الرئيسية » مقالات » المغتربون والعودة.. والقوانة المستهلكة

المغتربون والعودة.. والقوانة المستهلكة




مرة اخرى يطرح هذا السؤال نفسه في اروقة الحكومة ومجلس النواب: لماذا لم تستجب النخب العراقية المغتربة الى الدعوات الرسمية المتكررة بالعودة والمساهمة في اعادة اعمار البلاد؟ او: لماذا لم تترجم الى اجراءات تلك التوصيات والافكار والمقترحات العملية التي قدمت الى الجهات المعنية حول تسهيل عودة (والاستفادة من)النخب العراقية المثقفة؟ بل، ولماذا عاد صفر اليدين(وبمرارات) الى اماكن هجرتهم الالوف من الاكاديميين والمهنيين والخريجين والعاملين في مجالات الثقافة والفن والصحافة والابداع؟ ثم: الم تقتنع الجهات المعنية، حتى الآن، بفشل الإهابات العاطفية لاقناع النخب العراقية بالعودة الى الوطن؟.

نعم، لقد عاد بضعة مئات من الاطباء والمهنيين والخبراء، ووجدوا طريقهم الى مراكز عمل وبناء (وهناك شكاوى من تعامل يواجهها العديد منهم)غير ان الامر يتعلق بمئات الالوف من الكفاءات العلمية والمهنية ممن تحتاجها(او تفتقر لها) الدولة وحركة البناء والتغيير في جميع المجالات، فيما انحسرت، الى حد بعيد، تلك الحساسيات الاهلية المبكرة حيال المغتربين والكفاءات العائدة، وبعض المخاوف من المزاحمة على المراكز والفرص، بعد ان اصبح واضحا بان العراق الجديد بحاجة الى ملايين من الكفاءات والخبرات الوطنية التي تتوفر لدى المغتربين.

وبصراحة، فان العائق الاداري الاول (عدا عن الظروف الامنية العامة) يتمثل في طبيعة واثر قواعد المحاصصة الفئوية السياسية في شبكة ادارة الدولة، إذ يصطدم العائدون (والذين ينوون العودة) وغالبيتهم الساحقة من المستقلين وغير المحسوبين على الكتل الحزبية او القوى المتنفذة في الحكم، بضيق(وطائفية وفئوية)الاقنية التي يدخلون منها الى الخدمة، فلكل قناة مدخل، ولكل مدخل قابض ارواح، ولكل قابض ارواح حارس، ولكل حارس صيغة واليات وقواعد وتعليمات وحبربشية.. والكلام كثير عن ذلك، لا تتسعه مجلدات.
وليس من دون مغزى ان يُعارَض (او يُهمل) الاقتراح العملي الذي تقدمة جميع المؤتمرات والندوات المتخصصة بالنخب بتشكيل مركز وطني او مرجعية ادارية وطنية، واحدة، مهنية ومستقلة وبصلاحيات واضحة، لتنظيم استقبال العائدين ومراجعاتهم وتسهيل تعيينهم او إشراكهم في عملية البناء ومرافق العمل، وذلك بديلا عما يجري بترك العائدين يطرقون ابواب الوزارات والادارات (المؤجرة للطوائف) لتتفنن في التعامل معهم بوسائل الزجر والتشكيك والتطفيش، وتضطرهم الى خيانة قيمهم وكفاءاتهم العلمية باللجوء الى الرشوة والواسطات.

اغلب الظن، ان احدا من هذه النخب لا ينتظر ان يستقبل بالحفاوة والتصفيق، لكن لا يصح ان يستقبل بمن يقول له: إشجابك، يمعوّد.. مو كاعد هناك ومستريح؟.

*
” إذا أردت إلقاء نظرة على المستقبل فتخيل حذاء يطأ وجه إنسان.. إلى الأبد.”.

جورج ارويل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد