الرئيسية » مقالات » مجلس شؤون المصفحات

مجلس شؤون المصفحات

وشر الأمور ما يضحك …

استنفار وإجماع غير مسبوقين رافق يوم الخميس الدامي , صوت فيه مجلس ممثلي الشعب !!! على صرف ( 50 ) مليون دولار لشراء ( 350 ) سيارة مصفحة لحضرتهم وحضرات عوائلهم , لم تكن تلك الإساءة هي الأولى التي يتم فيها تسفيه ثقة وأصوات ملايين الناخبين , كما أنها لن تكون الأخيرة في مسلسل الإسقاطات .

بين المسؤول المصفح وغير المصفح فاصل اجتماعي وأخلاقي تحدد إبعاده قيم النزاهة والكفاءة وصدق الانتماء . المقارنة بين مصفحينا من داخل مجلس نوابنا ولا مصفحي مجالس نواب العالم , كالمقارنة بين المعقول واللامعقول .

رئيسة مجلس نواب ألمانيا الاتحادية السيدة ـــ ريتا سيسموث ــ , بعد عطل سيارتها الشخصية استعانت بسائق سيارتها الحكومية لجلب أولادها من المدرسة , وهذا الأمر كلف الدولة ( 50 ) يورو تقريباً إضافة لكونه مخالفة قانونية أثيرت داخل مجلس النواب الألماني مما اضطر السيدة الناب إلى الاعتذار وتقديم الاستقالة … النائب عن كتلة حزب الخضر الألماني , كان وعائلته يسكن شقة متواضعة استورثها عن جدته , وبعد أربعة سنوات من عمله داخل البرلمان , لا زال والعائلة يسكنون ذات الشقة , نائب في البرلمان السويدي , وعندما أحيل إلى التقاعد , أضيفت إلى خدمته أربعة سنوات عمل داخل مجلس النواب , حدثني صديق كان ضمن وفد تجاري زار الصين , وكانا على موعد مع وزير التجارة , فجاء مسرعاً على دراجة هوائية ( بايسكل ) , جميع هؤلاء كانوا جزء من تقاليد موظفين في حكومات غير مصفحة .

لم تفتقر التقاليد العراقية إلى نماذج رائدة في النزاهة والكفاءة والتواضع , ففي العهد الملكي , أراد الملك غازي شراء سيارة وقدم طلباً أصولياً إلى وزير المالية السيد حسقيل , فرفض الطلب لأن ظروف الخزينة لا تسمح , في العهد الجمهوري , كان الوزير الدكتور فيصل السامر والوزير الدكتور إبراهيم كبه والوزيرة الكتورة نزيهة الدليمي وكذلك العالم رئيس جامعة بغداد عبد الجبار عبد اللـه , عاشوا على رواتبهم المتواضعة وعندما غادروا الوظيفة , لم يطرأ ثمة تغيير ملحوظ على وضعهم الاجتماعي أكثر مما كانوا عليه قبل الوظيفة , , كانوا ضمن حكومة يرأسها الشهيد عبد الكريم قاسم المثل الأعلى في النزاهة والكفاءة والتواضع ونكران الذات , كان زمناً فيه المسؤول الحكومي غير مصفـح .

العراق يمر الآن بمرحلة المسؤول المصفـح , اغلب مسؤولية مصابين بفقر النزاهة والكفاءة والمصداقية , , يقال إن هناك 3 % في مجلس نوابنا غير مصفحين , لكننا لم نصادف حقيقة هذا القليل مع إننا لا نشك بوجوده ـــ إذا خليت قلبت ــ لكن ” الحشر مع الناس عيد ” .

إذا كان الأمر هكذا داخل السلطة التشريعية , فكيف سيكون على أصعدة الرئاسات والوزارات والمدراء العامون … ؟؟؟ , إننا امـة مكبوسة داخل دولة مصفحـة .

المسؤول العراقي ونائب البرلمان بشكل خاص , يعيش الآن ازدواجية مركبة لا يمكن له الخلاص منها دون ثمن ــ وقد يكون باهظاً ــ انه على قناعة بسقوط دوره في أعين ناخبيه , وان الثقة والأصوات التي حصل عليها في لعبة الاستغفال سوف لن يحضى بها ثانية , وان العرف الانتخابي القائم سيتغير , والأجواء المشوهة ستصل نهايتها عاجلاً , في هذه الحالة سيشعر انه مطارد , وسيلجأ إلى سلوك ( يا مغرب خرب ) , فأغلب أعضاء مجلس النواب ملونين الشخصية , فأمام الأعلام يفتعلون الإخلاص والنزاهة والتواضع ومخافة اللـه , إما داخل كواليس الصفقات والوساطات والعقود ـــ وحاشا ( الكاولية ) إن يتبرءوا عن إجماع لهم في اليوم التالي ـــ , فأعضاء مجلس نوابنا هم في حالة قلق وتوتر وخوف من مستقبل قادم ستفتح فيه جميع الملفات صغيرها وكبيرها , وان رياح الوقت تجري بما لا تشتهي أشرعتهم , وعليهم إن يدفعوا ضريبة أخلاقياتهم وسلوكياتهم فوق المصفحـة .

ليس للعراق مخرجاً من مأزقه مع مسؤوليه سوى الصبر عليهم حتى موعد تغييرهم عند أبواب صناديق الاقتراع للانتخابات القادمة , فلا يمكن للتغيير إن يكون جدياً ناجزاً إن لم يبدأ من السلطة التشريعية , وهذا العلاج الناجح , جربته وسارت عليه جميع الدول التي تحترم شعوبها .

هـل هـذا ممكنـاً … ؟؟؟

بالتأكيد , فالعراق ورغم عنف من امتلكوه وسحقوه وأذلوه ورخصوه , لكنهم لم يستطيعوا تجفيف شرايين المستقبل وتواصل تدفق الخيرين والمخلصين الذين لا يؤمنوا بغير العراق وطناً , وبئس للذين لا يتعضوا ولا يدركوا الواقع العراقي الراهن , حيث من الخرافة والوهم محاولة تكرار ماض استهلكته المراحل , ورغم كل العوائق والصعوبات , فالعراق على سكته وسيصل مستقبله عاجلاً بعد إن يرمي في طريقه القوى والكيانات والعناصر المصفحــة

07 / 03 / 2012