحالف بين القوى التقليدية العربية و خاصة الخليجية و القوى الغربية المهيمنة على العالم و بقبول من روسيا و الصين اللتين تبدوان الان في حالة حراك باتجاه خوض حرب باردة مع الغرب..

ما يحصل الان في سوريا هي تكرار لذلك النموذج الليبي و لكن بشكل اسوأ بكثير و السقوط الحضاري هنا اكثر ايلاما كون ان سوق المساومات تبدو اكثر توسعا و شدة و قد تطول كثيرا و تمتد عبر القادم من السنوات و العقود ليظل الدماء تنزف و الاشلاء تتراكم و القبور تتزاحم و يظل البائسون ينتظرون رحمة لن تنزل.

السقوط الحضاري ليست وليدة اليوم و انما هي ظاهرة تاريخية تكررت كثيرا و هي تصاحب النمو المضطرد في القوة و الهيمنة وهذه الحالة تطابق كثيرا ما جاء في اية قرانية اشارت الى هذه الظاهرة بشكل واضح… (ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها و جعلوا اعزة اهلها اذلة و كذلك يفعلون) (النمل..33و 34)…للاسف لم يفهم المسلمون المقطع الاخير… و كذلك يفعلون… فقد تم اعتبار هذا المقطع مجرد التكرار على ما جرى في التاريخ و لكني اعتقد ان الهدف كان التأكيد على ان هذا الامر سيتكرر لانه مرتبط بألية ادارة القوة الفائضة …او بكلام اخر ان مقطع … و كذلك يفعلون.. هو وصف دقيق لطبيعة السلطة… اي الطغيان… و هذا بالضبط ما يفعله اصدقاء الثوار العرب و اخوانهم الاوفياء من العرب و المسلمين بعد ان ضاقت عليهم قدراتهم العسكرية و اموالهم التي لابد ان تجد طريقا للتصريف حتى ولو كان ما يتم شراؤه دماء و اشلاء و خراب في سوريا و العراق و ليبيا..و…و..

في مشهد قريب لما يحدث في سوريا… مثل اخر لتدخل هؤلاء و هؤلاء….نعم…. جرت انتخابات في اليمن التي لم يتوقف فيها نزيف الدم… نعم جرت هناك … انتخابات ديمقراطية.. بين الهادي…و هو من اسماء الله…و شيطانه.. الذي لم يره احد و لم يقدم اوراق ترشحه… هو لا يحتاج الى ذلك لان الناس تتحسسه في كل لحظة… فهو ينشر الدمار اينما حل… ثم انتهت هذه الانتخابات الديمقراطية جدا… بفوز الهادي… و هو شيء كان الجميع يعرفه… و رغم ذلك….جرت المسرحية و سميت بانتخابات شرعية… سبحان الله… لماذا انتخابات سوريا ستكون مزورة قبل ان تجرى حتى و ان اشترك فيها اكثر من قرقوز او العوبة … بينما انتخابات اليمن شرعية …رغم ان النتيجة كانت معروفة ايضا قبل ان تجرى و الادهى ان المرشح كان واحدا فقط … سابقا كانت هذه الانتخابات تعتبر مسرحية سيئة الاخراج لانها عادة كانت تجري في البلدان التي يتحكم فيها اعتى الدكتاتوريات… هي كانت انتخابات مونولوجية اي بممثل واحد… او هي كانت شكلا من الاستفتاءات التي يعتبرها الغرب الديمقراطي اليات دكتاتورية… يكفي ان نتذكر ما قالته المرأة الحديدة في بريطانيا عن هذا الموضوع…

ثم.. ما هو الفرق فيمن سيفوز.. هل سيفوز الذين يضحون بدمائهم ام الذين بحت اصواتهم من اجل الحرية… ام الذين كانوا يقضون ايامهم و لياليهم خلف القضبان في السجون… ام ان الذي سيفوز قد يكون قرقوز هنا او مستسلم هناك.. او شبيحة هنا او شبح هناك…ما الفرق بين هذا و ذاك طالما ان الذي سيفوز في النهاية هم اصحاب السلطة… سلطة المال و الاعلام و مصانع الجيوش..؟؟ …. و الادهى انها تسمى انتخابات رغم انف المعنى اللغوي.. لان الانتخاب معناه واضح .. اي الاختيار بين شيء و اخر يختلف او اشياء اخرى تختلف… اما هذا الذي جرى في اليمن فكان اختيارا بين الشيء و اللا شيء…

قد لا نجد سببا اخرلهذا التجاوز على اللغة و مفاهيمها سوى ضرورة وجود … اخر في المسرحية… حتى وان كان هذا الاخر شبحا غير مرئي… انها ضرورة الثنائية التي لم تستطع الانسانية تجاوزها… و الديمقراطية جاءت لتضعها في اطار قانوني و الى حد ما عن طريق الية سلمية داخل المجتمع… و هكذا كانت السلطة و الشعب… و الحكومة و المعارضة… و القضاء و الاعلام… على شاكلة الله و الشيطان… و الخير و الشر… و المحسن والمعتدي …و الصالح و الطالح… الخ..

الدول و الحضارات ايضا بحاجة الى منافس ومتحد… فالتحدي او وجود العدو يعتبر حافزا مهما و يلعب دورا كبيرا ان لم يكن حاسما في خلق الدوافع تجاه الاستمرار و التطور … بغير هذا تتعرض الدول و الحضارات للتحلل و التفسخ في حالة الرخاء و التجارب كثيرة و منها الحضارة العباسية و الحضارة العثمانية….و في المرحلة التاريخية الراهنة فان ما تتعرض له الولايات المتحدة و الاتحاد الاوروبي يدخل ايضا ضمن هذا الاطار…. هذه المعادلة التاريخية يعرفها الكثيرون و منهم الامريكيون و لعل اشهر الفلاسفة الذين درسوا هذه الظاهرة و كتبوا في هذا الاطار هم ابن خلدون و ارنولد تونبي و ويل ديورانت و غيرهم كثيرون… و قد ابرز هؤلاء الفلاسفة العديد من العوامل المؤدية الى سقوط الحضارات… و منها سقوط القيم الاخلاقية…و اود هنا ان اضيف ايضا الوصول الى نقطة القداسة الذاتية…

امريكا…الاله المقدس

احد اهم مرتكزات الثقافة الغربية و خاصية الفكر الليبرالي هي الفردية التي تمنح الفرد صفة عليا في الاستقلال و القدرة على التفاعل و التقدم و الحصانة الذاتية….و بما ان الدول هي مثل الافراد فانها تتمتع بهذه الخاصية… و الولايات المتحدة هي رائدة في الاثنتين… في رفعة الفرد و الدولة… لكن من جهة ثانية… فان المجتمع الامريكي ايضا يحتفظ بذاكرة دينية محافظة شديدة و النخبة الحاكمة لم تكن يوما بعيدة عن هذه او تلك… و عليه فان الثقافة السياسية الامريكية هي ملتقى هذين الاتجاهين المتناقضين… الحرية و المحافظية… التحرر و الالتزام … و الانانية و الاخلاق… الذات و المجتمع…امريكا و العالم ….ثم الارض و الكون….الخ

هذا الخليط او بكلام ادق الحدود المتناغمة اعطت امريكا… الدولة و المؤسسات و النخبة الحاكمة ….الشعور بحق خاص للتفاعل و العمل و اتخاذ القرار و الهيمنة بشكل عابر لكل الحدود… سواء كانت هذه الحدود تتعلق بحدود الدول و النظم الاجتماعية و السياسة و الاقتصادية او الحدود الاخلاقية و الدينية و الثقافية… هذه هي طبيعة التفوق او الاعلوية Superiority و التي تعطي امريكا الحق المطلق في الفصل في كل شيء في العالم…..

و هكذا فان شأن الفصل بين الانتخابات الشرعية و المزورة في اي بلد في العالم هو على نسق الفصل بين الحلال و الحرام… هذا الاخير يحدده الله الذي يعلم كل شيء… اما شأن الانتخابات التي تجري هنا و هناك في هذا العالم فلابد ان يكون من شأن اله اخر.. اله يسهر على تأمين ادامة و استمرارية النظام الدولي و شريعة الديمقراطية.. كما يسهر الله في الاعالي على ادامة و استمرارية الكون..

اله النظام الدولي و شريعة الديمقراطية هو.. امريكا… هذا الاله لا يعيش بالضروة في نفس كل امريكي و لا حتى في نفس كل زعيم امريكي… بل يعيش في كينونة امريكا…هذا الكيان الهائل.. و النظام السياسي غير القابل للتغير و الذي يتقاسم الحكم فيه حزبان لا شريك لهما…ابد الدهر… كما يحكم الله ابد الدهر بلا شريك… حزبان يتبادلان دور الله و الشيطان… فكما انه ليس هناك فرق بين دور الله و الشيطان في الارض و السماء من نزول المطر اوالقحط … الموت او الحياة … الدمار او الاحياء…. الا في مستوى تأثير هذا او ذلك في وجداننا و ضمائرنا.. فان لا احد يستطيع ان يحدد اي الحزبين مسؤول عن ما يحصل لشؤون الدول و الشعوب الا بقدر ما تؤثرعلينا صور الاعلانات و الخطابات الرنانة و بريق الذهب.

هذه القداسة في الكينونة الامريكية يمكن ان نلاحظها في حادثتين تاريخيتين… الامريكيون هاجموا اليابان بالسلاح الذري لانهم اي اليابانيين تجرؤوا المساس بالجسد المقدس لامريكا في هجومهم على بيرل هاربر… ثم عندما قتل ثلاثة الاف امريكي في سبتمبر 2001 كان على العالم كله لبس السواد بل و القبول و المشاركة الوجدانية و الاخلاقية قيل المالية في ذبح الشعببين الافغاني و العراقي بشكل مباشر والان يأتي الدور على شعوب اخرى.. الحجج و الاسباب المعلنة غير ذي ضرورة… فالاسباب الحقيقية للثورات موجودة لان الناس عطاشى للحرية و الكرامة و الاستقلال و الاحترام… هذه حقيقة معروفة و هي ليست بجديدة… و لكن كما يقول القرأن… (و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين) ( الانفال..30)… فان امريكا ايضا تستخدم ذات المنهج…الناس تريد شيئا و امريكا تريد شيئا اخر…و طبعا امريكا هي افضل من تفكر و تخطط و تنفذ.. امريكا هي اله الارض بغض النظر عن صفة التأنيث التي يناديها التقليديون الاسلاميون و غيرهم ربما للتقليل من شأنها…. و لكن لننظر الى الصورة من زاوية اخرى..

عبر التاريخ يخرج علينا بعض الفلاسفة بين الحين و الاخر بسؤال عن جنس الله… ذكر ان انثى… لا احد يعرف الجواب… و لكن لان الرجال قوامون على النساء…بالمناسبة ليس فقط في الاسلام كما يتصور البعض بل في اغلب الثقافات القديمة و الحديثة…حتى في المجتمعات التي وصلت الى اعلى درجات الديمقراطية و حقوق الانسان… فان الها قد اعطي في كل كتب الميثولوجيا و الدراسات اللاهوتية صفة الرجل… و لذلك اود انا هنا ان اعطي هذه الصفة ايضا لامريكا… لاننا هنا لسنا ازاء دولة لها حدود… بل ازاء كيان ذو طاقة هائلة يهيمن على كل الارض و يمد ذراع سلطانه الى الكواكب الاخرى… و هذه هي بعض صفات الله الذي يحي و يميت… و امريكا اعتادت ان تقتل عندما تشاء و العلم التكنولوجيا المتطورة يوفران الامكانية الان لامريكا ان تحي حيوانات و نباتات ماتت منذ الاف السنوات … و ربما لن يمر وقت حتى تعلن امريكا انها تحي الانسان…

المهم… ان الخط البياني لتطور هذه القداسة الذاتية عند النخبة الامريكية ربما بدأت منذ لحظة انتصارهم على قوات الاحتلال البريطانية و نتيجة تأثرهم بمفاهيم الثورة الفرنسية التي كانت تدعو الى المساواة بين الناس او ما سمي تحديدا بالمواطنة فان الامريكيين اصبحوا يعتبرون انفسهم حالة تاريخية خاصة بل و ظاهرة فريدة مستقلة عن تاريخ بني البشر فالمجتمع الامريكي ليس مجتمعا تقليديا تاريخيا و انما هو مجتمع تكون اساسا من النخبة المنتجة في مجتمعات العالم و عليه فان مسؤليته تجاه العالم يختلف كليا عن مسؤوليات المجتمعات الاخرى.

كما ذكرنا سابقا فان الفكرة الامريكية عن الحرية مبنية على اساس المفهوم المسيحي للحياة و التي تعتبر الحياة هبة و الانسان حر في التمتع بهذه الحياة و لذلك فان المهمة الامريكية هي توفير الحرية للناس و ليس تحقيق العدالة بما تعني المساواة الاقتصادية فالنصوص في العهدين القديم و الجديد لا تحمل اية اشارة الى مثل هذا الامر و عليه فان العدالة عند الله هي خلق الانسان و دعم المؤمنين به و بالتالي هذا هو المفهوم الذي يشكل اساس الفكر السياسي الغربي بصورة عامة و لكن بشكل خاص في امريكا.
هذه الامر تبلور بشكل اكثر وضوحا عند تحقيق الانتصار الحاسم على النازية في المانيا و بالتالي اعادة بناء اوروبا سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا بدرجة كبيرة من النجاح…. هذا النجاح المزدوج اي عسكريا و مدنيا رسخ لدى الامريكا الاحساس و الشعور بقوة خارقة مقارنة بامكانيات اهل الارض لان هذا النجاح المزدوج يضاهي ما يتصف به الله في الميثولوجيا الدينية …. الم يكن احياء الموتى واحدة من اهم صفات السيد المسيح.؟

