الرئيسية » مقالات » الثورات العربية… و الحرب الباردة الجديدة….1

الثورات العربية… و الحرب الباردة الجديدة….1

في مشاركتي حول دور اليسار في الثورات العربية اكدت ان العنف كان ملازما لهذه الثورات منذ البداية رغم الدعاوى السلمية و و لكن من المؤكد ان الاتجاه السلمي كان يتمتع بحضور قوي ثم بدأ هذا الحضور يتلاشى شيئا فشيئا مع شدة العنف في ليبيا و ان تم التأكيد عليه في مناسبات كثيرة في مصر و اليمن و سوريا الا ان العنف استولى و ما زال يستولي اكثر و اكثر على المشهد. و الان و بعد مرور اكثر من سنة منذ الانطلاقة الاولى في تونس فان السؤال هو ما اذا كان الاتجاه السلمي قد فقد زخمه كليا و ان الساحة اصبحت متروكة للفكر العسكرتاري ام انه سيستعيد قوة دفعه مع بروز التطورات الاخيرة على المستوى الدولي و اعني به الفيتو الروسي الصيني في وجه ضغوط امريكا و الغرب؟

قبل ان نبحث العلاقة بين الثورات العربية و امكانية قيام حرب باردة جديدة او متجددة لابد من بعض الملاحظات حول طبيعة الواقع السياسي المحيط بالفيتو الروسي الصيني… اولا… على مستوى القوى الكبرى فان الطرف القوي و الواضح لحد الان هو الولايات المتحدة و حلافائها الغربيون و ربما القوى الرأسمالية الاسيوية و لكن حتى تكون هناك حرب سواء كانت ساخنة او باردة فان طرفا معاكسا و قويا لابد ان يظهر و هنا فان الكلام عن روسيا و الصين يبدو مشوشا و ان كانت مؤشرات قوية بهذا الاتجاه.

ثانيا ….ان هذا الفيتو لا يتعلق بقضية اخلاقية مثل التضامن او الوقوف مع هذا الطرف او ذاك كما كان الحال في الخمسينات و الستينات من القرن الماضي و مع بروز الفكر التضامني في الانظمة السياسية للكتلة الاشتراكية انذاك.

ثالثا… الفيتو لا يتعلق ايضا بشكل حصري بالمصالح الانية لروسيا و الصين في سوريا او حتى في الشرق الاوسط بصورة عامة كما يعتقد الكثير من العرب و لذلك فان الطريق الى تغيير الموقف الروسي و الصيني لا يعبر من خلال صفقات شبيهة بسابقاتها اثناء ازمتى العراق 1991 و 2003 و لا حتى ازمة ليبيا قبل اشهر.

رابعا…الفيتو يتعلق بشكل اساسي بوضع هاتين الدولتين في المنظومة الدولية و الصراع المفتوح في ظل العولمة. بكلام اخر فان الفيتو الروسي الصيني يبدو و كأنه مانيفستو جديد لمستقبل سلوك هاتين الدولتين تجاه الكتلة الغربية التي هيمنت بشكل احادي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي و التغيير الجذري في السياسة الخارجية و الاقتصادية للصين.

خامسا…. التحدي الروسي و الصيني للهيمنة الاحادية للولايات المتحدة و حلفائها ليس جديدا اي انه ليس وليدة استخدام الفيتو في اللحظة التاريخية المتعلقة بالازمة المريعة في سوريا و انما هناك مؤشرات سبقت هذه اللحظة التاريخية منها على سبيل المثال…1…ان الطائرات المقاتلة الروسية بدأت منذ اكثر من سنة باختراق اجواء دول البلطيق وبالتحليق فوق البحر بين السويد و الدانمارك و حتى حدود المانيا و قد ردت عليها طائرات الحلف الاطلسي و كادت في مناسبات ان تحدث اشتباكات…2… روسيا قررت مؤخرا توجيه صواريخها بما يمكن ان تقضي على فعالية الدرع الصاروخي الاميركي لحماية لوروبا و الولايات النتحدة من اي هجوم صاروخي ايراني او من كوريا الشمالية…3… الصين تجاهلت اميركا و حضور الرئيس اوباما شخصيا في مؤتمر البيئة العالمي في كوبنهاغن قبل سنتين و اصرت على رؤيتها الخاصة دون الاخذ بنظر الاعتبار لدخول الولايات المتحدة لاول مرة على خط الحفاظ على البيئة ( هذه مسألة مختلفة ربما اعود اليها في مناسبة اخرى و لكن المهم التأكيد هنا على التوازن في العلاقة الصراعية بين القوى الكبرى)…4… في الاسترتيجية العسكرية الجديدة للولايات المتحدة او ما يسمى Obama Doctrine فان الاهمية اعطيت لخنق التمدد الصيني في جنوب اسيا و استراليا و نيوزيلندا و التي يعتبرها الصينيون منطقتهم الحيوية.

