الرئيسية » دراسات » من تاريخ اليهود في تركيا العثمانية ـ الجزء الأول

من تاريخ اليهود في تركيا العثمانية ـ الجزء الأول

إن العثمانيين في القرن السابع عشر كانوا قد امتدوا بشكل كبير في ثلاث قارات. في القارة الأوربية ـ في دول البلقان : مملكة رومانيا، صربيا، بلغاريا، اليونان، مونتي نيكرو (الجبل الاسود)، ألبانيا. وفي القارة الافريقية : تونس، طرابلس (ليبيا)، مصر. وفي آسيا: الجزيرة العربية، آسيا الصغرى، بلاد بين النهرين، سوريا، فلسطين، واستمر نفوذها لغاية جدار الصين. وشهدت الامبراطورية العثمانية في وقت سليمان العظيم ازدياداً في قوتها ونفوذها، مما حدى بأحد الرحالة الأجانب القول : الامبراطورية العثمانية عظيمة جداً اليوم، الى حد أنه يتم تلقيب سلطانها بألقاب عديدة: الله على الارض، ظل الله، العاهل الأوحد في العالم، ملك الملوك، قائد العالم.


الاستيطان اليهودي في تركيا

منذ سقوط اسرائيل وعاصمتها اورشليم بيد الرومان في عام 70 ميلادية، تشتت اليهود في أقصاع آسيا واوربا وأفريقيا، وبكل تأكيد كان عدد من اليهود قد هاجر واستقر في بلاد بين النهرين (العراق) وفي آسيا الصغرى، وتواجد اليهود الكبير واضح في رسائل بولس (الذي هو ذاته من يهود آسيا الصغرى من طرسوس) التي وجهها الى اخوته اليهود (المسيحيين) في آسيا الصغرى. وسيستمر التواجد اليهودي في هذه المنطقة في العصر الروماني المسيحي والبيزنطي لغاية دخول الاسلام والدولة العباسية.. من ثم سيستمر التواجد اليهودي في الحقبة العثمانية التي ستطول لغاية بدايات القرن العشرين.

إذاً، في وقت الامبراطورية العثمانية، كان التواجد اليهودي قديماً وواضحاً، فقد كانت لليهود تجمعات ومستوطنات منها مستوطنة أنشئت في بروسا في عام 1326 م كان مستوطنيها من اليهود الوافدين من دمشق ومن غيرها من المدن والولايات العثمانية.

ازدهرت حياة اليهود ـ مع تأرجح وضعهم العام صعوداً ونزولاً ـ في تركيا العثمانية في حقبات متعددة، مما دفع الكثير من اليهود المهاجرين في دول اوربا للذهاب الى تركيا ، وبهذا ازدادت أعداهم أيضاً . ويمكن الاستشهاد بشهادة أحد اليهود المدعو ـ اسحق صرفتي ـ الذي كان مقيماً في تركيا، الذي قام بارسال عدة رسائل الى أعضاء الجاليات اليهودية في ألمانيا وفي هنغاريا ـ في حدود سنة 1454 ميلادية ـ يدعوهم فيها للمجيء والانضمام الى الجالية اليهودية في تركيا. والرسالة هذه محفوظة كوثيقة قديمة في المكتبة الوطنية في باريس تحت الرقم 291.

رسالة “اسحق صرفتي” الى بني اسرائيل في ألمانيا :

“لقد سمعت عن الآلام الأكثر مرارة من الموت، التي وقعت على اخوتنا (اليهود) في ألمانيا من جراء القوانين الاستبدادية والتعميذ (المعمودية) الاجباري والنفي القسري، التي يتعرضون لها يومياً. وقد تم إخباري بأنه حينما يفرّ اليهود هناك من مكانٍ ما بسبب الصعوبات يلقون صعوبات مثلها في المكان الآخر. وكرَبُ الروح وعذابُ الجسد يأتيان اليهم من جميع الجهات، من أعمال الابتزاز اليومية التي يفرضها الظالمون غير الرحومين. حيث انتفض الاكليروس ورجال الدين والرهبان والقساوسة، ضد شعب الله ، التعيس.. ولهذا السبب قد أصدروا تشريعاً ضد كل يهودي يجدونه على ظهر سفينة مسيحية متجهة نحو الشرق، بأن يتم رميه في البحر. أواه، للشر الذي يتوسله الألمان لشعب الله وكم هو محزنٌ وضع الشعب الذي خارت قواه… حيث يتم طردهم هنا وهناك وملاحقتهم حتى الموت.

