الرئيسية » مقالات » الايمو.. قف

الايمو.. قف

سواء كانت ظاهرة الشباب العراقي المديني المتمرد على نفسه وعلى العادية الاجتماعية “الايمو” صحيحة ولها ظلال في الواقع والممارسات والظروف، ام انها مفتعلة مثل غيرها من الفقاعات الاجتماعية العابرة، فان ظهورها (كفاصلة اعلامية) وفي هذا الوقت بالذات، ثم انتشار الحديث عنها، واتساع الجدل حولها، بالطول والعرض، يكشف عن عمق الالتباس في اللحظة التاريخية العراقية المهيئة لتفريخ ازمات وارهاصات ومفاجآت خارج الانضباط، وردود افعال اكثر التباسا ومخاتلة وبموازاة ازمة البناء واستعادة الاستقرار وترشيد النظام السياسي.

وبمعنى آخر، فان ثمة مؤشر آخر، اكثر اهمية وخطورة يتجه الى طاولة البحث عن مخرج من الدوامة السياسية في البلاد، فالتقارير التي نشرتها وسائل الاعلام المحلية عن وجود شريحة صغيرة من شباب وشابات بغداد ومدن اخرى بدأت تظهر في جيوب واحياء ومحافل على نحو متمرد في ارتداء الملابس والهيئة والممارسة، وعن مجموعات تأديب دينية مسلحة تولت مطاردتهم والتنكيل بهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم، وسط تفرج وربما تواطؤ الجهات الامنية، لـَتؤكد (حتى وإن لم يكن ذلك صحيحا) بان استمرار الازمة السياسية، ومحاولات تجميدها، سيخلق المزيد من الهزات والتصدعات في البنيان الاجتماعي للدولة، الذي يعاني، اصلا، من الهزات والتصدع، مما يعرفه ويعلنه المحللون الاجتماعيون.

الوجه الآخر التفصيلي، لقضية الايمو يسمح بالقول ان الاحوال الاجتماعية والسياسية العراقية تنتج(بالتأكيد) شرائح شبابية مهمشة، متمردة، تنطلق الى التمايز والاحتجاج الشكلي من نقطة الافتراق عن دولة المحاصصة التي تسحق جيلهم بعجلاتها القاسية، وتضيّق امامهم هوامش الحرية وتجبر الملايين منهم على مقايضة الفعاليات الابداعية بالتخريف، الحرية بالصمت، فرص العمل بالولاء، وفي هذا الوجه نقرأ ما هو ابشع في ردود الافعال حيث يتصدر حراس الورع والفضيلة الزائفون، والجهلة، حركة اعادة الشباب الساخط الى “بيت الطاعة” بالقوة، او التلويح بها.

احسب ان ملابسات قضية الايمو اعطتنا رسالتين، الاولى، احتمال ظهور شرائح شبابية ساخطة على الاحوال التي تحيطها إذ تضيق امامها السبل الانشائية للمساهمة بقيادة الدولة او للتعبير عن احتجاجاتها، والثانية، ان ثمة خنادق دينية سلفية، متشددة، استغلت الامر للتلويح بقتل الشباب المتمردين، الخارجين على الموالاة، ووضع رؤوسهم على الارصفة وتكسيرها بحجر من سجيل.. ليصبحوا “كعصف مأكول” عبرة للاخرين.

*

“تتحقق الكثير من الأشياء المهمة في هذا العالم لأولئك الذين اصروا على المحاولة على الرغم من عدم وجود الأمل”.

ديل كارنيجي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد