الرئيسية » مقالات » مطالبة إئتلاف العراقية بإقالة وزير الكهرباء

مطالبة إئتلاف العراقية بإقالة وزير الكهرباء

جاء في الأخبار أن كتلة وزير الكهرباء السيد عبد الكريم عفتان تطالب بإقالته حسب التصريح المدرج في الهامش رقم (1) أدناه.
للأسف، إن تصرفات أطراف وقادة ما تبقى من إئتلاف العراقية أجبرني على نزع الثقة منهم ومن نواياهم. حتى أن تشخيصي لدورهم في العراق لا يعدو أن يتركز على محاولة إستلاب السلطة ثانية بأية وسيلة حتى ولو كانت غير شرعية، وإلا فالتخريب هو نهجهم حتى ينهكوا الوضع عسى أن تستقر الكرة أخيراً في أحضانهم، كما يظنون. العجيب أنهم لا يهجرون هذا الأسلوب المدمر للعراق رغم فشل محاولات عديدة من جانبهم وليس هناك من أمل في نجاح هكذا مخططات خطيرة.
قد تأتي هذه المطالبة بإقالة وزير الكهرباء من باب جعل العراق في حالة عدم إستقرار. وقد تكون جزءاً من محاولة تشويش البلد كالخبر الآخر الذي أتى به القيادي في إئتلاف العراقية السيد جمال الكيلاني والذي بشرنا فيه بأن تركيا أبدت إستعدادها للتدخل بين العراقيين لتسوية “مشاكلهم” وكأن العراقيين قاصرون؛ أو ما أعلنته السيدة ميسون الدملوجي من أن السيد علاوي رئيس إئتلاف العراقية طلب من مساعديه إعداد مذكرة ترفع إلى القمة العربية تشكو مظالم الإئتلاف.
للأسف هذه كلها مناورات يُقصد منها خلق حالة من التشوش والقلق والبلبلة لكي يحولوا دون خلق بيئة مناسبة لجذب المستثمرين وتشجيع الدول على حث مواطنيها للدخول في مشاريع في العراق ولإشغال الحكومة والجهاز التنفيذي. والأكثر من هذا إنهم يخلقون البيئة المناسبة لإنتعاش إرهاب القاعدة ثانية خاصة وأن رئيس الأركان الأمريكي قد صرح اليوم (حسب راديو سوا) بأن تنظيم القاعدة بدأ ينشط في العراق وسوريا.
هذا في الوقت الذي لا يبذل قادة إئتلاف العراقية أي جهد لحث ناخبيهم على التعاون مع الدولة لمكافحة الإرهاب.
كما أنهم لا يطالبون بتطهير وزارة الكهرباء من الفاسدين سياسياً ومالياً ومعظمهم زكتهم أجهزة الأمن البعثي الطغموي(2) وأبقاهم الأمريكيون في مواقعهم دون أن تمتد إليهم يد التطهير، لأن الأمريكيين أرادوا أن يبقى العراقيون في ظلام دامس مقطوعي الإتصال مع بعضهم للحيلولة دون تشكيل رأي عام عراقي موحد عبر وسائط الإعلام المسموعة والمرئية وتركهم مشتتين ليتسنى صهرهم وإعادة سبكهم في قوالب أمريكية. ومن ناحية أخرى أرادوا إثارة تذمر الجمهور ضد حكومة الإئتلاف العراقي الموحد لا لأنها حكومة أحزاب دينية، كما يتوهم البعض، بل لأنها الوحيدة القادرة على الوقوف بوجههم وبالفعل إستطاع التحالف الوطني لوحده إخراج القوات الأمريكية رغم معارضة الآخرين داخل البرلمان وخارجه كل لهدفه الخاص.
قبل أسابيع قليلة وفي مقابلة للدكتور أحمد الجلبي النائب وزعيم المؤتمر الوطني مع الإعلامي حميد عبد الله كشف الجلبي أنه بعد تولي المالكي رئاسة الوزارة قال إن أولويتي تتركز على الأمن والكهرباء. أجابه الجنرال كيسي مباشرة: “إنسَ الكهرباء” وكرر العبارة وكان ذلك أمام الجلبي وآخرين كانوا في الإجتماع.
