الرئيسية » مقالات » حاكم جائر طيب..حاكم جائر شرير

حاكم جائر طيب..حاكم جائر شرير

تعيدنا الفتوى التي اصدرتها الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح بتكفير النظام السوري “النصيري” واهدار دم بشار الأسد الى الاجواء التي رافقت دعوة الشيخ يوسف القرضاوي
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التي قال فيها “من يستطيع من الجيش الليبي ان يطلق رصاصة على القذافي عليه ان يقتله ويريح الناس من شرّه”..وعلى الرغم من اننا قد لا نأسف كثيرا اذا تحققت فتوى الهيئة الموقرة ولن و لا ندعي حزنا على المصير الذي خطه الاخ قائد الثورة بيديه وقضى اخر اربعة عقود من عمره وهو يدفع الشعب الليبي اليه دفعا,ولكننا لا يمكن لنا الا التساؤل عن تلك الموهبة اللافتة التي يتحلى بها اعلامنا الاعلام وهم يتقافزون بكل تلك السلاسة ما بين فتاوى الحرية والثورة والكرامة واحاديث سد الذرائع وتحريم الخروج على السلطان الجائر.
فرغم السلسلة المتطاولة من فتاوى القتل والتكفير التي القيت علينا بريحها اللافح وملأت الاثير الاعلامي ومنابر الدعوة الى الجهاد محملة بزعيق “عتاة”السلفية من خلال العديد من الفتاوى التي تراوحت ما بين ادعائها غضبا لدين مضاع او شرع مغيب او كونها ردة فعل لحظوية تجاه طارئ ما او اندفاع لاهث خلف التموضع تحت اضواء الاعلام وطربا لهتافات المؤيدين مع الكثير مما لا يعد الا ترجمة حرفية مفقهة لتوجهات ورؤى الحكم تقربا وتملقا رخيصا لاولي الامر والنعمة وارضاء لنزواتهم.. ولكن بقيت هناك منطقة رمادية عصية على الجرأة والحمية والخوف من لومة اللائم في الحق هي النطاق الذي يدخل فيه السلطان ومن والاه فـي” من أطاعنـي فقد أطاع الله، ومن عصانـي فقد عصى الله، ومن يُطع الأمير فقد أطاعنـي ومن يعص الأمير فقد عصانـي”وتدور فيه الآراء في فلك ظلّية السلطان المقدسة على الارض ورقاب العباد وان من اهانه أهانه الله، ومن أكرمه أكرمه الله.مما قد يجعلنا في حيرة من تمدد الفقهاء حد الفتيا بقتل الحكام مع انطباق جوانحهم على نصوص التحريم ووضعها في الموضع الذي ترتكز عليه مجمل المنظومة الفقهية والنبع الذي يغرف منه العلماء ما يبادرون به هوى السلطان من حيث لا يحتسب بالوان التزلف المنافق والمداهنة الزائفة الممتطية للنصوص المقدسة لاوية اعنتها تجاه رضا الحكم طمعا في مايده او تقية من بطشه..فكم كفروا معارضيه واخرجوا من الملة من لم يبايعه على السمع والطاعة وجعلوا موالاته من اكمال الدين وتمام النعمة متوسعين في حشر مناهضيه في خانة الكفر والردة وان لم يكن نفسا بنفس او ثيب زان او تارك لدينه مفارق للجماعة..
فالفقيه المرتبط بالسلطة دائماً ما كان يقايض امانته العلمية ومسؤوليته الاخلاقية تجاه الجمهور مقابل منافع اجتماعية او مادية آنية وانتهازية دون النظر الى المفاسد المنتظرة من عملية تحويل الفقه إلى مجرد صدى ذيلي وتبريري لتداعيات الأمر الواقع الذي يفرضه السلطان بمختلف مسمياته وأوصافه وتشكيل درع فقهي يحمي السلطة من أي تحرش من قبل الرعية من خلال تخليق رقابة عسسية ذاتية داخل الفرد المسلم وتجنيد النصوص والتفاسير والملائكة كميليشيا لحماية السلطة الحاكمة من تذمر الشعب ومعارضته.
المشكل في الموضوع ان العلماء الاعلام كانوا يتبادلون التنقل ما بين الادوار المتناقضة وما بين الرفض والتأييد استنادا الى شخص الحاكم ومدى تطابقه او تقاطعه في المواقف مع ولي نعمة كل طرف من الاطراف.. فعند هذه النقطة الحرجة نجد ان هناك من يحرم على بعضهم حالة ما ويحلل للبعض الاخر نفس الحالة في اغتراف مسرف من القاعدة الاثيرة لفقه الاستبداد التي تحكم بان درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.. فما يصح في مصر وتونس لا يصلح لقطر مثلا..وما يهلل له في ليبيا يضرب عليه الناس بالمقامع في ارض الحرمين..وما يحتاج لعناوين مهمة او فعاليات لامعة لتشريعه هنا قد يكتفي البعض باستصداره عن طريق بيانات وزارة الداخلية هناك. وان ما يثاب العبد عليه في بلاد الشام يسقط عنه حق الاقامة في دولة الامارات..
إن من أسوأ الأخطار التي من الممكن ان تصيب الدين هي من خلال توظيفه من قبل العلماء الذين يعتبرهم الناس مصدراً لتعاليم الدين وأحكامه لخدمة مواقف وتوجهات سياسية ضيقة.. وقد يكون هذا العنصر هو الاساس في انكفاء الناس على الاستماع الى هذه الفئة التي اصبحت مصدرا لتفرق الامة بدل ان تكون سببا لوحدتها..كما ان الامعان في ترويج هذه الافكارالاسترضائية المداهنة للحكم ولدت نوعا من التقاطع مع المناخ الفكري العام الذي يسود المنطقة حاليا وتجلى في تجاهل الثوار لهذه الفتاوى وتجنب هذه الفوضى التي تتقاطع مع حركة التاريخ التي تصنع بايدي الشعوب المنتفضة وقواه الحرة الفاعلة..
على السادة العلماء الاجلاء فك الريب والاشتباك بين استصراخهم الناس للنهوض وحمل السلاح والجهاد في سبيل الله ضد سلطان غاشم وبين الخنوع لآخر والسمع له والطاعة حتى لو ضرب ظهرك واخذ مالك والهب قفاك بالصفعات..بين اهدار دم الحاكم المسرف في الولوغ بدماء وكرامة شعبه وبين الفتيا بان من مات وهو خارج عن السلطان شبرا مات ميتة جاهلية..فاننا هنا لا نتعامل مع وجهة نظر او رؤية خاصة تدخل في مجال حرية الرأي والتعبير,ولكنها فتوى يدعي مطلقها بانها ما كان يبتغيه الله جل جلاله من خلقه السماوات والارض و ما ارسل به انبياءه ورسله وما تبرأ به ذمة العبد يوم يلاقي ربا كريما..
نعود الى الهيئة الشرعية الموقرة..ونستعير منها ما ختمت به بيانها ونسألها ان تتلفت ذات اليمين وذات الشمال وتتدبره جيدا وتضعه في الموضع الذي يرضي الله ورسوله والحس الانساني السليم..وننقل عنها:..”وأخيرًا فإن على علماء السلطان وعمائم الطغيان ورؤوس الفتنة والبدعة أن يستقيلوا من وظائفهم، ويتبرَّأوا من ممالأة الكفر والإجرام، وألا يبيعوا دينهم وآخرتهم بدنيا قد أدبرت عن غيرهم، وليذكروا أن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ومقته يهوي بها في النار سبعين خريفًا، ويلقى الله تعالى وهو عليه ساخط”.