الرئيسية » مقالات » دروس الذكرى السنوية الأولى للحراك الديمقراطي الاحتجاجي في العراق الحلقة الثانية

دروس الذكرى السنوية الأولى للحراك الديمقراطي الاحتجاجي في العراق الحلقة الثانية




تطرقت الحلقة الأولى إلى جوانب من دروس تجربة الحملة الاحتجاجية الشبابية والشعبية الديمقراطية التي بدأت في شباط/فبراير 2011 بالنسبة لقوى التيار الديمقراطي التي لعبت دوراً بارزاً في هذه الحملة والتي حصد الكثير من مؤيديها ومن الإعلاميين والصحفيين مرارة القمع الحكومي الرسمي الجديد وغير الرسمي الموجه من الحكومة أيضاً. وهذه الحلقة تتحدث عن الجانب الآخر, أي الجانب الحكومي.
علي أن أؤكد بأن الممارسة الحكومية خلال فترة الاحتجاجات لم تكن مفاجئة لي, إذ كانت لها مقدمات كثيرة في نشاط رئيس الوزراء وأجهزة الأمن والاستخبارات وربما القوات الخاصة التابعة لرئيس الوزراء والتي أدت إلى رفع شعار “الدفاع عن الحريات الديمقراطية”. ولكن لم أكن أتوقع أن يدوس رئيس الوزراء على الدستور بهذه الطريقة الفجة التي دفعت بالأزمة إلى مستويات جديدة, رغم حرمانه المرأة من حقها في المشاركة بمجلس الوزراء ب 25% من الحقائب الوزارية, والتي تشكل تجاوزاً فظاً على الدستور وعلى المرأة وحقوقها المشروعة والمكتسبة دستورياً في آن.
فالدستور العراقي يضمن الاعتصام والاحتجاج والتجمع والتظاهر السلمي والديمقراطي مثلاً, ويمنع التجاوز على هذا الحق. وهو ما أعلنه منظمو الحملات الاحتجاجية في سائر أنحاء العراق بأنهم يتظاهرون سلمياً وديمقراطياً ويعلنون عن ذلك مسبقاً. ورغم الاتهامات القبيحة التي وجهت للمحتجين على الأوضاع المزرية في العراق من جانب الحكومة وإعلامها وإعلام وعاظ السلاطين, صرح الحاكم بأمره بعد عدة أسابيع بأن الحملة كانت مفيدة وذكَّرت الحكومة بمهماتها التي ينبغي لها أن تنهض بها! ولكن وعاظ السلاطين لم يتراجعوا عن اتهاماتهم بل أوغلوا بالإساءة للناس والمتظاهرين رغم أن سلطانهم قد تراجع ولو بالكلام. ورغم وعود الحكومة, فإنها لم تنهض بها ولم تحقق أي جزء منها! ومع ذلك لم تكف أجهزتها الأمنية باعتقال واختطاف وتعذيب المتظاهرين والصحفيين, بل واصلت ذلك. ويبدو إن الحاكم بأمره قد تعلم دروساً جديدة من هذه التجربة, تلك الدروس التي ستزيد من الهوة القائمة بينه وبين المجتمع والتي ستتسع يوماً بعد آخر بدلاً من استخلاص الدروس التي تزيل هذه الفجوة القائمة. ومن بين الدروس الجديدة للحاكم بأمره أشير إلى ما يلي:
1 . لقد افلت الحاكم بأمره من محاسبة مجلس النواب الذي التزم أمامه البدء بمعالجة المشكلات ولم تعالج أي مشكلة حتى الآن رغم مرور أكثر من سنة على ذلك وبحدود عشرة شهور على انتهاء المائة يوم بسبب ضعف هذا المجلس وخشية البيت الشيعي من تفكك هذا البيت الطائفي, رغم اهتزاز هذا البيت وحصول تصدعات كبيرة فيه. واعتبَرَ رئيس الوزراء إن هذا الإفلات أول نصر له أمام القوى المطالبة بالإصلاح!
2 . أفلت من حساب وعقاب مجلس النواب والسلطة القضائية بسبب إعطاء الأوامر للأجهزة الأمنية بالتصدي للمتظاهرين في سائر أنحاء البلاد أياً كانت العواقب, المهم كبت المظاهرات وخنق صوت المتظاهرين والمحتجين, مما أدى إلى استشهاد مجموعة من المواطنين في مدن عدة من العراق. وسجل هذا باعتباره النصر الثاني له!
3 . وأفلت هو, ومعه الأجهزة الأمنية, التي مارست القمع ضد المحتجين المسالمين واعتقلت واختطفت المتظاهرين والصحفيين ومارست التعذيب الجسدي والنفسي وإهانة كرامة الإنسان, من المحاسبة والعقاب أيضاً, وهو النصر الثالث الذي ارتسم في مخيلته!
4 . واستنتج خطأً بأن في مقدوره أن يواصل مثل هذه السياسة ما دام الشعب لا يتحرك ضد مثل هذه الإجراءات القمعية ولا تتحرك قوى سياسية حليفة للحكم, رغم ادعائها بالديمقراطية. ومن هنا برزت أكثر فأكثر ظاهرة الفردية في الحكم والاستبداد في الرأي والممارسة لدى رئيس الوزراء وتكرست لديه مقولة “أخذناها وما ننطيها”!
5 . واتخذت بعض القوى المشاركة في الحكم موقفاً مماثلاً لتصرف “لقلق الكنيسة”, أي الموقف الانتهازي الذي يمكن أن تحترق به أيضاً. ولم تعبر في هذا الموقف أي روح ديمقراطية وأي شعور بالمسؤولية إزاء المجتمع وتطوره اللاحق.
أما رئيس القائمة العراقية, ومعه قائمته المشاركة في الحكم والمنافسة لقائمة التحالف الوطني ودولة القانون, فإن سلوكه عبر في حصيلته عن صراع على موقع أفضل في الحكم بذات الطبيعة التي يمارسها رئيس الوزراء الحالي. إذ انهم أعلنوا مقاطعة مجلس النواب ومجلس الوزراء, ثم عادوا إليه, ولكن بموقف أضعف من السابق, ومنحوا الفرصة لرئيس الوزراء لتقوية مواقعه والبروز وكأنه المنتصر!
وبالتالي فهو باق في الحكم بالرغم من الجميع, حتى من حلفائه في التحالف الوطني, ويعتبر ذلك النصر الكبير له.
بمعنى آخر إن رئيس الحكومة الحالية لم يستفد من تجربة التظاهرات بصورة إيجابية, بل بصورة سلبية, وبالتالي فإن الوضع في أعقاب مؤتمر القمة العربية, سيكون أكثر سخونة وصعوبة في العراق بسبب تردي الأوضاع وعجز الحكومة عن حل المشاكل المستعصية أو إجراء انتخابات مبكرة.
من المؤسف حقاً إن حكام العراق لم يتعلموا من الحكام الذين سبقوهم, بل أن كلاً منهم يريد أن يخوض تجربته الخاصة, وهي إشكالية كبيرة غالباً ما تكون كارثية على الشعب وعلى الحاكم الفردي والمستبد.
إن الطريق الوحيد أمام تحسين الوضع في البلاد يكمن في التزام الأفكار والأهداف الأساسية الواردة في برنامج التيار الديمقراطي الذي أقر أخيراً والذي لا يطرح أهدافاً تعجيزية بل يتبنى سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وطنية يمكن أن يتبناها كل حريص على إنقاذ العراق من الوضع الراهن.

12/3/2012 كاظم حبيب