الرئيسية » مقالات » ثورة على الذات كمدخل للثورة على الاحتلال

ثورة على الذات كمدخل للثورة على الاحتلال

في الوقت الذي تجد الشعوب العربية ذاتها الضائعة،مكتشفة قدراتها المُصادرة والمغيبة ،مستعيدة روحها الثورية والنضالية التي اُختبرت عبر التاريخ في مراحل متعددة،مكسرة حاجز الخوف ،متمردة على برادغم الطاعة،منتفضة على الظلم والاستبداد … ،نجد الشعب الفلسطيني الذي يخضع للاحتلال ولسلطتين مأزومتين وفاشلتين ،يفقد ذاته وروحه النضالية ،ينقلب على تاريخه النضالي ،يتحول لجموع متصارعة مع ذاتها، مستجدية المساعدات ،تائهة ،ضائعة،تُشغلها همومها المعيشية على الهم الوطني العام .
من مصر إلى المغرب تتحرك وتنتفض الشعوب العربية ضد الظلم والقهر،بكل الوسائل المتاحة،بالثورة الشعبية أو من خلال المسيرات والمظاهرات أو من خلال النضال الديمقراطي وصناديق الانتخابات .الفلسطينيون صناع التاريخ والبطولة والتضحية ومصدر الإلهام لكل الشعوب المناضلة من أجل الحرية والخاضعون للاحتلال والانقسام والشتات باتوا يعيشون على هامش التاريخ وهامش الحدث ،تسيطر عليهم القدرية السياسية ،ينتظرون المنقذ الخارجي ،أي منقذ كان: واشنطن ووعودها ، الرباعية ومبادراتها ، الجامعة العربية ومشاريعها، جيش إسلامي مليوني،أو رحمة ربهم.
ما الذي دهى الشعب الفلسطيني وصيره على هذه الحال من السلبية والإتكالية والقدرية السلبية.أين أهل وشباب نابلس الذي سطروا ملاحم البطولة حتى استحقت نابلس تسمية (جبل النار) ؟أين أهل وشباب جنين ومخيم جنين حيث البطولة والصمود في مواجهة الاحتلال ؟أين شباب بيت لحم ورام الله والخليل وطولكرم الخ ؟ أين روح الثورة التي أوقدها المؤسسون الأوائل ومن سار على دربهم أمثال أبو على إياد صاحب مقولة ( نموت واقفين ولن نركع ) ؟ على أهلنا في الضفة كسر حالة السلبية والتمرد على حالة الإحباط التي وصلت لدرجة الجلوس ومراقبة الاستيطان يلتهم أراضيهم من حولهم وجيش الاحتلال يجوب شوارعهم وقدس الأقداس يتم تهويدها وكرامتهم تمتهن على الحواجز ونقاط التفتيش ، يراقبون ذلك ولا يحركون ساكنا؟ لا يكفي ولا يُقنع القول بأن التنسيق الأمني يمنعهم من القيام بواجبهم الوطني لأن الأجهزة الأمنية في الضفة جزء منهم ،ومن تصدى لدبابات الاحتلال وجنود الاحتلال بصدورهم العارية وبالحجارة لن تعوزهم الوسيلة والحيلة لمواجهة الاحتلال ،كما أن للمقاومة وسائل متعددة .
أما غزة وأهل غزة فحدث ولا حرج ،غزة التي ألقت تداعيات النكبة والجغرافيا على أكتافه أهلها منذ النكبة مسؤولية حمل راية الوطنية والجهاد، ودفعت بالأبطال من خيرة شبابها لساحة النضال ،غزة التي أذاقت الاحتلال الويل حتى تمنى أن يأخذها البحر،غزة التي كانت ثورية وعنفوان شبابها مصدر قلق وخوف ليس للاحتلال الإسرائيلي فقط بل لكل الأنظمة التي يتواجدون فيها،أهل غزة باتوا اليوم يعيشون المذلة والضياع ،يجوبون الشوارع بحثا عن الغاز تارة وعن الوقود تارة أخرى وهربا من ظلمة بيوتهم بسبب غياب الكهرباء حينا آخر.شباب غزة الذي كانوا مناضلين ومجاهدين ومشاريع شهادة باتوا موظفين أو عاطلين عن العمل يصطفون في طوابير ينتظرون الكوبونة أو مساعدة وكالة الغوث ،أو منخرطين بأجهزة أمنية تطارد الشباب في الشوارع وتقمع الحريات وتُشرف على جبي الضرائب،أو ينشغلون بجدالات ونقاشات وبالكتابة على المواقع الالكترونية بمواضيع أقرب لفشة الغل والتنفيس مما هي نقاشات جادة وبناءة تؤسس لرؤية واضحة.
وليس حال أهلنا في الشتات بالأفضل،فالسفارات تحولت لأجهزة بيروقراطية منقطعة الصلة بالجاليات الفلسطينية وبالجماهير ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب في الدول التي تتواجد فيها،وانتقل الانقسام من الداخل ليضرب الجاليات الفلسطينية في الخارج ويُغيب أي شكل من أشكال العمل المشترك،والاتحادات والمنظمات الشعبية في الخارج والتي كانت تعتبر قواعد للثورة الفلسطينية تتآكل وتموت بالتدريج أو ينخرها الفساد والانقسام .نصف الشعب الفلسطيني الذي يعيش في الخارج بات يراهن على نصفه المشلول والعاجز في الداخل.
