الرئيسية » دراسات » القضية الكوردية في تركيا – الحلقة الاولى

القضية الكوردية في تركيا – الحلقة الاولى

تاريخياً كانت بلاد الكورد مجرد ولايات إدارية تابعة للإمبراطوريتين العثمانية( ) والفارسية، وقد أنبثقت إمارات وممالك كوردية داخل الإمبراطوريتين، وظلت هذه الإمارات محصورة ضمن بقع صغيرة ولم تتوصل إلى حل الصراعات في ما بينها. وتمتعت بنوع من الإستقلال الذاتي، ولكن من دون ان تنصهر كلها في بوتقة قومية واحدة، جغرافية واحدة. وعليه فإن المناطق الكوردية ظلت دوماً جزءاً خاضعاً لمركز خارجي غير كوردي وكانت تعتمد الزراعية والرعي.
وتذكر المصادر بإن بلاد الكورد كانت محطة للقوافل التجارية، والجماعات ولعبور الجيوش الغزاة والشعوب المجاورة فتأخذ منها ماتريد ثم تتركها قفراً. ولم تقم هناك مراكز ثقافية، أو مدن عريقة ومستقرة، بل بقي الأمر على حاله من حيث النمو والفقر والجهل.وفي كل الأزمات كانت الحكومات تفيد من الشبان الكورد ويساقون إلى خدمة الجندية ويجندونهم ويرسلونهم إلى جبهات القتال في اماكن بعيدة في أطراف حدود الدولة العثمانية مع روسيا أو الدول الأوربية، قلما كان يرجع واحد منهم حياً فأما تاكلهم الذئاب في الطريق في أثناء العودة أو يموتون في الجبال والوديان من البرد والجوع.
وقام السلطان عبدالحميد الثاني بتجنيد شباب الكورد من أبناء القبائل في (الفرسان الحميدية) لقمع حركة التحرير الكوردية والأرمنية والأقليات الآخرى الغير التركية.
إن بروز المشكلة الكوردية المزمنة لم تكن حديثة، وإنما برزت في بدأية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ووصلت إلى ذروتها بعد الحرب العالمية الأولى.
وان مجيء الإتحاد والترقي أفسح في البدء للقوميات منابر وادواراً سياسية وتعبيراً عن الرأي غير ان سياسات(التتريك) ربما كانت حافزاً لرد فعل(قومي) و(إستقلال) مماثل لدى مختلف الإثنيات العثمانية.
وبعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم العالم مناطق وكيانات ورسم الحدود وظهور دول الحديثة. قسمت بلاد الكورد أربعة أجزاء مقسم على أربعة بلدان في منطقة الشرق الأوسط هي تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا فالبلدان الأربعة تجاور بعضها وتتقاسم حدودا ويوجد الكورد بالضبط في المنطقة التي تلتقي فيها تلك الحدود وهي موطنهم الأصلي الذي لم يهاجروا إليه من مكان آخر، ولم يهاجروا منه. وإما حدود البلدان الأربعة فهي ،في الواقع حدود تمزيق الوطن الكوردي وتشتيت الكورد وتم تقسيمها بموجب إتفاقية سايكس بيكو السيئة الصيت الإستعمارية، ولاسيما بعد هزيمة الرجل المريض(الدولة العثمانية) في الحرب العالمية الأولى، وتشكيل دول جديدة في المنطقة منها العراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، فضلاً عن دول الخليج العربي ،بعد ان كانت كلها تعيش ضمن الإمبراطورية العثمانية. استطاعت كل من صربيا، وبلغاريا، والبانيا، واليونان على تأسيس دولهم. ولكن لم يفلح كل من الكورد ، والأرمن في الحصول على كيان سياسي خاص بهم. لانهم لم يجدوا بعد الحرب العالمية الأولى أية قوة عظمى تتبنى قضيتهم وتقدم لهم الحماية بصيغة إلإنتداب لتشكيل دولة لهم، وان الأتراك أنفسهم رفعوا رايات النضال وخاضوا حرباً مكلفة ليخلقوا دولتهم الخاصة بهم.
