الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : شكرا.. العفو

سلاما ياعراق : شكرا.. العفو

سبب ما دفعني الى ان أعصر ذاكرتي علها تسعفني بجميل واحد من إخوتي، فلم أجد غير ما تفضل به علي أخي الرسام الحسن الشيخ ناصر. فضله هو انه اهداني بضعة كتب رائعة من مكتبة الوالد التي تفرهدت بعد وفاته. ومع هذا البعض، القليل جدا من ارث كتب الوالد، قضيت ليلة البارحة.

اول كتاب شدني اليه شدا عجيبا هو “دليل الجمهورية العراقيه 1960 ” تأليف الأستاذ محمود فهمي درويش والدكتور مصطفى جواد والدكتور احمد سوسه. ثلاثة أفضل أعلام في التاريخ واللغة. وان كنت قد تصفحت الكتاب من قبل، لكني هذه المرة قرأته بنهم وتركيز شديدين. صفحات مضيئة من تاريخ العراق قبل الميلاد وما قبل قبل الميلاد. رصانة علمية وجمل رشيقة تملأ الصدر ارتياحا. تفاصيل عن مدن العراق مذهلة. لا يمر اسم وزير او مدير عام الا وتجد سطورا مكثفة عن سيرته الذاتية تنبئك بانه يستحق منصبه عن جدارة. وبينما كنت اقرأ بلهفة وجدت نفسي وكأني هناك في الستينيات. الرائحة ذاتها التي ما كان بها شيء من نتانة الطائفية والمحاصصة والفساد التي غطت سماء العراق وارضه في هذه الايام. حتى الإعلانات التجارية تسر النفس. من السيارات الى التركترات الى صورة تلك العراقية الجميلة التي “تضحك للهوه” وهي تجلس قبالة شاب أنيق على طاولة عليها قدحان من بيرة “فريدة”. كتب تحتها انها البيرة التي تضاهي بجودتها اي بيرة بالعالم..
ومن دون أن اشعر وجدت نفسي وكأني امشي في طرق مدينتي ايام الستينات. ها انا أرتب شعري واخرج مسرعا حتى أكاد ان أهرول. لماذا؟ كي أكون واقفا على الطريق بانتظار بهيجة اخت ست سعاد المعلمة التي اصطحبت اختها معها بعد ان جاءت من بغداد للتدريس في مدينتنا “الزبيدية”. كل ما كنت اعمله هو انها عندما تمر كنت اسألها: بيش الساعة؟ ثنعش وثلث. شكرا. العفو. وهذه “العفو” كانت كافية ان تجعلني اسعد صبي بالعالم. ولا يمكن ان انسى انها، ولسبب اجهله حتى اللحظة، اهدتني وردة جوري قبل ان اسألها عن الساعة. قلت لها: شكرا، فردت: العفو. الله ما الذ العين والفاء والواو على شفتيها.
كانت كلمات الناس، في ايامها، غاية في اللياقة والأدب: خوية، عيوني، قلبي، تاج راسي، اغاتي، من بطن عيني، فدوه لعيونك، صدقة اروحلك. لو بس اعرف وين اختفت هالكلمات الطيبة؟ وليش؟ لكنت قد استرحت.
اذكر مرة ان عراقيا خرج توا من العراق زارنا في بيتنا بمدينة كارديف البريطانية. نادى الضيف على ابنتي الصغيرة ان تأتيه بقدح ماء. أتته به فشفطه ولم يقل لها شيئا. وجدتها في زاوية من البيت تبكي. خير بابا؟ عمو ما قلي شكرا! بصراحة ظننتها طفلة تحب الدلع. لكني اليوم وانا اتذكر تلك “الشكرا” وذلك “العفو” أعطيتها كامل الحق بالبكاء.
وحين صحوت من خيالي الذي سرح بي لتلك الأيام الخوالي، وقعت عيني على صورة لعبد الكريم قاسم بين صفحات الكتاب الذي اقرأه. كان مبتسما بعفوية. قلت له: شكرا. ورغم ان الصورة لم تنطق وان بيني وبينه جدار الموت، سمعته يقول: العفو.
يا أبا الفقراء، سلاما.