من المؤكد ان هناك مؤشرات كثيرة اخرى و منها ان روسيا استعادت ثقتها اكثر و اكثر بنفسها و في ظل الانحدار المستمر في قوة الولايات المتحدة اقتصاديا فان الصين ترى نفسها الان في وضع متساو لامريكا بل ان التوقعات تشير بوضوح الى تجاوز القوة الاقتصادية للصين مركزالولايات المتحدة بحلول 2016. لكن يظل هناك سؤال مهم و هو…هل يدفع ضعف امريكا و طموح روسيا و الصين للدخول في حرب باردة جديدة و هنا لابد ايضا من ملاحظتين و هما …اولا… بعيدا عن اليات شنغهاي للتعاون الاقتصادي فليست هناك اتفاقيات استراتيجية بين روسيا و الصين كما انهما لم يبديا رغبة واضحة في تشكيل تكتل عسكري اواقتصادي او ما شابه بشكل يتقاطع مع التكتلات الاقتصادية او العسكرية التي تتواجد او ترأسها الولايات المتحدة. و هنا لابد ان نذكر ان هناك انتقادات كثيرة تقول ان الصين قد مولت الحرب الامريكية في افغانستان و العراق عن طريق منحها قروضا بمبالغ تتجاوز 2000 مليار دولار.

ثانيا… انه ليس هناك ما يؤكد بان اي حرب باردة ستنفع روسيا و الصين خاصة في ظل الحقيقة التي لا يغفل عنا الروس و الصينيون و هي ان الامكانيات العسكرية لاية دولة او حتى مجموع الدول العالم كلها لا تساوي حتى نسبة بسيطة من امكانيات الولايات المتحدة و لعل قراءة بسيطة للاستراتيجيات العسكرية التي يصدرها البنتاغون منذ عام 1992 يؤكد هذا الواقع حيث تؤكد هذه الاسترتيجية المنحة كل سنة على اهمية قصوى تشكل خطا احمر و هو عدم السماح لاية قوة على الارض تحدي الولايات المتحدة عسكريا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. بكلام ان الولايات المتحدة ستتدخل بكل قواها و من ضمنها القوة النووية غيرها اذا احست بامكانية تطور اية دولة بشكل يهدد التفوق الامريكي الحاسم. يكفي ان نذكر ميزانية البنتاغون السنوية تفوق بكثير الميزانيات العسكرية لكل دول العالم مجتمعة. و هذه واحدة من اهم اشكاليات التنمية و مكافحة الفقر في العالم بالاضافة الى قضايا الامن و الاستقرار…و…و…الخ

الفيتو و الحدث المجنون

لكن من المحتمل ان يدشن الفيتو الروسي الصيني لتحالف جديد و لتقسيم جديد للعالم لا نعرف كثيرا من معالمهما الاخرى… اما ما يحصل في سوريا فهو جنون مطبق يعيدنا الى ايام المجانيق و الحصون المحاصرة حيث يمنع الماء و الغذاء و الدواء و يتلقى الناس ححم النار و رصاصات الاصدقاء الاعداء و دعاوى الاحباء الكفار و صلاة المؤمنين الزنادقة…. نعم.. ما يجري هو عبث من الرعب و الموت الذي يلاحق الجميع دون يعرف الناس البسطاء من هم الاصدقاء و من هم الاعداء…

هذا الجنون يظهر له ملامح ايضا مصر و لكنه بدأ في ليبيا في زمن الثورات العربية و قبلها دشن اسسه في العراق في زمن الاحتلال المرغوب و النبي الامريكي القبيح… في العراق انقسم الناس ليس بين اعوان النظام الذي انهار بسرعة و القوى التي استولت على السلطة كما كانت تجري في مجتمعات كثيرة في العالم شهدت انقلابات و ثورات سابقة … بل جرى جنون العنف بين معسكر الرافضين للاحتلال الامريكي و القابلين بهذا الاحتلال … و لكن بما ان الاحتلال جرى بدون مساهمة عسكرية فعلية من القوى المعارضة و الداعمة سياسيا و اعلاميا للتدخل الامريكي فان الحالة التقسيمية الفاصلة بين رافضي الاحتلال و المرحبين به قد ترسخ في النموذج الليبي بشكل دموي يعيدنا الى تاريخ الحروب الدينية القديمة كما يعيدنا الى الاستقطابات و التجييش الخارجي في التاريخ او ما كان يطلق عليه بحروب الانابة او Proxy Wars و التي خدمت مصالح الامريكان و السوفيت على مدى عقود و لم يحصد منه الفقراء سوى المزيد من الفقر و الدمار .

