الرئيسية » شؤون كوردستانية » مبدأ الحکومة الكوردستانیة الجديدة و رهانات التغيير

مبدأ الحکومة الكوردستانیة الجديدة و رهانات التغيير




من المعلوم بأن قضية العيش معاً لا يقوم بمهامها من يتصدرون واجهة الدفاع عن مذاهبهم و قضاياهم و معسكراتهم بالعقليات السائدة و الأنظمة المتحكمة والمقولات المستهلكة، و إنما ينهض بها من یحسّن الاشتغال علی خصوصيته و تحويل هويته لكي ينخرط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل، علی نحو سلمي تبادلي في أطر وطنية أو اقليمية أو عالمية.
الحكومة الكوردستانية الجديدة بقيادة السيد نيجيرفان بارزاني، الذي بفاعليته وبراغماتيته وتجاربه وواقعيته وكاريزميته والتصاقه بالجماهير يمتلك خبرة القيادة الموفقة لأكثر من مرة، بيّنت من خلال حواراتها الحثيثة التي أجرتها مع أكثر من طرف بأنها تعمل من أجل بناء علاقات إيجابية مفتوحة مع الأطراف السياسية الفاعلة وتهتم بتمتين الأرتباط الاستراتيجي مع الجهة التي تدعمه و تؤازره في التحالف الكوردستاني و هي تعرف بأن الأطراف السياسية العاملة لها برنامجها و أسلوبها الخاص في العمل.
ومن الواضح بأن عملية الحوار الجادة تتطلب وعياً متبادلاً للظروف المحيطة وتفهماً من كل طرف لحدود وامكانات الطرف الآخر، لذا يقوم رئيس الكابينة الجديدة بإجراء حوارات جدية حول الأولويات و المهام المنتظرة من قبل الشعب الكوردستاني في سبيل الترکيز علی المسارات التي تتطلب الإستمرار فيها. فما يحتاجه الشعب الكوردستاني هو الإحتفاظ بالأمن والاستقرار أولاً و تعزيز الوحدة الداخلية ثانياً وذلك من خلال دعم الشعب للحکومة لعزل الأطراف التي تسعی الی نصب جدران الكره والعداء و تعمل علی أن نحوّل هوياتنا الی زنزانات عقائدية أو الی مصانع لإنتاج الفرقة والفتن، لوضعها في حجمها الحقيقي. علينا العمل علی تفكيك آليات التفكير من أجل تغيير صيغة الوجود و نمط ممارسته و تبديد شعار الإعتصام بالأصول والخوف علی الذاكرة والهوية الدينية من الضياع والذوبان.
ومن خلال تثبيت أركان مؤسسات الدولة الكوردستانية المنظمة والعصرية وذلك بالإهتمام بقوى المجتمع المدني والكفاءات التكنوقراطية يتغلب منطق الدولة بمفهومها العصري علی منطق الطائفة أو القبيلة و به نستطيع معالجة التحديات المستقبلية والإحتدامات السياسية المحتملة وذلك بربط تلك المؤسسات بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات و شبكة الأمن السبراني وتجهيز هياكلها بالتکنلوجيا الحديثة. ومن الضروري قراءة واقع التطور في ضوء المستجدات والتغييرات، فالعالم اليوم إنتقل من الإنتاج الميکانيکي الی الإنتاج الالكتروني و من المواد الثقيلة الی المواد الناعمة ومن إدارة الأشياء الی إدارة المعلومات، ومن فائض القيمة الی القيمة المضافة الناتجة عن التجارة الالکترونية، فتفعيل الديمقراطية لا يعني فقط مشاركة المجتمع الكوردستاني في العملية السياسية بل و مشروط أيضا بتوفر المقومات الإجتماعية والاقتصادية التي تتضمن للمجتمع الكوردستاني القدرة علی ممارسة حقوقه و حرياته بشكل أرقی وأكمل لإبراز تلبية المطالب المجتمعية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، کتوفير فرص التعليم للجميع و محو الأمية و مساواة المرأة بالرجل و توزيع الثروة الكوردستانية من النفط والغاز علی أسس عادلة تكفل العيش الكريم للجميع، و تحسين الأجور والمرتبات و محاربة البطالة و البطالة المقنعة و غلاء الاسعار وتوفير التأمين الصحي والضمان الاجتماعي للطبقات الفقيرة، وکذلك العناية بشبكات الصرف الصحي والبيئة والإستمرار في المشاريع الصناعية والزراعية و السياحية والإرتقاع بالطاقة الکهربائية و إستثمار الطاقات الطبيعية المتوفرة، و تفعيل وثيقة الإصلاح الذي رفعه السيد رئيس إقليم کوردستان قبل عام و مكافحة جميع أشكال الفساد في قطاعي العام والخاص بتفعيل دور أعضاء الإدعاء العام و الإستفادة من الجهود العالمية المتزنة.
نحن نعرف بأن المواطنة لم تعد تفهم أو تمارس كما كانت عليه من قبل، فهي تتغير و تغتني بعناصر و أبعاد جديدة، کعقلية الشراكة و منهج التوسط و مبدأ الإعتراف، ومن المؤكد بأن هناك قضايا عالقة بين حکومة اقليم كوردستان والحکومة الاتحادية، لذا نراه من الضروري وضع خريطة طريق حاسمة لإنهاء مشکلة المادة 140 من الدستور العراقي و إظهار الجدية في تطبيق بنودها. إذن علينا هنا الوقوف بسياسة التوّحد، التي تعتبر ضرورة تاريخية بدلاً عن اي انقسام يفّسخ نسيج المجتمع الكوردستاني، وذلك لمجابهة الخطب النارية و لغة التهديدات، التي ترتفع بين فترة وأخرى من قبل ذوي السلطة في الحكومة الاتحادية.
إن هذه اللحظة فائقة والتحديات جسيمة والاستحقاقات كبيرة لا بسبب المشكلات المزمنة في الداخل، بل لأن المجتمعات المعاصرة تشهد تحولات هائلة و متسارعة تخترق مختلف وجوه النشاط البشري، نحن لا نستطيع أن نبقی بمنأی عن التأثر بالمجريات أو عن التتغير في ضوء التطورات، ولابد لنا من الخروج من عقلية الثبات والمحافظة التي تنتج التراجع والتبعية لنسير نحو منطق التوليد والتحويل بتنشيط العلاقات الدبلوماسية و تفعيل جسور التواصل مع المحيط الاقليمي والدولي، به نستطيع رفع شأن و مكانة الحكومة الكوردستانية في المجتمع الدولي والمنظمات العالمية.
وختاماً: “إن الذين يقاومون المُتغيّڕات سوف تهمّشهم التحولات و تنتقم منهم الوقائع، لكي يسيروا وراء حداثة أصولية خرافية لن يصلوا اليها أبدا، بل سيمارسون حداثتهم بطريقة رجعية هشّة فقيرة بقدر ما يُفكرون بصورة معكوسة. إذن علينا تغذية العناوين و تجديد المفاهيم بتغير العدّة المعرفية والمهمات الوجودية” .