علم الأمريكيون جيداً الدور التخريبي الذي لعبه هؤلاء القابعون في وزارة الكهرباء، إليك الدليل:
نقلت فضائية الحرة عن صحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 9/3/2006 ما يلي بخصوص الفساد في وزارة الكهرباء: “هناك آلاف العمال في قطاع الكهرباء موجودون على الورق فقط بسبب الفساد”؛ ومضت قائلة “كما أن ضرب خطوط الكهرباء في أماكن معينة وأوقات معينة مرتبطة بحمل كميات كبيرة من الكهرباء ليدل على أن الإرهابيين يعرفون ما يعملون، فلديهم معلومات من داخل الجهاز الوزاري، معلومات فنية دقيقة لا يعلمها إلا المختصون”.
ولكن رغم ذلك رفض الأمريكيون خطة عراقية أفصح عنها العميد آمر حماية المنشآت الكهربائية وخطوط أنابيب التغذية بالوقود وذلك لحماية المنشآت وخطوط التغذية تعتمد على أحدث النظم التقنية وإستخدام الهليكوبترات بتكلفة تبلغ مليوني دولار فقط.
أنا شخصياً لي تقييم لوزير الكهرباء السيد عفتان غير تقييم الكتلة التي ينتمي إليها. لقد شاهدته على مدى خمسين دقيقة في مقابلة مع الإعلامي السيد سعدون محسن ضمد في فضائية الحرة (برنامج حوار خاص). لمست منه أمرين:
أولاً:معرفته الدقيقة بما يجري في وزارته وهو منشغل بأمورها ولم ينشغل بالتجريح بالآخرين وبالحكومة وبمحاولة تسقيطهم كما فعل وزير الزراعة السيد عز الدين الدولة في أول أيامه ما إضطرني إلى كتابة مقال إنتقدت فيه أقواله في ندوة في فضائية الحرة أيضاً.
ثانياً: أن هناك خطة للكهرباء موضوعة من قبل الوزارة وجرى التعاقد على إنشاء محطات كثيرة وهو منشغل بمتابعتها. غير أن الملفت هو أن إئتلافه يطلب منه نتائج كبيرة في تحسين حالة الكهرباء في فترة زمنية قصيرة نسبياً. فهل هو الحرص الحقيقي الذي جعل الإئتلاف يتخطى الواقعية ويطلب الإسراع غير العملي؟
أم لأن الوزير عفتان لم يقاطع جلسات مجلس الوزراء كما فعل الآخرون فأرادوا معاقبته؟ كما أنه لم ينظم لجوقة الطاعنين بالحكومة ورئيسها وهذه ليست المرة الأولى التي يُهاجم فيها الوزير الجيد من قبل نفس الجهة التي رشحته. لقد سبق أن هوجم الدكتور سعدون الدليمي وزير الدفاع في وزارة الدكتور الجعفري من قبل جبهة التوافق التي رشحته لأنه كان ومايزال الرجل مخلصاً في عمله ووطنيته(3)، وكذلك وزير التخطيط الكفوء والوطني الدكتور علي بابان وحتى وزير الدفاع السابق اللواء عبد القادر العبيدي طلبوا إقالته في وقت ما. وكذلك مرشح إئتلاف العراقية لوزارة الدفاع الدكتور خالد العبيدي؛ فما أن وافق التحالفان الوطني والكردستاني عليه حتى سحبوا ترشيحه وتعرض الرجل لمحاولة إغتيال في الموصل.
هذه عوامل تدفعني إلى الشك في هذه الغيرة المفاجئة لدي إئتلاف العراقية. أدعو لهم الصلاح.
وآمل أن يكون الوزير السيد عبد الكريم عفتان عند حسن ظننا به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): أكد نائب عن كتلة الحل المنضوية داخل /ائتلاف العراقية/ عن إصرار كتلته على سحب الثقة من وزير الكهرباء عبد الكريم عفتان ، كاشفاً عن موافقة اعضاء البرلمان لسحب الثقه عنه بسبب عدم تمكنه من تحسين الطاقة الكهربائية وليس له خطة مستقبلية.