على الرغم من الوعود والمواثيق منها(مؤتمر سيفر10 آب 1920)كرست هذه المعاهدة التي اكرهت الحكومة العثمانية على توقيعها، تجزئة الإمبراطورية، بل وأخطر من ذلك منح تجزئة الأناضول. منح جزء كبير من(تراسا الغربية) لليونان. وفرضت فرنسا نفسها على العديد من الولايات الجنوبية. والسيطرة الدولية على المضايق.
ودخلت القضية الكوردية المحافل الدولية عن طريق معاهدة سيفر(10 آب 19920) التي أقرت قيام دولة أرمنية في شرق الأناضول ومنطقة حكم ذاتي كوردي في الجنوب الشرقي للأناضول شبه مستقلة عن طريق ثلاث مواد وهي(62، 63، 64). وإذا كان الخطر الأرمني غير واقعي لاسباب عدّة ومنها:
1ـ نظراً لصغر مساحة أرمينيا.
2ـ قلة سكانها.
3ـ ضعفها الإقتصادي والعسكري.
في المواد(62،و63،و64)الذي أقر منح الكورد في كوردستان الإستقلال بعد فترة إنتداب وأعطى الكورد الحرية في كوردستان ـ العراق وضمت ولاية الموصل للعراق.
ولكن مصطفى كمال أتاتورك لم يوقع على هذه المعاهدة. بل وقع على معاهدة لوزان. فلم تنفذ مواد معاهدة(سيفر). رسخت معاهدة لوزان الموقعة في 23 تموز 1923 إنتصارا لـ(مصطفى كمال) والتي استجابت لمطالب الوطنيين الأتراك الذين اكدوا عليه في الميثاق الوطني الصادر في كانون الثاني 1920. الذي استعاد جزءاً كبيراً من الأراضي التي طالب بها الميثاق الوطني عام 1920. ولم يعد مطروحاً في هذه المعاهدة أمر دولة أرمنية(حصل الأرمن واليونانيون واليهود على وضعية أقليات، ولم يحصل الكورد على حكم ذاتي كوردي).
واستطاع مصطفى كمال اتاتورك ايضاً ان يقنع نواب وزعماء، ووجهاء،ورؤوساء العشائر الكوردية بتأييد وجهة نظر الحكومة التركية، ومجلس النواب التركي (الجمعية الوطنية) الذي نال فعلاً تأييد نواب المناطق الكوردية في (ديرسيم، وأورفة، ودياربكر). أرسلوا رسائل إلى مؤتمر لوزان عام 1923 ورد فيها ما يلي:((إن الكورد لاينفصلون أبداً عن الأتراك)). وأعلن عصمت إينونو الساعد الأيمن لـ(مصطفى كمال أتاتورك) رئيس الوفد التركي حينها إلى مؤتمر لوزان((إن تركيا هي ملك للشعبين التركي والكوردي)).
ثار الكورد في وجه الدولة التركية رداً على سياسة الإتحاديين التتريكية العنصرية على الرغم من أن الكورد اشتركوا في حرب الإستقلال التي قادها مصطفى كمال في تركيا عام 1918 ولغاية 1923، وتعاطف الكورد مع الحركة الوطنية التركية، وقد شارك الزعماء الكورد في مؤتمري أرضروم وسيواس عام 1919، اللذين يعتبران بداية المقاومة الشعبية للأحتلال الأجنبي الذي احتل بعض المناطق التركية. وقد وافق زعماء الكورد هؤلاء على البيان الذي صدر في اعقاب هذين المؤتمرين:((بأن ولايات أرضروم، وسيواس، ودياربكر، و وان، وبتليس) كلها مناطق تسكنها أغلبية كوردية) وهي جزء لايتجزأ من الإمبراطورية العثمانية، ولا يمكن فصلها لأي سبب كان، وإن جميع العناصر المسلمة، التي تسكن هذه المنطقة تجد نفسها تنحدر من أم واحدة، وأب واحد)).
وتحالف الكورد مع الحركة الكمالية في أثناء حرب الإستقلال، ولكنهم لم يحصلوا على جزء من(غنيمة الإنتصار) وذهبت وعود الكماليين أدراج الرياح، بل واكثر من ذلك فقد تم تجاهلهم كلياً كجماعة إثنية واعتبرتهم الدولة اتراكاً أو(اتراك الجبال) الذين يجب تمدينهم. ولكن الكورد لم يركنوا إلى الوضع الجديد وحاولوا تغييره بمختلف الوسائل وقد نهضوا في مواجهته مرات عدّة. وعندما الغيت الخلافة الإسلامية من قبل مصطفى كمال فقامت ثورة الشيخ سعيد بيران الكوردية ضد هذا التصرف التركي عام 1925م وطالبت بالحقوق المشروعة للأكورد ، بإعتبار ان الحكومة التركية تراجعت عن مواقفها تجاه الكورد ولم تلتزم بالوعود والمواثيق المبرمة بينهم.(أي بين الكورد والحكومة التركية).والرسائل المتبادلة إلى الزعماء الكورد إبان حرب الإستقلال .
وانتهج الكورد الكفاح المسلح وكانت ثورات الكورد تضم شكلين من المعارضة للحكومة التركية
1ـ معارضة الأنتلجنسيا(النخبة المثقفة) التي كانت مشبعة بالأفكار الغربية، ولاسيما الطبقة العسكرية منها.
2ـ معارضة الطبقات التقليدية ولاسيما القبائل وأتباع الطرق الدينية التي كانت ترفض وجود دولة مدركة على انها قمعية وكافرة(بحسب قول رجال الدين حينذاك).
وفي هذه المدة كشف معدن ساسة الأتراك ووجهة نظرهم العنصرية والشوفينية تجاه الأقليات التي تعيش في تركيا.
وفي 1930 قامت إنتفاضة الجنرال إحسان نوري باشا.وثورة آرارات.
وفي عام 1936 قامت إنتفاضة سيد رضا(*) .
وقد اعلن عصمت إينونو:((يحق للأمة التركية وحدها أن تطالب بالحقوق العرقية والجنسية في هذه البلاد…اما العناصر الأخرى، فإنها لاتملك هذا الحق))( ).
واعلنت لجنة الوحدة الوطنية التركية، التي قامت بإنقلاب عام1960على الحزب الديمقراطي مايلي:((إن الكورد والأتراك هم من عرق ودم واحد، وإن اللجنة تستعد لإصدار قانون يعاقب على كل من يطلق تسمية الكورد على سكان المناطق الشرقية))( ).
وقالوا كذلكً((كان أصل الطبقة الفلاحية التي يقال عنها بأنها كوردية من أصل تركي، وأنها نسيت لغتها لأنها إضطهدت من قبل الإقطاعيين الكورد)) وبالتالي كان لابد من إعادة هؤلاء الفلاحين إلى الجسد القومي(التركي ـ الطوراني)( ).
وإن المصادر التاريخية تثبت عدم صحة هذا الرأي ولم يكونا من العرق نفسه إن الكورد من عنصر أري. وان الأتراك من عنصر طوراني،وان أغلب سكان منطقة جنوب شرق الأناضول هم من قبائل الكوردية.
الكورد يتكلمون أحدى اللغات الهندو ـ اوربية. ومن عائلة(الهندو ـ إيرانية) (المجموعة الإيرانية).ويشكلون حوالي 10% من سكان تركيا بحسب الإحصائية التي جرت في سبعينيات القرن العشرين. وهذا الرقم غير دقيق لعدم وجود إحصائيات خاصة بالتعداد العام للسكان والسياسة التركية الرسمية لا تعترف بالكورد بوصفهم مجموعة عرقية متميزة. ومع ذلك، فإن الحكومة الغت عدداً من القيود على إستعمال اللغة الكوردية في مدة الحكم توركوت اوزال بحيث بدأت الكتب والصحف الكوردية تنشر. وهناك وعود بالمزيد من الحرية في المستقبل( ).
