الرئيسية » مقالات » العراق للجميع … والجميع له

العراق للجميع … والجميع له

عندما أصادف متسولاً أم متسولة أو طفل يبحث في القمامة عن احتياجاته فقد كليته ــ نصف عمره ــ لأسباب معروفة أو أخذت نه ( ربها ) المظالم الاجتماعية إلى طريق غير سوي , تذكرني غيبوبة الإهانة على إن هؤلاء عراقيون مثلهم مثل الرئيس والوزير والنائب والمدير ومن حقهم إن يكون لهم مأوى وسرير وغطاء ومائدة تلبي المقبول من متطلبات عافيتهم ووقاية من حر الصيف وبرد الشتاء وفرص للعمل والتعليم والعناية الصحية وقدر يكفي من الأمن والاستقرار والكرامة والرفاهية وراحة البال كما لغيرهم , وفي الوقت الذي لا تدعوا فيه إلى الإلغاء التام للفوارق الطبقية , فليس من القيم الوطنية والإنسانية إن تتسع تلك الفوارق وتتضخم لتدفع بالملايين إلى حافة هاوية الفقر والجهل والمرض , فالجوع الضار مثلاً , لا يولد إلا من التخمة الضارة .

ما هو محزن في الواقع العراقي , إن المسئول , عندما يستأثر بالسلطة والمال , يتولد لديه شعور على انه وحده وعائلته وحزبه وعشيرته يمتلك العراق الذي ستورثه من الذي سقط قبله من دون إن يتعظ , ويستطيع التصرف فيه كمزرعة , إما الآخر فليس الا ضمن موروثاته ويمتلك كامل الحق في إن يفرغ فيه قذارات ساديته في التنكيل والقهر والإذلال , هذا الواقع غير الأخلاقي أصبح ظاهرة عراقية وثقافة دولة تفرغ في المجتمع العراقي كامل شحنات شذوذه الأخلاقي والاجتماعي وخرابه الذاتي عبر شلة من المسئولين يشكل الفساد جذعها الذي تتعلق به مفردات المحسوبية والمنسوبيه , ولا يكفي بؤس الملايين إشباع رغباتها .

لنأخذ مثلاً من الواقع المعاش , الوزارة الفلانية على رأسها وزير حصة الكتلة العلانية , فهي في الواقع ومن حيث تغلب الانتماء العائلي الحزبي والعشائري داخل كيانها , ليست وزارة عراقية , وهذا الأمر صارخاً داخل السفارات والتي هي سفارة للعائلة وشلة الحبربشية أكثر مما هي سفارة جمهورية العراق , ذات الظاهرة تنسحب على مجالس المحافظات والمديريات والمؤسسات الأخرى , وهنا يصعب إيجاد العراق في مؤسسات عراقية , وبما إن ذات السلطات التي اشرنا إليها تتحكم شراكة في ثروات العراق , فأصبحت هوية الانتماء للعراقي في مهب الفقر والجهل وفقدان الضمان الصحي , هنا أصبح العراق حصة الأقلية ونصيب الملايين مزيداً من الاغتراب والاستلاب والقمع والإذلال قي عراق ل يملكون فيه إلا بؤسهم .

ليس في الأمر ثمة خيال خارج الواقع , انه الحقيقة , ولو قدر لعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي ان يعيد الآن تأمل أعماق الشخصية العراقية لوجد كل الازدواجيات والتناقضات والتنابزات وقد تعفنت داخله , ان الحرائق التي تواصلت داخل الذات العراقية منذ أكثر من خمسة عقود خلت , جعلت المواطن يئن تحت رماد أزمـة القهر والإذلال وفقدان الهوية والخوف من بشاعة القادم من الاحتمالات فالعراقي الآن مولعاً بجلد ذاته عبر الرخيص من الأغنية والقصيدة واللوحة والمسرحية وفنون تعوي فيه وجعاً يزيد من ضياعه وحيرته ويأسه , لكنه ومن داخله بالذات يعيش حالة مختبريه ليس من السهولة استيعابها والتحكم بها , أنها ستبركن الشاذ في الحالة العراقية وقد تعيد العراق واقفاً على قدميه , أنها حالة اغتسال داخلي وعفوية أصيلة لتغييرات قادمة سترافقها تحولات عنيفة في العقل العراقي , وقد يبادر الوعي الجمعي لتصحيح المعادلة الخطأ , فيبح ثمار المواجهة بين الدولة والمجتمع نافعة في سياق التطور , حيث عودة العراق للعراقيين .

09 03 2012