وقال النائب الذي رفض الكشف عن اسمه في تصريح خص به (الوكالة الاخبارية للانباء) اليوم الخميس: أن كتلة الحل ستقدم طلباً الى رئاسة مجلس النواب بسحب الثقة عن وزير الكهرباء عبد الكريم عفتان بسبب الخلل في ادائه.

وأضاف: ان التصريحات المرتبكة والمتناقضة لمسؤولي وزارة الكهرباء وخاصة الوزير الذي يطلق وعود بتحسين الطاقة الكهربائية ولم يكن الوعود حقيقية لذا قررت وزارة كتلة الحل باعتبار ان الوزير من الكتلة بسحب الثقة عن الوزير.

وتابع النائب عن ائتلاف العراقية: كان من المؤمل من الوزير عند تسليمه الوزارة ان تتحسن الطاقة الكهربائية وينعم البلد بأستقرار وخدمة كهربائية اسوة بمواطنين الدول الاخرى التي تفتقر الى ربع المبالغ السنوية المرصودة لوزارة الكهرباء، مبيناً: عدم وجود خطة مستقبلية لوزارة الكهرباء من اجل تحسين الطاقة الكهربائية.

وطالب النائب: جميع الكتل السياسية بمحاسبة وتقيم اداء وزرائها وتصحيح الخلل الذي ترصده في اداء اي مفصل من مفاصل الدولة بعيداً عن التعصب الحزبي والسياسية .
(2): الطغمــويــــون والنظـــــــم الطغمــــــــــــوية:
الطغمويون هم أتباع النظم التي تشكل الطغمة رأسها وكوادرها. والنظم الطغموية هي التي حكمت العراق منذ تأسيسه الحديث وبدأت مفروضة من قبل الإحتلال البريطاني في عشرينات القرن الماضي،

مرت النظم الطغموية بمراحل ثلاث هي: الملكية السعيدية والقومية العارفية والبعثية البكرية-الصدامية.

والطغمويون لا يمثلون أيا من مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية بل هم لملوم من الجميع ، رغم إدعائهم بغير ذلك لتشريف أنفسهم بالطائفة السنية العربية وللإيحاء بوسع قاعدتهم الشعبية.

مارستْ النظمُ الطغمويةُ الطائفيةَ والعنصريةَ والدكتاتوريةَ والديماغوجيةَ كوسائل لسلب السلطة من الشعب وإحكام القبضة عليها وعليه.

بلغ الإجرام البعثي الطغموي حدَّ ممارسة التطهير العرقي والطائفي والإبادة الجماعية والمقابر الجماعية والتهجير الجماعي الداخلي والخارجي والجرائم ضد الإنسانية كإستخدام الأسلحة الكيمياوية في حلبجة الكردستانية والأهوار.

تسبب النظام البعثي الطغموي في إحتلال العراق من قبل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. من جانبه، لم يكترث الشعب العراقي بالدفاع عن النظام لأن ذلك النظام نظر إلى المعارضة السياسية العريضة بكونها مجموعة خونة ولم يبدِ أي إستعداد للتصالح معها؛ كما إن الشعب قد بلغ حالة اليأس أمام جبروت ذلك النظام الوحشي وأذرعه العسكرية والأمنية المتوحشة فإقتنع بعدم القدرة على إطاحته سوى على يد الله أو أمريكا.

والطغمويون البعثيون هم الذين أثاروا الطائفية العلنية بعد سقوط نظامهم، في حين كانت مُبَرْقعَةً من قبل، وذلك لجعلها مركز جذب لكل أعداء الديمقراطية المرتقبة بعد أن أفلست جميع مواقفهم الستراتيجية المختزلة بشعار”وحدة حرية إشتراكية” إذ جعلوه شعاراً تكتيكياً أُخضع لمقتضيات إستلاب السلطة من الشعب بالقوة والإحتفاظ بها وإستغلال خيراتها، الأمر الذي لم يعد صالحاً لديمومة الولاء فطرحوا الشعار الطائفي لإبقاء البعض الفاشي مقاتلاً النظام الديمقراطي الجديد.