هنا نواجه مشكلتين احداهما تنبع من حقيقة مرة و هي ان جهود القوى الثورية السلمية تبدو و كأنها ضاعت هباء حيث ان تلك الثورات و الجماهير العريضة التي التفت حولها قد تم تهميشها او عسكرتها و بذلك اضيعت هويتها المتمثلة بالحرية و بناء مجتمع يتمتع الجميع فيه بنوع من التساوي او التوازن في توزيع الخيرات و الموارد و بدرجة معقولة من الحرية و الاحترام و سيادة القانون…

المشكلة الثانية هي اكبر بكثير حيث تتعلق باعادة صياغة العلاقات الدولية و بشكل تضع المنطقة تارة اخرى عند خط تماس جديد لمصالح قوى كبرى تتصارع على الموارد و النفوذ و هذا يوسس لتصدع اجتماعي مستديم في المجتمعات العربية ملغيا بذلك اي احتمال لبناء تنموي في استقلال و حرية ذاتية. خطورة التقسيم الجديد في حرب باردة جديدة هي ان هذا التقسيم يستدعي اسسا اجتماعية من الواقع التاريخي للتطور الاجتماعي لهذه المجتمعات و هذا يختلف عن اسس التقسيم في عهد الحرب الباردة القديمة و التي كانت يرتكز بشكل رئيسي على مفاهيم كانت غريبة و حديثة العهد خاصة في درجة استيطانها في نفوس الناس مثل القومية و الماركسية و الليبرالية و هي كلها ايديولوجيات كانت وليدة التطور السياسي للحروب في اوروبا و نشوء الدولة القومية و بذلك فانها كانت تنبع من مجتمعات غربية تمثل بشكل ما بقايا ثقافة الاستعمار القديم. كما ان هذه المفاهيم كانت تتمحور حول اسس سياسية بحتة و تتعلق بشكل كبير بمسائل ادارة البلد و المجتمع, بينما يتعلق التقسيم الجديد بمفاهيم مبدئية دينية و بالتالي غير قابلة للنقاش. بكلام اخر فحيث ان المسائل السياسية تكون عادة قابلة للتفاوض فان القضايا الدينية هي مسائل قطعية خارجة عن ارادة الانسان بغض عن اي دين او مجموعة كنا نتحدث. و هنا مكمن الخطورة لان السياسي ينحو في النهاية نحو البراغماتية كونه يريد ان يقيم مجتمعا و دولة, و هذه الخاصية لا تنطبق دائما على النموذج الديني لان هذا الاخير فانه قد يحارب حتى اخر قطرة دم كما يردد الخطاب السياسي للفكر الديني و التقليدي لانه ببساطة يبني اساسا في الاخرة اي حياة في مملكة اخرى مختلفة عن ظروف الحياة التي تحدث فيها الصراعات و الدمار. لو وضعنا هذا الامر في ميزان مفهوم اقتصادي علمي فان استراتيجية الاستثمار تختلف كليا هنا و هناك اي عند السياسي و الديني و بذلك فان البناء عند احد الطرفين قد يعني الدمار عند الطرف الاخر و العكس صحيح.

نقول هذا الكلام لان هذا الجنون المدمر يجري تحت ادعاء القيم الاخلاقية و على هذا الاساس فان الاشكالية الاخلاقية التي تواجه اي باحث الان هي كيف يمكن وضع اي اساس لحرب انابة او شراكة بين طرف مهيمن و مستفيد قد يكون هذه او تلك من القوى العظمى التي تطمح الى السيطرة و تحقيق مصالحها سياسيا وعسكريا و بين قوى محلية تدفع الثمن بدماء ابنائها و مستقبل بلدانها في سبيل تحقيق الرسالة الربانية كما يؤكد ذلك الخطاب السياسي الايديولوجي للقوى الدينية ؟ اي كيف يمكن لقوى ربانية ان تصبح نوابا او Proxies و ان تعمل لصالح قوى دنيوية تريد الهيمنة على مملكة الرب؟

كما ذكرنا في مقال سابق فان امريكا استطاعت ان تجند الكثيرين في دول جنوب شرق اسيا باسم محاربة الشيطان الاحمر او الشيوعية الملحدة, و على الاساس نفسه استطاعت ايضا تجنيد اسلاميين لمحاربة ذات العدو في افغانستان, ثم دخلت هي في حرب مع هذه القوى لاحقا عند اندحار الاتحاد السوفيتي و ما تزال هذه الحرب مستمرة كما تدعي الولايات المتحدة و الدول الغربية بصورة عامة و كما تصر القوى الاسلامية و لكن هل سيتحد الطرفان مرة اخرى و هذه المرة ضد شياطين بألوان اخرى؟

خلاصة اولية

ما يجري الان يبدو و كأنه سيعيد خلط الاوراق مرة اخرى و يعيد الحياة للاصطفافات القديمة بنمط جديد اساسه الاختلافات العقائدية القديمة داخل الاسلام و بينه بين اتباع ديانات اخرى و ان امتداد النموذج السوري الى لبنان و ربما لاحقا الى العراق يؤشر ليس فقط الى توسيع الخط بين المعسكرين بل ايضا تجذير هذا التقسيم و استحواذه على كل الطاقات الممكنة… و هذا النموذج قد يولد اليات الامتداد بطريقة لولبية داخل كل مجتمعات العالم العربي بل الشرق كله.
هل تحولت الثورات الى اليات لتقسيم جديد في عالم جديد..؟؟ هذا سنناقشه في المقالة التالية….