وضعت نظريات وبحوث ودراسات في تركيا وإيران والعراق وسوريا لإثبات شيء واحد فحسب هو أن الكورد ليسوا كورداً وتشكيك في أصلهم بوصفهم قومية يريدون هؤلاء ان يقولوا بإن أصل الكورد من قوميتهم من أجل طمس الهوية وأخماد نار الثورة والشعور القومي لدى الكورد وهدفهم منها هو صهر الكورد في بوتقة القومية. وفي كل الحالات كان التأكيد ينصب على خطورة أن يبقى الكوردي كوردياً ويتباهى بأولئك الكورد الذين أنكروا قوميتهم وأستطاعوا أن ينخرطوا في صلب التركية المشكلة( ). وحتى ان الدساتير التركية الثلاثة (1924 ،1961، 1982) تؤكد على ان هناك في تركية قومية واحدة وتتركز في القومية التركية وهذا ما اشارت إليها الدساتير الثلاثة في ديباجتها( ).
إن أغلب سكان منطقة جنوب شرق الأناضول هم من قبائل كوردية. وإن من مميزات القبيلة الكوردية هي وحدة إجتماعية ، وسياسية، وإقتصادية. وتقوم على القرابة الحقيقية. وإن أصغر وحدة إجتماعية في القبيلة الكوردية هي الوحدة العائلية. وإن طابع الولاء للقبيلة مازال حتى اليوم يميز كل الحركات والتنظيمات السياسية الكوردية في المنطقة. وإن رئيس العشيرة أو الأغا هو القائد القبلي( ).
يعيش الكورد في مجتمعات ريفية على الغالب، ويتوزعون إجتماعياً وإقتصادياً بين عدد كبير من الفقراء صغار، وعدد صغير جداً من كبار الملاكين وبناء إلى إحصائيات 1985يملك 2% فقط من الملاكين الكورد نحو(3ـ 5%) من الأراضي الصالحة للزراعة في المناطق الكوردية. وبقيت مناطقهم في الجنوب الشرقي للأناضول من تركيا. في أقصى درجات الإهمال من حيث التنمية الإقتصادية، ودخل الفرد الكوردي لايتجاوز 40% من معدل الدخل القومي للفرد التركي.
وتعد الإقاليم التي يعيش فيها الكورد من بين أفقر المناطق، وأقلها تطوراً في الأناضول. وهي تعكس التطور الإقتصادي غير العادل الذي خلق تناقضاً حاداً بين اقاليم غرب تركيا المترف والشرق المتخلف( ).
حاولت الدول التي تحكم الكورد أن تهمل مناطقهم((ولم يسمح بنشؤ)) المناخ ثقافي وفكري حيث لا مدارس، ولا جامعات، ولا نوادي، ولا صحف،ولا مجلات، ولا يسمح لهم بطبع الكتب ونشر الدوريات. ومارست السلطات المتحكمة في كوردستان سياسة التجهيل بحقها، ورأت أن أنسب الطرق لضمان التحكم ببلاد الكرد ومصير شعبها هو في إغلاق باب الثقافة والإنفتاح في وجههم)) وان تحطيم الثقافة الكوردية هو جزءاً من المسعى إلى تحطيم الهوية القومية للأكورد))( ) . فلغتهم ممنوعة في المدارس، والجامعات، ومناطق سكنهم محرومة من الرعاية الإجتماعية والإهتمام الحكومي ومناطقهم الأفقر إقتصادياً وإجتماعياً( ).
تختلف التقديرات نسبة الكورد في تركيا بين(17ـ18%) بحسب تقدير المصادر الغربية( ). أما المصادر الكوردية تشير إلى(24%)( ).
بما أن سكان تركيا عام 1990 وصل إلى(57) مليون نسمة، فإنه يمكن القول إن عدد الكورد في تركيا يتراوح بين (10ـ13)مليون نسمة, ولكن المصادر الكوردية المعارضة تؤكد بإن عدد الكورد يتجاوز عشرين مليوناً .
عدد سكان تركيا
1990- 1997 2004 يتوقع ان يصل عام 2015 معدل النمو السكاني
57 مليون 60مليون 2ر72مايون 100مليون 2ر1%
تقدر نسبة الكورد في تركيا بـ(20%) من مجموع السكان تركيا، أي أنهم يزيدون على (12) مليوناً أو(13) مليوناً . وفي اسطنبول وحدها يسكن فيها بـ(3ـ4) ملايين( ).
مساحة كوردستان الكبرى بالكيلومتر مربع بـ(الألاف)
تركيا إيران العراق سوريا المجموع
190 125 65 12 392( )

الاثنين 26-09-2011 / Taakhi