ثارت الشعوب العربية على أنظمة فاسدة ومستبدة،فعلى من يثور الشعب الفلسطيني؟وفي ظل الاحتلال والشتات والانقسام ،كيف يثور؟.حتى لا تتوه خطانا عن الطريق وننجرف باتجاه ما يريده العدو من تأجيج الفتنة الداخلية لإبعاد الأنظار عن الاحتلال وممارساته ،فإن الثورة يجب أن توجه ضد الاحتلال ،ولكن لن يكتب نجاح لثورة أو انتفاضة أو حتى مقاومة سلمية على الاحتلال في ظل حالة الانقسام . نجاح الثورة يحتاج لثورة على الذات وخصوصا على حالة الانقسام ،نحتاج لثورة داخلية توحد مكونات النظام السياسي والشعب على هدف ورؤية ،وهذه لا طريق لها إلا بالتوافق والتراضي.
المراهنة على المنقذ الخارجي كالمراهنة على انتخابات قي ظل الاحتلال لن يؤديا إلا لمزيد من إضاعة الوقت ومن الضياع وتكريس الانقسام.وأي محاولة للثورة أو الانقلاب على حكومة غزة أو حكومة الضفة لن يؤدي إلا لمزيد من الفتنة والحرب الأهلية أو لحكومتين جديدتين أكثر سوءا لأن الاحتلال سيوجه الأمور في الحالتين لخدمة مصالحه.وعلينا الانتباه إلى أن واشنطن وهي لا تحتل العالم العربي احتلالا مباشرا تمكنت من توجيه الثورات العربية بما لا يتعارض مع مصالحها فكيف الحال مع إسرائيل وهي تحتل كل فلسطين ؟.
نفهم جيدا مأزق السلطتين والحكومتين في الضفة وغزة وكذا بقية الأحزاب والقوى السياسية بل وفشلها وانزلاقها المتدرج نحو التكيف مع واقع الانقسام ،ولكن لا مفر من المراهنة حاليا على هذه القوى لاعتبارات متعددة،مع ضرورة انفتاحها واستيعابها للقوى الجديدة التي ظهرت على الساحة وخصوصا فئة المثقفين والكتاب وأصحاب الرأي المستقل وفي نفس الوقت ممارسة الضغط عليها لتنبذ من صفوفها الفاسدين ومعيقي المصالحة. الثورة في الحالة الفلسطينية الراهنة تحتاج لفعل إبداعي يشارك فيه الشعب والقوى السياسية بما فيها الحاكمة ،فعل إبداعي لإعادة بناء المشروع الوطني ضمن رؤية إستراتيجية بعيدة المدى تتجاوز حسابات الحكومة والسلطة والانقسام .
لا شك أن المسؤولية عما آلت إليه أوضاعنا يتقاسمها الجميع وإن بنسب متفاوتة،ولكن هناك مسؤولية كبرى تقع على عاتق القيادة وخصوصا الرئيس أبو مازن والسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ،فالقيادات والزعماء يتحملون المسؤولية نجاحا أو فشلا ،ولو عدنا للتاريخ فإن الهزائم والانتصارات تنسب غالبا للقادة والتاريخ يحمل القادة المسؤولية ،التاريخ يذكر الاسكندر ونيرون ونابليون وهتلر وتشرشل وديغول وعبد الناصر وصدام وياسر عرفات وإليهم تنسب الانجازات والهزائم وليس لأحزابهم،وبالتالي فالمسؤولية عن الحالة الفلسطينية سيسجلها التاريخ ويتذكرها الجيل القادم منسوبة للرئيس أبو مازن وللسيد خالد مشعل وليس لأحزابهم.
لقد قطع الرئيس أبو مازن والسيد خالد مشعل خطوات مهمة نحو تقريب المواقف والاهم من ذلك تفهم كل منهما للآخر وتفهمهما المشترك لخطورة المتغيرات والتحولات العربية والإقليمية والدولية.وحتى تكتمل خطوات التقارب نتمنى على الرئيس وعلى السيد خالد مشعل : –
1- أن يقطعوا الطريق على الصغار في الجانبين من ذوي الحسابات الصغيرة والعقول الصغيرة من ممارسي الفهلوة السياسية و مدعي الوطنية والجهادية .
2- عدم رهن المصالحة وإعادة بناء المشروع الوطني والسلطة والحكومة بالانتخابات فقط ،بل يمكن لسياسة التفاهم والتراضي أن تكون أكثر جدوى من الانتخابات ،ولنا أن نتساءل :ماذا لو رفضت إسرائيل إجراء الانتخابات أو فرضت شروطا مهينة لإجرائها؟ هل ستبقى المصالحة معطلة والنظام السياسي مشلولا؟.
3- عدم المراهنة على الخارج مراهنة كلية سواء تعلق الأمر بتغييرات في الحكومة الإسرائيلية أو الانتخابات الأمريكية أو بالمواقف الأوروبية حيث لا يظهر في الأفق قوى جديدة أقل سوءا من الحاكمة اليوم ،أو تعلق الأمر بما يسمى بالربيع العربي حيث ستنشغل الشعوب والحكومات العربية لسنوات بمشاكلها وهمومها الداخلية.
4- في حالة تعثر تشكيل حكومة لاعتبارات إسرائيلية أو دولية أو فئوية ضيقة يجب الاستمرار في المصالحة الإستراتيجية على مستوى إعادة بناء و تفعيل منظمة التحرير لتستوعب الكل الفلسطيني ولتكون قادرة على مواجهة التحديات الحالية و المستقبلية ومنع مزيد من حالة التدهور.
‏09‏/03‏/2012