الرئيسية » مقالات » معضلة عقود كوردستان

معضلة عقود كوردستان




اكسون موبيل تعاقدت مع إقليم كوردستان على استكشاف وتطوير ستة حقول ثلاثة منها قي المناطق المتنازع عليها، تعاقدت وهي تعرف تماما أن الحكومة الفدرالية ترفض هذا الأمر وتعتبره مخالفا للدستور، ومن قبلها عدة شركات امريكية مثل شيفرون وهنت أويل وغيرها العديد من الشركات، إضافة إلى شركات بريطانية وفرنسية مازالت تفاوض من أجل الحصول على عقود هناك.
معظم هذه الشركات كانت بالأمس ترفض القبول بالعقود التي كتبتها وزارة النفط كعقود معيارية للصناعة الاستخراجية للنفط والغاز، لكن بعضها قبلت في نهاية المطاف، وقد كتبنا حول هذا الموضوع، وكيف قبلت على مضض بالشروط العراقية التي كانت قد اعتبرتها مجحفة بحقها، ولكن لابد من العودة للموضوع ومعرفة سبب قبول الشركات بهذه العقود، وذلك لبلورة موقف واضح من تلك الشركات التي تعتبرها الحكومة قد تجاوزت على الدستور العراقي.
الحقيقة إن سبب العودة للموضوع هو أن الاصطفاف لمواجهة الحكومة الإتحادية اصبح اليوم واضحا، فالإقليم يصطف مع بعض شركات النفط الكبرى في العالم، وهذا اصطفاف، بلا أدنى شك، يوحي بما هو أكثر من نظرية المؤامرة، بل أستطيع القول أن اللعب أصبح الآن على المكشوف، خصوصا وأن هناك أطرافا أخرى محسوبة على أنها وطنية قد اصطفت معهم في طابور طويل، كلهم ولأسباب سياسية يريدون النيل من الحكومة وإضعافها تحت ضغوط متنوعة، مستثمرين لذلك الخلاف النفطي.
لكن بالمقابل نجد أن موقف الحكومة الاتحادية، بالرغم من ثبوتيته لكنه غير متماسك كما يعتقد للبعض، حيث يبدو وكأنه يفتقر إلى الصرامة بالتعامل مع من يخالف الدستور، والبعض يعتقد أن موقف الحكومة من اكسون موبيل ليس صارما بالقدر الكافي بسبب تجاهلها الحضر المفروض من وزارة النفط على التعاقد مع الإقليم، ولعلي أرى غير ذلك.
ربما تخشى الحكومة من شل العملية السياسية على يد الخصوم السياسيين، وهي محقة بذلك، وربما أيضا تخشى من انسحاب الشركات التي تعاقدت معها لتطوير الحقول، وبالتالي تفشل بالوصول إلى طاقات إنتاجية عالية تشد من أزر العراق وتضعه على الطريق الصحيح.
لكني اعتقد جازما أن هذه التصورات غير واقعية، وهذا ما سنحاول التوصل له من خلال التحليل، لأن لو عدنا بذاكرتنا إلى الأمس القريب حين وقف روساء هذه الشركات يصرحون أن عقود العراق مجحفة لهم، لكنهم بعد بضعة أشهر عادوا ووقعوا ذات العقود من دون تعديل.
فرب سائل يسال: لماذا عادوا ووقعوا هذه العقود مادامت غير منصفة لهم؟
بالتأكيد ليس من أجل سواد عيون العراقيين، لأنهم وحكومات دولهم يعرفون جيدا أننا نواجه حالة جديدة على الصناعة الاسخراجية واقتصاد النفط عالميا، فإننا في مرحلة ما سمي “”بنفط الذروة””، أو “”إنتاج الذروة”” عالميا (1 و 2و 3و 4و 5و)، وكنا قد شرحنا معنى أو مضمون هذا المصطلح ضمنا في مقالات سابقة، وهناك دراسات نشرت كانت مخصصة لهذا الموضوع، ألخصها بالآتي:
إن العالم عندما يستهلك النفط، ويستنزف حقوله النفطية، يكون هناك بالمقابل نشاط استكشافي يوفر حقولا جديدة لتعويض تناقص إنتاج الآبار، وتقدم للأسواق أيضا طاقة مضافة تتماشى مع حالة النمو الاقتصادي وبالتالي تنامي الحاجة لاستهلاك مزيدا من الطاقة مع مرور الوقت.
هذه القدرة على زيادة الإنتاج لسد حاجة الأسواق المتنامية لم تعد موجودة اليوم وذلك لقلة الحقول المكتشفة حديثا، فهذا النقص بدا واضحا خلال السنوات العشر الأخيرة، لذا أصبحت الحاجة ملحة للنفط العراقي وحقوله العملاقة وحقوله الأخرى المكتشفة وغير المطورة، فهي تستطيع سد هذا النقص المتوقع في أسواق الطاقة عموما.