كما مارس الطغمويون الإرهاب بعد سقوط النظام البعثي الطغموي في 2003 وإستفاد الإحتلال من كلا الأمرين، أي الطائفية والإرهاب، فأطالوا أمد بقاءه في العراق بعد ثبات عدم وجود أسلحة الدمار الشامل.

كان ومازال الطغمويون يتناحرون فيما بينهم غير أنهم موحدون قي مواجهة الشعب والمسألة الديمقراطية؛ كماإنهم تحالفوا مع التكفيريين من أتباع القاعدة والوهابيين لقتل الشعب العراقي بهدف إستعادة السلطة المفقودة.

(3): الوطــنــيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
الأصل في الوطنية أن يحترم المواطن حكومة بلاده المنتخبة وقوانين وتشريعات البلد على ألا يمنعه، المواطنَ، أيُّ عائق من ممارسة حريته في التظاهر والإحتجاج السلمي والنقد البناء والمسؤول مهما بلغ من الشدة في ظل نظام ديمقراطي أو في طريقه إلى الديمقراطية ذي المعايير الدولية التالية: التعددية، ضمان الحريات الشخصية والعامة، وجود دستور مدني دائم للبلاد مقر بإستفتاء شعبي حر مع إحترامه والإلتزام به كأعلى مرجعية؛ التداول السلمي للسلطة عبر الإحتكام إلى صناديق الإقتراع في إنتخابات حرة ونزيهة بإشراف هيئة مستقلة ومراقَبة من قبل الهيئات الدولية؛ الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ وإحترام حرية الصحافة ومنظمات المجتمع المدني.

من غير الوطنية: إعاقة التشريع بطرق غير قانونية، إعاقة عمل الحكومة والمصالح الوطنية بطرق غير شرعية، التأثير على القضاء بطرق غير مشروعة، ممارسة الفساد بأنواعه، تفضيل مصالح الغير على مصالح الوطن، التخابر مع دولة عدوة وأجنبية، إستعداء الخارج على الحكومة والداخل، تشويه سمعة البلد أو الحكومة في الخارج لأهداف حزبية أو فئوية.
ومن أخطر الممارسات غير الوطنية هي ظاهرة التحزُّب بمعنى وضع مصلحة الحزب أو الجماعة أو الطائفة أو القومية فوق مصلحة الوطن، مهما كانت المبررات وأكثرها شراً وإذاءاً هي رفض الآخر وعدم الإيمان بسواسية البشر لسبب أو آخر أي يتوجب إحترام حقوق الإنسان حسب الوثيقة الصادرة عن الأمم المتحدة بهذا الخصوص.
بتشخيصي، فإن جوهر أزمة الوضع العراقي الذي نشأت بعد 2003 والإنتخابات تكمن في هذا النهج ليس لدى إئتلاف العراقية وحسب بل لدى الآخرين بدرجات متفاوتة.
ومن العوامل المخلة بالوطنية هو التعامل مع الحكومة المنتخبة بموجب حكم مسبق متزمت عليها منطلِق من إيمان فكري إيديولوجي.

مارست الجماعات السياسية العراقية، وخاصة اليسارية منها، أقصى درجات المرونة والإيجابية مع حكومات دكتاتورية بشعة فاشية لمجرد أنها إدعت النية في خدمة البلد والشعب بشكل غامض غير محدد تَبَيَّنَ أنه كيدي. يصبح من الأولى، إذاً،التمسك بنفس القدر من ذلك الحرص العالي، إن لم يكن أكثر، حيال النظام الجديد والحكومة المنتخبة حتى بالقدر الذي أحرزه من مستلزمات الديمقراطية لحد الآن، مع طلب المزيد من هذا النظام الديمقراطي الوليد.

