الرئيسية » شؤون كوردستانية » البرهان .. في الغزو العربي لكردستان

البرهان .. في الغزو العربي لكردستان

هذا الموضوع كبير وخطير، ومن الظلم إختصاره في مقال قصير، لكن ماذا أفعل ! فقد قلت في مقال سابق أن العرب نشروا الإسلام بالسيف في الشرق الأوسط ، ومنها كردستان، والظاهر أن هذا الكلام أغضب بعض القراء الكرد الطيبين القلب، فكتب متعجباً يسأل : ما الدليل على أن العرب فتحوا كردستان بالسيف؟

وفي أعماق هذا السؤال معاني كثيرة .

المعنى الأول أن موضوع فتح الغزاة العرب لكردستان بالسيف افتراء، على التاريخ، وتزييف للحقائق، وظلم للغزاة العرب.

والمعنى الثاني أن العرب كانوا رسل سلام ومحبة، ولم يكونوا رسل غزوات وإرهاب وغنائم وأنفالات، وأن الآيات وأحاديث النبي التي تشجّع على الغزو والجهاد وتقسيم الغنائم والأنفال وإرهاب الأعداء (الكفّار طبعاً) ونشر الرعب في قلوبهم ، كلها غير موجودة .

والمعنى الثالث أن الجيوش التي قادها خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص لفتح العراق وما وراء العراق من كردستان وبلاد فارس، والجيوش التي قادها أبو عبيدة بن الجراح لفتح سوريا، والجيوش التي قادها عمرو بن العاص لفتح مصر وما وراء مصر، ما كانوا جيوش حرب وقتال وغنائم وأنفال ، بل كانوا جيوش علماء ومثقفين مسالمين، أحزنهم أن البشرية كلها غارقة في الكفر ، فما استطاعوا أن يأكلوا ولا يشربوا ولا يناموا حتى يسرعوا إلى هداية هؤلاء المساكين الكفار.

والمعنى الرابع أن الغزاة العرب فتحوا الشام ومصر والعراق وبلاد فارس وما وراءها، وتمازغا (بلاد الأمازيغ) التي تسمّى شمال إفريقيا، وإسبانيا كلها بالسيف، إلا كردستان من بين كل هذه البلاد، فإنها كانت محظوظة، ولم تدخل إليها سيوف العرب، ولا ندري لماذا كانت محظوظة؟

ولا ندري ماذا كان يفعل هاشم بن أبي وقاص أخو سعد بجيشه في حُلْوان الكردية، وبعدها في كرمنشاه الكردية التي سمّاها العرب قَرْمِيسين ؟ وماذا كان يفعل جيش حُذيفة بن اليَمان في نَهاوَنْد الكردية ؟ وماذا كان يفعل جيش أبو موسى الأشعري في سَيروان الكردية ؟ وماذا كان يفعل جيش عَزْرَة بن قيس في شَهرزور الكردية ؟ هذا كله في جنوب كردستان، وماذا كان يفعل جيش عِياض بن غَنْم في سروج والرُّها وآمد وفارقين بشمال كردستان ؟ هل كان هؤلاء مع جيوشهم يقضون إجازات الاستجمام في بلاد الكرد ؟

والمعنى الخامس أن الأخ السائل الطيب القلب مثل كثير من الشرقيين يطالب بالأدلة، ويعفي نفسه من تقديم الأدلة التي تبرهن العكس، أي تبرهن أن العرب ما فتحوا كردستان بالسيف، فالقاعدة في هذا الشرق التعيس أن الآخر هو المتهم دائماً، وعليه أن يقدّم الأدلة على براءته وصدقه.

والمعنى السادس أن هذا الأخ الطيب القلب لم يرجع إلى كتاب المغازي للواقدي، وكتاب غزوات الرسول وسراياه لابن سعد، وكتاب فتوح البلدان للبلاذري، وتاريخ الطبري، وتاريخ المسعودي، وتاريخ ابن الأثير الجزري، ولم يقرأ أحداث الغزوات العربية بين 19 هـ و 23 هـ ، ليتأكد من أن ما قلناه لم يكن افتراء، بل كان جزءاً من الحقيقة وليس كل الحقيقة، لأن ذكر كل الحقيقة أمر مزعج جداً، وليس الآن وقته.