حقيقة إن النظرية “نفط الذروة” لا يتفق عليها الجميع( 6 ,7 )، فهناك دراسات تقلل من أهميتها وأخرى لا تعتبرها صحيحة، إذ أن بدائل النفط المنتج بشكل طبيعي كنفط العراق ومعظم دول الأوبك، لا يشكل الآن إلا نسبة محدودة من الاحتياطي والإنتاج العالمي، فهناك تنامي إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وهناك كميات من الغاز الطبيعي والنفط صار بالإمكان إنتاجها من الصخور السجيلية وذلك بواسطة تكنولوجيا مستحدثة لذلك، وهذه المخزونات الهايدروكربونية موجودة في أي دولة بلا استثناء، لكنها بالطبع ذات كلفة إنتاج عالية جدا، إذ تصل كلفة إنتاج البرميل من النفط أو البرميل المكافئ من النفط للغاز إلى أكثر من سبعين دولارا، وهناك أيضا النفط الرملي، وهو الآخر كلفة إنتاجه عالية جدا، إضافة إلى تطور التكنولوجيا لإنتاج الحقول بمعاملات استخلاص أعلى بكثير من الحالية كنتيجة أيضا لتطور التكنولوجيا، لذا يجد العديد من دور الخبرة في الصناعة الاستخراجية أن نظرية “نفط الذروة” مازالت غير متكاملة، أو من غير المنطقي التفكير بها الآن، مادامت أسعار النفط والغاز بالمستويات الحالية، إذ يكون انتاجها مجد اقتصاديا.
مما تقدم ووفق نظرية نفط الذروة، وحتى وفق المختلفين معها، نستنتج:
• أن الغرب يبحث عن طاقات إنتاجية إضافية عالية جدا تسد الحاجة لتنامي الطلب لعقود طويلة قادمة.
• كما ولا تريد لها أن تغرق الأسواق بالنفط والغاز للحد الذي تنخفض فيه الأسعار بحيث لا تستطيع إنتاج نفطها وغازها الذي ينتج بطرق غير تقليدية، اي النفط والغاز السجيلي وكذلك النفط الرملي، لأن كلف إنتاجها عالية جدا وستكون غير منافسة في حال انخفضت الأسعار بشكل كبير.
• ويعني أيضا أن أهمية العراق كبيرة جدا، كونه الدولة الأعلى في العالم التي نجد فيها نسبة الاحتياطي للطاقة الإنتاجية بحدود167، والأقرب لها هي الكويت بحدود116، ومن ثم فنزولا ثم الإمارات، وإن تحقيق الطاقات الإنتاجية المضافة غير ممكن، أو محدود، من هذه الدول عدا العراق، فالكويت أو السعودية على سبيل المثال، لا تمتلك حقا تلك الاحتياطيات المعلنة، وهناك دراسات رصينة تؤكد ذلك، لأن أرقام هاتين الدولتين لم تتغير منذ أكثر من ثلاثين عاما برغم الإنتاج الكبير وقلة الاكتشافات النفطية الجديدة في أراضيها، أما باقي الدول التي تمتلك قدرة الزيادة بإنتاجها، فإن كمية الزيادات ستكون متواضعة جدا، ولا تفي بالغرض، لكن الاحتياطي العراقي أعلى بكثير من هذه الدول، لذا فإنه البلد الأكثر أهمية بالنسبة لصناع القرار في الدول الصناعية الكبرى، وإن التطوير يجب أن يكون في الحقول العراقية كأولوية عالمية وليست عراقية فقط، لأن حاجة السوق العالمية ملحة لتطوير قدرات إنتاجية فائضة تزيد على عشرة ملايين برميل يوميا حاليا، وحقول العراق تستطيع توفيرها بسهولة تامة، وتوفير طاقات أخرى لعقود قادمة قد تمتد إلى سبعة عقود قادمة.
إن ما تقدم يعني أن الخشية من تراجع الشركات العالمية عن المضي بتطوير الحقول العراقية غير مبررة.