هذه الصورة الذاتية تحققت بشكل اكبر عند انهيار الاتحاد السوفيتي فقد مثل هذا الانهيار الرؤيا بانتصار الله على الشيطان و لابد ان نذكر ان هذا الانهيار تزامن مع حرب الخليج او حرب تحرير الكويت و التي دعم فيها السوفييت الحلف بقيادة امريكا…. هذا التزامن جعل الامريكان يفهموا الامر و كأنه تحقيق للارادة الالهية التي تتمثل في قيادة امريكا لقوة تحقيق العدالة على الارض…. في هذا الوقت اطلق الرئيس بوش مفهوم النظام الدولي الجديد و بهذه المناسبة اصدر البنتاغون الاستراتيجية الجديدة و التي ذكرت لاول مرة ان قيادة امريكا ستكون خطا احمر غير قابل للنقاش اي بشكل ما تضاهي النصوص المقدسة.

في هذه اللحظات التاريخية ايضا مارس الامريكيون دورالاله الذي ينزل رحمته من السماء فكانت التجربة الاولى لانزال المساعدات من الجو على الملايين من الاكراد الذين كانت تلاحقهم القوات العراقية…. كان المنظر رهيبا لكنه غني بالصور الرمزية…. بينما بلغ الاحباط مبلغه وسئم الناس حتى انفسهم و لم يستطع احد ان يوفر لهم شيئا يسد الرمق و يحمي الناس من برودة الجو القارسة…. جاء الانقاذ من قوة واحدة دون غيرها… القوة الوحيدة القادرة على اختراق جميع الحدود… نعم هكذا شدت هذه القوة الخارقة عيون هؤلاء المساكين لكي تشخص في السماء… تنتظر رحمة الاله المقدس امريكا… و هكذا كان… ثم تكررت هذه الحالة فيما بعد و بمسافة زمنية قريبة جدا في بوسنيا حتى اصبحت تدريجيا المنهج الاكثر فاعلية في ايصال المساعدات.

الصورة التي تشوهت

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ….. او دولة اعداء الله… و من ثم اعلان النظام الدولي الجديد…. كان على الامريكان ان ينشرو شريعتهم… الديمقراطية… اولا بدعوة الناس كما كان الانبياء يفعلون…. و سرعان ما انتشرت الدعوة في كل مكان… في اوربا الشرقية و في امريكا اللاتينية و اسيا و افريقيا… الا في مكان واحد… العالم الاسلامي…فقد استعصى المسلمون….هل كان الامر غريبا؟… ابدا… فالامريكيون خبروا المسلمين طويلا و خبروا الاسلاميين منهم ايضا… فقد حاربوا معا ضد الشيطان الاحمر… و لكن رغم ذلك فقد كان لابد من الدخول في الصراع معهم فذلك قد يعتبر معركتهم الاخير لاثبات ربوبيتهم… كان عليهم طرد الروح الشريرة من جسد بني البشر… الاسلام.. الذي هو ليس بدين بل كيان مسخ لدين الله….هكذا قال الاولون من اللاهوتيين و الفلاسفة…

في خضم تراجيديا سبتمبر 2001 تفوه الرئيس بوش الابن بعبارة …الحرب الصليبية…. منذ نشوء الدولة القومية في اوروبا و من ثم في بقية العلم فان الحروب الدينية تراجعت كثيرا و انحصرت في بعض الحروب الاهلية اي في الصراعات الداخلية في بعض البلدان و خاصة في مناطق البلقان…. اما العلاقات الدولية فان الصراع فيها تركز حول المصالح الاقتصادية و السياسية في حين ان المسائل الاجتماعية و بضمنها الحساسية الدينية فقد تم ابعادها من الخطاب السياسي الايديولوجي بشكل واضح… و لذلك فقد كان غريبا ان يظهر رئيس دولة حديثة لم يدخل بلاده في الحروب التاريخية بين العالم الاسلامي و العالم المسيحي و فجأة يتحدث عن الاساس الديني لتلك الحروب و يحاول ان يوضفها في الوضع الدولي….امر لم يستسيغه احد …و لكن لماذا لا نفكر في شيء اخر؟… الرئيس بوش لم يكن يعني المواقعة التاريخية للصراع فالصليبيون كانوا يشنون الحروب باسم تحرير البيت المقدس اما الان فان البيت المقدس و العالم كله هو تحت هيمنة الولايات المتحدة و لذلك فان ما كان يعنيه الرئيس بوش الابن لابد انه كان يحمل دلالة رمزية… ماذا تكون؟… نعم فلنتذكر… ان الصليب كان يستخدم لطرد الارواح الشريرة ….