في ظل ظروف العراق الحديث التي أفرزتها النظم الطغموية وبالأخص النظام البعثي الطغموي الذي أجج ومارس التطهير الطائفي والعنصري بصورة ممنهجة رعتها وحمتها دولته ونظامه الدكتاتوري الديماغوجي، وفي ظل ما أنتجه في المجتمع العراقي، من طائفية وحقد أعمى وإجرام إرهابي هائل، الشحنُ الطائفي فائقُ الكثافة الذي بثه الطغمويون والتكفيريون المحليون والأجانب، بعد سقوط نظامهم الطغموي في 2003 وبحجة كاذبة هي “مقاومة” الإحتلال،أصبحت الديمقراطية شرطاً لازماً من شروط الوطنية. فالوطنية تعني ضمان أمن المواطنين أولاً، وتحقيق الكفاية وإحترام الكرامة والعقائد والأفكار ثانياً، والحفاظ على السلم الأهلي ووحدة البلاد ثالثاً؛ وكل هذه الحاجات الإنسانية الأساسية لا يمكن تحقيقها إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يرقى إلى المعايير الدولية.

على أن تطوير النظام الديمقراطي المنشود بناءاً على ما تحقق من إنجازات هامة لحد الآن، لا يتم عبر إستفزاز السلطة ودفعها نحو مواقع القمع؛ والمزايدات والإثارة والتجريح والتحقير ومحاولات التشويش والتشويه وترويج الإشاعات والتسقيط والكسب الرخيص والتطاول على مقدسات الناس؛ والإستفادة، إنتهازياً، من ترويج منتجات حقبة شل يد الحكومة ونقص الخدمات والدفع بإتجاه التشتيت والتخريب؛ وأخيراً الوقوف، موضوعياً ومن حيث لا نشعر، في خندق فكري واحد مع الطغمويين والتكفيريين أعداء الديمقراطية.

هناك عدة عوامل أدت بمجموعها إلى الحط من قيمة الوطنية لدى المواطن العراقي ينبغي تداركها. هذه العوامل هي:

(أ):إبتلاء العراق بنظم طغموية طائفية عنصرية دكتاتورية ديماغوجية، مارس آخرها، أي النظام البعثي الطغموي، أقصى درجات التهميش والإقصاء والإضطهاد الذي بلغ حد التطهير العرقي والطائفي والإبادة والتهجير الجماعيين ما نتجت عنه الإستهانةُ والإطاحة بكل القيم والمثل الوطنية والإنسانية وخلقُ حالة من اليأس واللاأبالية لدى الفرد العراقي.

(ب): إحتلال العراق إذ إن الإحتلال، حتى ولو إنه حرر العراقيين من نظام عبودي ما عاد قادراً على إطاحته سوى الله أو أمريكا، وحتى ولو إن خروج القوات الأمريكية كان مؤكداً (بتقديراتي الشخصية على الأقل)، إلا أنه مُذل على المدى القصير للشعب وللفرد خاصة بوجود من مارس الإستهانة بإرادة الشعب وممثليه بغية عرقلة بناء دولة حديثة على أسس ديمقراطية وعلى أنقاض النظام الطغموي.

بلغت الإستهانة بقيم الوطنية حداً خطيراً فصارت إئتلافات وشخصيات سياسية تدعو للتدخل العسكري الخارجي في كل صغيرة وكبيرة بحجج واهية وحاولت الإستفادة من وقوع العراق أسيراً مكبلاً بسلاسل الفصل السابع لإستثارة المجتمع الدولي ضده بدلاً من مساعدة وطنهم المفترض على التحرر من تلك العقوبات.

لقد بلغ الحال من السوءً حتى أن عدداً من قادة إئتلاف العراقية وعلى رأسهم السيد أياد علاوي دعوا إلى تدخل عسكري أمريكي (بعيد الإنسحاب بأيام معدودة) بزعم وجود حرب أهلية قائمة في العراق أخفق الرئيس أوباما في رصدها!! وذلك في رسالة مفتوحة نشرتها صحيفة النيويورك تايمز.

وذلك السيد نائب رئيس الجمهورية، طارق الهاشمي، الذي أقسم على القرآن بصيانة سيادة العراق وإستقلاله إتُهِم فيما بعد ب(150) جريمة إرهابية، وتَوَقَّعَ بتأريخ 1/2/2012 (من باب الأمل والتحبيذ) أن “الولايات المتحدة قد تضطر إلى التدخل عسكرياً في العراق مجدداً للسيطرة على الوضع ….. إن إنعدام الإستقرار في العراق سيؤثر بشكل كبير على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة”.

