الرئيسية » مقالات » هديب الحاج حمود.. الغياب المفجع

هديب الحاج حمود.. الغياب المفجع

لا يستطيع المرء ان يمر جزافاً على حدث كبير في الحياة العامة كغياب الشخصية الديمقراطية الكبيرة هديب الحاج حمود. لقد صاحبته منذ ايام الصبا عندما كنت طالبا في متوسطة الشامية، وكان هو رمزا لامعا في الوسط السياسي ومكافحا ثابتا للاصلاح الوطني والديموقراطي آنذاك.
لم يكن الامر سهلا ان ترى “شيخا” من شيوخ “الحميدات” التي بسطت نفوذها السياسي والاقتصادي في مدينتنا، تهزه مشاعر الفلاحين ويتبنى مطالبهم العادلة لاصلاح النظام والتقاليد الزراعية البالية السائدة آنذاك، كان ذلك واضحا وملفتا، آبان انتفاضة فلاحي الشامية في مطلع شباط 1954، وهو ان يستوي “الشيخ” و”الفلاح” في موقع اجتماعي وطبقي واحد، والمطالبة بإلغاء نسبة الثلث للفلاحين واستبدالها بالنصف من الموارد وتقسيم كلفة الخدمات بالنصف بين الفلاحين والملاكين الاقطاعين آنذاك. قامت انتفاضة الشامية بمشاركة واسعة من فلاحي “الحميدات” والعشائر الاخرى في المدينة وبإسناد مباشر من الطلبة والمثقفين والمحامين وسواهم، وهي ظاهرة مهمة في التحرك الاجتماعي المتنامي آنذاك.
كان الفقيد هديب الحاج حمود واقرباؤه بين ابرز الوجوه السياسية وكذلك زملاؤه من المحامين المعروفين في الشامية، فضلا عن الطلبة الذين اسهموا مساهمة مباشرة في تأجيج الوعي الوطني والاجتماعي والالتفاف حول الانتفاضة الباسلة، وكنت احدهم في تلك الهبة. كان الفقيد محور الاتصالات الوطنية ولولب العمل السياسي المشترك بين الاحزاب والكتل السياسية، فهو المرشح البارز آنذاك عن “الحزب الوطني الديمقراطي” في الانتخابات البرلمانية.
واليوم، اذكر جيدا ، كيف كان لهذا الحدث اهمية خاصة في تطور الحركة الوطنية العراقية، إذ كتب الاستاذ الفقيد كامل الجادرجي مقالا خاصا بمناسبة الحوادث التي جرت في الشامية وقال: “كانت لحوادث الشامية الاخيرة اهميتها من هذه الجهة، بعد ان سبقتها حركات مماثلة في الالوية الشمالية وحركات اخرى في العمارة”، ويضيف: “اصبح ابناء الريف يعرفون مصادر البؤس والفاقة التي يرزحون تحتها واصبحوا يعرفون ان لهم حقوقا مغتصبة يجب ان يحصلوا عليها لا كمنحة من الاقطاعي او من الحكومة، ولكن كحق لكل مواطن في العراق وكحق لكل انسان متحضر. (المقال الافتتاحي – جريدة الاهالي في 14 شباط 1954).
ثم تتطور الاحداث، ونشهد وفدا كبيرا من المحامين برئاسة الفقيد المحامي البارز آنذاك توفيق منير وبصحبته حوالي عشرين محاميا يتوجهون الى مدينة “غماس” حيث كنا مجموعة الطلبة “المشاغبين” معتقلين في مركز الشرطة. جاءوا من بغداد وبقرار من نقابة المحامين للدفاع عنا وسوانا من المعتقلين. كان لهذه الخطوة صدى كبير في المنطقة وفي البلاد بأسرها، وكانت تعبيرا حقاً عن التآزر بين جميع الفئات الشعبية المكافحة آنذاك من اجل الاصلاح الديموقراطي. لقد استكمل الفقيد هديب الحاج حمود نهجه الوطني والديمقراطي الاصيل هذا بمشاركته المباشرة في الحكومة الاولى للزعيم عبد الكريم قاسم فكان مثالا للسيرة المتوازنة والمنصفة وعونا مباشراً لموجة الوعي الديمقراطي التي انطلقت آنذاك على عموم البلاد.
ليس لنا ان نعزي احدا، بل نعزي البلد ككل بهذا المصاب الاليم.

14/03/2012