بوعي او بغير وعي تفاعل الاسلاميون مع رغبات بوش و اعلنوا مسؤوليتهم عن اكبر كارثة اصابت اعظم دولة في التاريخ و تحت انظار اعظم جهاز استخبارات مزودة بما لايخطر على البال من وسائل تكنولوجية معتقدين انهم بذلك يسجلون اعظم عمل من اجل الله….. لقد سبب ذلك باعظم حربين في زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية في افغانستان و العراق تاركة دمارا هائلا و الملايين من القتلى و المجروحين و المشردين و كذلك في احتلال واقعي للكثير من مناطق الشرق الاوسط تحت عناوين قواعد عسكرية و تسهيلاات و غيرها…. لقد فتحوا الباب الولايات المتحدة ان تمتد جغرافيا و تصبح جزءا داخل حدود الشرق الاوسط…

و على نسق اهل البيت تعجب الرئيس بوش… لماذا يكرهنا العرب و المسلمون؟… الرجل صادق ربما في تعجبه… فهو في قرارة نفسه يعتقد ان الله قد ارسله لخلاص بني البشر… هو ليس لديه شيء ضد العرب و المسلمين و ما يسعى اليه هو طرد الروح الشريرة من انفسهم و لذلك فهو يتعجب عندما يرى الناس تكرهه بدلا من شكره.
الرئيس بوش كان يرى نفسه شيئا اكثر قداسة من قديس و اكثر شجاعة من محارب.. الحروب القديمة لم تكن بين المسيحية و الاسلام بل كانت بين الله و الدجال او بين روح الله و روح الشيطان الشريرة… هي لم تنهتي رغم انهيار مملكة الشيطان الاحمر لان امر هؤلاء كان مفضوحا كونهم وقفوا جهارا ضد الدين… اما الاسلام فهو الدجال او Anti-Christ لانه يكسب او يغوي الناس باسم الله….

هل تحققت الربوبية للامريكيين؟…. بعد مرور عقد من الصراع… او هكذا تصوره لنا وسائل الاعلام… فان تغييرا حصل… الامريكيون و معهم الغرب اوغلوا في المبالغة بقدراتهم و ربما وقعوا اسير مثاليتهم الجديدة كما يسميها بعض المثقفين الغربيون… فاعتقدوا ان المسلمين قد اعتنقوا شريعة الديمقراطية اخيرا… او هكذا بدت صورة الثورات العربية لهم… على الاقل في الوهلة الاولى… ثم صدم الجميع… او صحوا من حلم جميل… فكان لابد من اعادة بناء الاشياء من جديد… و لابد للاخر من وجود… و لابد للصراع الجديد من مظاهر و اطراف… و كانت روسيا و الصين هم ابرز الوجوه لهذا الاخر…

اما الاسلاميون… من حيث يدرون او لا يدرون …فهم قد شوهوا الصورة المقدسة لامريكا و حولوا الاله المقدس الى مجرد قوة غاشمة غير عقلانية تعتمد القوة بدلا من العقل و تتسم بالعدوانية بدلا من العدالة الكلية و تتسم بالانانية الذاتية بدلا من الرحمة…. بمفاهيمهم المختزلة عن العالم و ايديولوجياتهم المتشددة دفع هؤلاء امريكا لاعلان الحرب على شبح لا يمكن ملاحقته الا في الافلام امريكية او عن طريق التعاويذ الدينية و الصليب احد وسائلها…. و ايضا من حيث يدرون او لا يدرون فان الاسلاميين قد ايقضوا امريكا من غفوتها المثالية و اعادوها الى الواقع حيث يمثل الصراع اساس التقدم وفق منطق ثقافة الغرب… و فق هذا المنطق ايضا فلا بئس ان يعود الشيطان جزءا من اللعبة… لعبة الثنائية التي لا تنتهي…. كما انها ايضا للكثير من الاسلاميين التقليديين فرصة كبيرة ان يصبحو من جديد (الاخر) و ان كانت ساحة حروبهم هي ارضهم و اعداؤهم هم اناس كانوا للامس القريب اخوانا لهم…

ماذا عن ثقافة روسيا و الصين… و كوريا الشمالية التي اعلن القائد الجديد فيها استعدادها لخوض حرب نووية…و ماذا عن ايران و اسرائيل….نتابع في مقالة