بالمقابل نجد أن السياسة التي يعمل وفقها إقليم كوردستان لا تتفق مع النتائج التي توصلنا لها من خلال التحليل والكم الهائل من المعلومات والدراسات، إذ يبدو وكأن صناع القرار في الإقليم لم يقرأوا بشكل جيد أوراق الغرب بسياسته نحو الطاقة، فراح يعمل على تطوير جميع الحقول التي يشعر أنه يسيطر عليها مرة واحدة، فقد وقع الإقليم لحد الآن أكثر من خمسين عقدا للاستكشاف والتطوير، العديد منها في مناطق متنازع عليها، وهذا يعني أننا لو طبقنا هذه السياسة على جميع حقول العراق، فإن سعر النفط سوف يكون بخسا جدا، وهذه السياسة تتعارض مع توجهات الغرب عموما، لكنها قد تساعد الشركات العالمية على اللعب بالأوراق العراقية، وفرض حالة تتعارض مع بنود الدستور لجني مزيدا من الأرباح، كون عقود كوردستان يسيل لها لعاب الشركات العالمية للأرباح العالية التي تجنيها من العمل هناك.
وفاتني أن اذكر حقيقة مهمة وهي أن الغرب يبحث عن نظام مسالم وراء هذه الطاقات الإنتاجية المضافة، ولا يوجد الآن بلدا مسالما كما العراق، إذ ليس لديه ما يدفعه للتهور والتهيد أو التحرش بأي جهة كانت، حتى على المدى البعيد.
لهذه الاسباب بالذات هرعت الشركات العالمية للعراق على أمل أن تطور ما استطاعت من حقول نفطية لتوفير طاقات إنتاجية تستطيع من خلالها المحافظة على مستوى الأسعار الحالي لفترة طويلة نسبيا، حيث أن هذه الشركات تعتبر مرتبطة بشكل أو بآخر بالقرار السياسي ببلدانها، لذا فإن هذه الشركات ضحت بالأرباح الفاحشة التي اعتادت تحقيقها في السابق.
لكن الشركات، وكما أسلفنا، لم توقف من محاولاتها لكسر إرادة الحكومة وبالتالي تحقيق أرباحا أكبر، خصوصا وأنها وجدت أصلا بيئة خصبة لذلك، متمثلة بألائك الخصوم للحكومة، فعادت لمحاولاتها بالحصول على أرباح فاحشة كما اعتادت في تعاملاتها، وبذات الوقت يربح خصوم الحكومة معركتهم بإضعافها، غاضين النظر عن التأثير السلبي على مصلحة العراق كبلد.
أما محاولات الشركات الغربية من خلال توقيعها عقود مع إقليم كوردستان لاستكشاف وتطوير حقول هناك، فإنها سوف لن تحقق الأهداف التي دفعت الشركات للعمل في العراق، والحصول على طاقات إنتاجية مضافة، وهي طاقة قد تزيد على عشرة ملايين برميل يوميا وفق الأرقام المعلنة عن واقع الصناعة الاستخراجية عالميا، في حين مهما فعلت في كوردستان لا تستطيع إنتاج أكثر من مليون برميل يوميا في نهاية المطاف، وهذا الرقم لا يفي بحاجة العالم للطاقة الإنتاجة المضافة، أي لا يحقق الهدف من دخول الشركات للعراق بحثا عن مخرج لأسواق الطاقة العالمية.
لذا يجب أن لا تأبه الحكومة لهذه الشركات التي وقعت عقود مع كوردستان مهما كان شكل العلاقة بين الإقليم والمركز بشأن النفط.
بذات الوقت تستطيع الحكومة والبرلمان الإتحاديين حل الخلاف النفطي بين الإقليم والمركز من خلال إعطاء الإقليم مزيدا من الصلاحيات بالتعاقد ضمن حدود الإقليم الحالية، لكن ليس في المناطق المتنازع عليها قبل التوصل إلى حل لمعضلة المادة 140، بالمقابل تخصم كميات النفط المنتجة في كوردستان من حصة الإقليم في عائدات النفط من المناطق الأخرى، بحيث كلما زاد الإنتاج في كوردستان، كلما قلت حصته من النفط المنتج من المناطق الأخرى من العراق، وأن تتولى حكومة الإقليم دفع مستحقات الشركات من حصتها، وفي حال زاد إنتاج النفط في كوردستان عن نسبة 17% فإن الإقليم سيكون ملزما بدفع حصة منه للحكومة الإتحادية كما تدفع هي الآن للإقليم، على أن تخضع الحكومة إنتاج الإقليم لضوابط التدقيق العالمية كما هو الحال في باقي أنحاء العراق.
