الرئيسية » بيستون » ست بنات وولد وحيد!

ست بنات وولد وحيد!



كنت دائما اخشى قسمات وجهه التي حفرت عليه سنوات القهر اخاديد مصفوفة بعشوائية، وقد زادت حرارة الشمس من سمرة كانت تزين قامته الفارعة، وانا احمل بيدي الدرهم الذي كان مصروفي اليومي، واتوجه به نحو دكان أبي محمد.


وفي ذلك الصباح رأيت ذلك الرجل الذي كنت احسبه في داخلي وحشا كاسرا وقد جلس على الكرسي العتيق وسط دكانه الذي اقتطع لبنائه جزءا من بيته الصغير في القطاع السابع والخمسين في مدينة الثورة آنذاك؛ ليعيل به نفسه وامراته وبناته الست وولده الوحيد الذي طال انتظاره له، وقد اسماه محمدا بعد تلكم البنيات الست اللواتي لا يفصل بينهن من العمر غير عام واحد، فكانت كبراهن ما زالت في قمة الشباب، رأيت المنظر الذي لم أصدق عيني ولم اتخيل اني سآراه طوال حياتي ابدا؛ رأيت أبا محمد جالسا على ذلك الكرسي وسط دكانه واضعا كفه على خده الايمن ورقبته ووجهه شبه مائلين الى الجهة اليمنى وعينيه مغرورقتان بالدموع وسيجارته التي عصرها بين اصابع كفه اليسرى التي كان قد وضعها على ركبة رجله اليسرى وقد تحول اكثر من ثلثها الى رماد وخيوط الدخان المنبعث منها تمر امام وجهه لتزيد من كآبة المنظر، وبالكاد سمعت منه أنينا ميّزت منه كلمات ما زالت كالمسامير تدق سمعي وتمس شغاف قلبي الذي ارتفعت وتيرة دقاته كلما دنوت منه لأستوضح تلك الكلمات؛ فسمعته كمن يقبع في محراب الصلاة يناجي ربه بالقول “رباه انك لتعلم انهن ست بنيات ضعيفات”…”ماذا لو حصل الذي لا اريد حتى تخيله… الطف بنا يا رب”.


وبعد أن كفكف دموعه بمنديل ابيض اللون اخرجه من جيب سترته الداكنة التي تجمعت الاتربة على اعلى كتفيه، أجال ابا محمد النظر في البضاعة التي لاحظت انه جلبها مؤخرا وقال كمن يحدث نفسه “لعنة الله على الظالمين،…..”أين ساصرفها ولم يمهلونا الا يومين، وها هو اليوم الاول على وشك الانقضاء”….”طز في البضاعة وكل الاموال والممتلكات، ان الذي وهبها ، اكيد سيعوضها… ولكن ماذا اذا نفذوا تهديدهم.. الى اين المفر بهؤلاء البنات الست والولد الصغير؟”، … “انهم وحوش كاسرة لا شك انهم لن يرحموا ضعفهن وانعدام حيلتي في الدفاع عنهن”، هنا سالت دموعه التي احتفرت خطين متعرجين وسط التراب الذي تكوم على وجهه نتيجة لمرور بعض السيارات العتيقة المندلقة من الفرع الجانبي الترابي الذي اسلكه يوميا لاشتري بدرهمي العتيد بعض قطع الحلوى او (الدعابل) التي كنت اتبارى بها مع اقراني في المحلة….. حين رأيت ابا محمد على تلك الحالة اخذتني الرهبة مما وقعت عليه عيني في ذلك اليوم النيساني وعدت الى امي راكضا مسرعا لا أكاد ابصر الطريق امامي وقد انغرزت احدى قدمي في المياه الآسنة وسط الساقية التي تتوسط بيوت المحلة لنقل مياه مجاريها وقد تلطخت قدمي وساقي وجزء من السروال القطني المخطط الذي كنت ارتديه كسائر ابناء الفقراء في محلتنا وبقيت فردة النعل الاسفنجي الذي كنت ارتديه مغروزة في عمق الساقية المليئة بـ”السيّان” وكنت اواصل الركض من دون الشعور بفقدان فردة النعل حتى وصلت باب دارنا الذي تكومت فيه اسرتنا واسر عمي الاثنين واحدى عماتي بعد ان رحلتنا الحكومة من قريتنا في خانقين الى الجنوب، حيث جمع ابي مدخراته ومدخرات شقيقيه ليشتروا بها هذه الدار… اقتحمت باب الدار اقتحاما ارتطم معه كتفي بطرف الباب الحديدي الذي فقد ملامح الوانه وتقشر الصبغ الباهت على بقع كثيرة منه مرتجا ومحدثا رعيدا مزعجا جفلت منه امي التي كانت منشغلة بغسل الصحون والقدور الفافونية على حوض الماء الكونكريتي الذي يتوسطه صنبور الماء الذي كان بالكاد يتدفق بخجل فقامت الي واحتضنتني وبقايا الماء المختلطة برغوة مسحوق الغسيل تتقطر علي وقد التصقت بها، فاستفسرت عما ارعبني فاخبرتها بما رأيت فنطقت كلمات متقطعة بصوت خافت بالكاد اسمعه “الله يلعن الظالمين…انها.. التسفيييييييييييييراااااات … عادت…من جديد… الله يستر علينا”.


قصة.. ماجد السوره ميري
شفق نيوز/ الإثنين, 27 شباط/فبراير 2012