والمعنى السابع أن الأخ السائل الطيب وغيره معذورون، فهم منذ أن تعلموا الألفباء في مدارس العرب والمستعربين علموهم أن العالم كله بما فيه كردستان كان غارق في ظلمات الكفر والفسق والفجور، عالم بلا أخلاق بلا مبادئ بلا مدنية، عالم كالهمج والوحوش، وحمل العرب المسلمون الزهور، وساقوا جمالهم وهي تحمل مجلدات العلوم والفلسفة والطب والفلك والهندسة، وزاروا الشعوب التعيسة، وبكل لطف هدوهم إلى الإسلام ، وقدّموا لهم بلا مقابل كل تلك الهدايا الثمينة .

وكيف لا يكون الأخ السائل الطيب القلب وغيره معذورين؟، فهناك مئات الكتب والمقالات والأفلام والمسلسلات كلها تقول إن الفاتحين العرب (هرباً من كلمة الغزاة) كانوا رسل محبة وسلام، ومن ذلك هذا الكلام الذي كتبه باحث كردي برتبة دكتور، في كتاب عنوانه (إسهامات علماء كوردستان العراق في الثقافة الإسلامية، صفحة 22): (لقد منّ الله على الكورد، إذ بعث فيهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يبلّغونهم دعوة الإسلام، ويرضون عليهم منهج القرآن، وبكل سهولة ورضا قَبِلوا العرض بثقة وإيمان، ودخلوا في دين الله أفواجاً طائعين ).

ويقول الأخ الدكتور الطيب القلب أيضاً في الصفحة 34 : (انبثق نور الإسلام، وأضاء أكثر المعمورة ، ودخل في دين الله أفواج من الناس ، وتلقّت الأمم تعاليمه القدسية بصدر منشرح ، وقامت بتقوية أركانه وتعزيز علومه ، ومن تلك الشعوب المسلمة الشعب الكوردي الذي آمن من أعماق قلبه ). وحسب رواية الدكتور الطيب القلب لا غزوات ولا جهاد ولا شهداء ولا سيوف ولا قتال ولا قتل و لا أنفال ولا غنائم، وهل هناك لوحة أجمل من هذه اللوحة التي رسمها الدكتور الطيب القلب لنا؟

عندما يقرأ الأخ السائل وغيره من الطيبين القلوب مثل هذا الكلام في كتاب ألفه مثقف طيب القلب برتبة دكتور، فكيف لا يندهش إذا قرأ في مكان آخر كلاماً حول الغزو العربي لكردستان وفتحها بالسيف؟

يا سادة يا كرام، أولاً إن أجدادنا وجداتنا الكرد قبل الإسلام ما كانوا مشركين ولا كفّار، وما كانوا كفرة ولا فجرة، كانوا موحّدين، يؤمنون بإله اسمه خُدا= Xwe da (مُوجِد نفسه) أي (لم يلد ولم يولد)، ومن صفاته يَزْدان= Îz da، أي (الهادي)، وإلى الآن آثار هذه العقيدة التوحيدية موجودة في الدين الأيزدي، لكن خالطته بعض الخرافات والأساطير، نتيجة عصور الجهل التي فُرضت عليهم، فما الذي يجعل أجدادنا وجداتنا الموحّدين حائرين في أمرهم، وينتظرون كل صباح أن يأتيهم العرب من الصحراء حتى يخلصوهم من الكفر، ويخرجونهم من ظلمات الضلال إلى نور التوحيد؟

وثانياً، كان العرب يحتلون البلاد بأسلوبين:

أسلوب الحرب، وعندئذ كان الوطن والشعب كله يصبح غنيمة للغزاة، ومن حقهم أن يبيدوا الشعب كله، أو يحوّلوهم إلى عبيد.

وأسلوب الصلح، لكن أيّ صلح؟ وكيف كان يتمّ الصلح؟ كان الغزاة يحاصرون الناس في المدن، ويهدّدونهم بالإبادة، فكان سكان بعض المدن العاجزين عن الحرب يوافقون على الصلح، ومن شروط الصلح الأساسية أن يدفعوا الجزية (وهم صاغرون) حسب الآية، أي أذلاء، ومن شروطه الأساسية أيضاً الاستسلام لسلطة الغزاة، والتبعية المطلقة لدولة الخلافة. فأيّ شعب هذا الذي يقبل دفع الجزية وهم أذلاء، لغزاة حملوا سيوفهم، وأتوا من بعيد واحتلوا بلادهم؟

يا سادة يا كرام، تاريخ هذا الشرق بحاجة إلى إعادة كتابة وإعادة قراءة.

وعلى المثقفين الكرد أن يعيدوا قراءة تاريخهم تحت الاستعمار العربي.

وإلا فسنظل غارقين في الأحلام ونطارد الأوهام.
Birûsk Botanî