أما الحكم على صلاحية عقود كوردستان من عدمه، يمكن أن تترك لشعب الإقليم وهو الذي يقرر، إما الاستمرار بهذه العقود التي يعتبرها الكثير من الخبراء مجحفة بحق الشعب، أو التحول نحو عقود من نوع آخر، حيث أن حصة الشركات وفق عقود الإقليم تقدر ب18 الى38%، أي أن الشركات تتاقضى عن إنتاج البرميل في كوردستان من حوالي18 إلى37 دولار، وذلك حسب أنواع الأنشطة للفترة التي يتم فيها الحساب، وتزداد تلك الأرقام بزيادة سعر النفط مستقبلا، بينما عقود الخدمة التي اعتمدتها الوزارة، فإن الشركات تتقاضى أجرا ثابتا يتراوح من56 سنتا إلى1 دولار للغالبية العظمى للحقول، و3 دولار للحقول ذات النفط الثقيل مثل حقلي القيارة والنجمة، بالطبع يضاف إلى هذه الأرقام كلف الإنتاج التي لا تقل عن دولار ونصف للبرميل، ويضاف أيضا كلف التطوير التي غالبا ما تستقطع خلال الستة أشهر الأولى إلى سنة من اكتمال أي مشروع تطويري.
في حين أن ما تتقاضاه الشركات في عقود كوردستان يتضمن كلف الإنتاج والتطوير، لذا فإن الرقم يتواح مابين16 إلى38% وهو بسبب تسديد هذه الكلف خصوصا كلف التطوير التي غالبا ما تكون عالية، فإنه يكون عند مستواه الأدنى بعد تسديد كلف التطوير، لكن لا أحد يعرف شيء عن كلف الإنتاج، فربما تصل بالحد الأدنى إلى أكثر من20% من قيمة البرميل عند بيعه، لأن الإنتاج ضعيف نسبيا، والشركات تدفع أجورا عالية جدا للموظفين مقارنة بعقود الخدمة، والتي تكون الأجور عموما فيها متواضعة للعراقيين، لكن أجور الأجانب مبالغ فيها، في حين يعمل الجميع، عراقيين وأجانب، كتفا لكتف.
بالطبع هناك تفاصيل أخرى كثيرة، لكنها لا تغير من الصورة كثيرا، ماعدا واحدة، وهي أن للشركات حق المشاركة بالغاز المصاحب بنسب أعلى من نسب المشاركة بالفط قليلا، في حين أن الغاز المصاحب في عقود الخدمة تعود ملكيته للدولة بعد تحقيق إكتفاء الشركة المشغلة من حاجتها للغاز لأغراض العمليات البترولية، وهي قليلة نسبيا ولا تجني الشركات منها أموالا.
هذا هو شكل الإجحاف في عقود كوردستان، إضافة إلى أثارها السياسية المدمرة حاليا، وفي حال فرضتها جة ما كعقود معيارية لعموم العراق، فإنها حقا ستكون الطامة الكبرى.
بهذا الحل، وفيما اذا اتفق الطرفين عليه، سوف لن يكون هناك أثر لأي اصطفاف يفل من عضد الحكومة الإتحادية أو يضعفها، بل ربما سيحث العكس تماما، كما ويستطيع العراق كتابة قانون للنفط والغاز على هذا الأساس ويمضي الطرفان كل وفق قانونه، الإقليم تذهب بإتجاه، والحكومة الإتحادية تذهب بإتجاه آخر.
أما مسألة النفط في المناطق المتنازع عليها، فإنه سيكون ضمن حل معضلة المادة 140 المستعصية لحد الآن.
إذا المطلوب من الحكومة الآن التمسك بثوابتها، وأن لا تأبه للاصطفافات النفطية ذات الطابع السياسي التي تحاول إضعاف الحكومة المركزية، ولا للعقود التي تبرمها حكومة الإقليم سواء تم الإتفاق وفق هذه الصيغة أم لا، إلا بما يتعلق الأمر بالحقول في المناطق المتنازع عليها.
بغداد، 2012-03-06

___________________________________________
1- The energy agriculture connect, pp.36-38. by Nicol-André Berdellé, 04 February 2012
2- Deffeyes, Kenneth S. “Current Events – Join us as we watch the crisis unfolding”. Princeton University: Beyond Oil. http://www.princeton.edu/hubbert/current-events.html.
3- Zittel, Werner; Schindler, Jorg (October 2007) (PDF). Crude Oil: The Supply Outlook. Energy Watch Group. EWG-Series No 3/2007. http://www.energywatchgroup.org/fileadmin/global/pdf/EWG_Oilreport_10-2007.pdf.
4- Cohen, Dave (31 October 2007). “The Perfect Storm”. Association for the Study of Peak Oil and Gas. http://www.aspo-usa.com/archives/index.php?option=com_content&task=view&id=243&Itemid=91.
5- Kjell Aleklett, Mikael Höök, Kristofer Jakobsson, Michael Lardelli, Simon Snowden, Bengt Söderbergh (9 November 2009). “The Peak of the Oil
6- Alan Kohler, The death of peak oil, 29 Feb 2012
7- James W. Bunger et al Is oil shale America s answer to peak-oil challenge?
8- عقود كوردستان المنشورة على موقع حكومة الإقليم
9- عقود جولات التراخيص الأولى والثاتية لوزارة النفط