كما أن هناك تقرير آخر من صحيفة البيسو الإسبانية حول طلب نائب رئيس الجمهورية، عينه، من الرئيس الأمريكي بوش تجاوز الديمقراطية والبناء الديمقراطي في العراق وعقد صفقة مصالح متبادلة مع الطغمويين.

من تداعيات هكذا مواقف لا وطنية أن قيمة الوطنية قد إنحطت في العراق لدى بعض الناس بقدر مرعب حتى أن عدداً من شباب الفيسبوك أعربوا عن خيبة أملهم بأمريكا لأنها لم ترسل جيوشها لإحتلال بغداد ثانية وإطاحة حكومة المالكي لمجرد أن ذلك البعض قد خرج في تظاهرة في ساحة التحرير يوم 25/2/2011 دعوا فيها إلى إسقاط الحكومة بعد أيام من نشرهم بياناً كرر شعار “الموت للديمقراطية التي…….” لأكثر من عشر مرات.

(ج): إعتماد التأجيج الطائفي والعنصري من قبل الطغمويين من أجل التغطية على فيض جرائم نظامهم ومسؤوليته في التسبب بإحتلال العراق ومحاولة التملص من هذه المسؤولية وإلقائها على عاتق الديمقراطيين وتخوينهم. كل ذلك زاد من إضعاف الشعور الوطني لدى قسم من الجمهور.

(د): الإرهاب البشع الذي ضرب العراق والجميع يعلم أن هدفه هو إستعادة النظام الطغموي ما سبب الإحباط لدى المواطن إذ هز جدوى تمسكه باللحمة الوطنية.

(هـ): نجاح خطة هجومية إعلامية طغموية خبيثة لزرع الشكوك وعدم الثقة وقد إنطلت على كثيرين حتى على بعض الطيبين لا لتصديقها وحسب بل ولترويجها أيضاً.
أحدث مثال على الهجوم الطغموي الإعلامي، ما كتبه السيد نائب رئيس تحرير صحيفة المدى عدنان حسين وإتهامه الحكومة العراقية بالتورط بالأعمال الإرهابية التي حصلت يوم 23/2/2012، إذ كتب بكل وقاحة ما يلي: ” هل تنظيم القاعدة وفلول نظام صدام أقوى من دولتنا ؟ أم أن ما حدث يوم الخميس وسواه من الأيام دبرته أو تواطأت فيه جهة أو جهات في دولتنا في إطار الصراع الوحشي بين القوى التي تتألف منها النخبة الحاكمة من أجل المال والسلطة والنفوذ؟
نعم، هي أسئلة تشير بالاتهام إلى النخبة الحاكمة بكل قواها إلى أن تثبت بالأدلة القاطعة أنها بريئة.”

(و): التطرف في ممارسة النقد حتى إنقلب بعضه وبالاً. فالمبالغة والتعميم في قضايا الفساد وعدم مقاربته مقاربة موضوعية وإستخدامه للتسقيط السياسي والدعاية السياسية أشاع روح اليأس واللاأبالية لدى المواطن البسيط خاصة وأن العراق الجديد قد ورث بلداً محطماً من النظام السابق بسبب الحروب الخارجية والداخلية.

(ز): إبتلاء العراق بإرث ثقيل طَبَع نفسيةَ الفرد العراقي بالتمرد والشك بالحاكم والإستعجال وطلب الكمال بلمح البصر واللاواقعية والملل من الحاكم. (هذه السمات ستنضج وتتغير أو تزول بمرور الزمن إذا ما أثبت النظام الديمقراطي قدرته على تحقيق مزيد من الإنجازات السياسية والإقتصادية والإجتماعية وفي المجالات الأخرى وخاصة في مجال تحقيق العدالة الإجتماعية وإنصاف الفقراء بالذات).

والأسوأ هو إستغلال هذه السمات في التنافس والصراع والتسقيط السياسي.

يتطلب الأمر تكاتف الجميع للخروج من هذه الحالة الشاذة، وعدم إخضاع هذه المسألة للمزايدات والكسب الضيق.