الاخوة والمعلمون والمعارف،

أنا “اسحق صرفتي”، على الرغم من أنني أصلاً من الجالية اليهودية في فرنسا، لكنني ولدت في ألمانيا وتعلمت فيها على أقدام اساتذتي (الرابيين) الكرام. أعلن لكم أن تركيا هي البلاد التي لا ينقص فيها أي شيء ـ وإذا كنتم ترغبون ـ فكل شيء سيكون لكم وعلى مرامكم. فالطريق الى الأراضي المقدسة مفتوحة لكم عبر تركيا.

أليس من الأفضل لكم العيش تحت ظل المسلمين من العيش تحت ظل المسيحيين ؟

هنا، كل انسان يقيم في سلام في بيته وكرمته وتحت شجرة تينه، وهنا، يُسمح لكم بارتداء الثياب الثمينة.

في الدول المسيحية، على العكس، حيث لا يمكنكم إلباس أولادكم ثياباً حمراء أو زرقاء، بحسب ذوقنا، من دون تعريضهم الى الاهانات أو الضرب أو الركل بألوانه الحمراء والزرقاء، ويُحكم عليكم بارتداء الألوان الحزينة المقيتة. والآن يا اسرائيل ! لهذه الأسباب أنتم نائمون ؟

انهضوا ، واتركوا هذه الأرض الى الأبد”.

لا يخفى تأثير مثل هكذا رسائل في تحفيز اليهود الذين كانوا يعيشون ظروف اضطهاد في بلدان عديدة في اوربا، في تحفيز وتشجيع الكثير من اليهود (الاشكيناز) في التدفق على تركيا، وهؤلاء اليهود الوافدون الجدد من اوربا لا يلبثوا أن يندمجوا مع الجالية اليهودية المستوطنة في تركيا.

وجدير بالذكر بأنه حتى اورشليم المقدسة التي لم يبق فيها الا العدد القليل من يهودها منذ أيام الحروب الصليبية، بدأ توافد اليهود اليها ـ حين أصبحت تحت الحكم العثماني ـ باعتبارها أرضهم وبلاد أجدادهم، وكاورشليم القدس كذلك حدث اجتذاب لليهود في العودة الى مدن عثمانية أخرى مثل مدن سوريا وجزيرة العرب، الأغنياء منهم والفقراء.

وفيما يتعلق بالسفارديم، يهود اسبانيا والبرتغال، فان أعمدة الدخان التي كانت تتصاعد بسبب نيران محاكم التفتيش في اسبانيا والبرتغال، دفعت باليهود المارانوس Marranos (اليهود الذين أُجبروا على المعمودية ليصبحوا مسيحيين، ولكن كثير منهم ما لبثوا أن عادوا الى اليهودية) منفردين أو على شكل جماعات، باتجاه الشرق، الى فلسطين ونحو تركيا بعيداُ عن السلطات المسيحية في اسبانيا والبرتغال.



جوزيف كارو (1488 ـ 1575 م) :

ولد جوزيف بن افرايم كارو في اسبانيا، وحين كان صبياً هاجر مع والديه مثل غيرهم من اليهود الاسبان اللاجئين الى تركيا، أقام جوزيف مع أهله في أماكن عديدة : نيقية ، أدرنة، فلسطين. جوزيف كارو، التلمودي المجدّد الشهير، يعتبر من أهم وأشهر التلموديين في القرن السادس عشر، الذي مات ـ بعد عدة هجرات ـ في فلسطين في سنة 1575 بعد أن أتم عمله (كتاباته) الذي كان له التأثير الكبير في الديانة اليهودية من وجهة النظر الأكثر أرثوذوكسية، وبقي تأثير عمله لعدة قرون، ويحمل كتابه الشهير عنوان “بيث جوزيف أو يوسف ” الذي يفسر فيه توريم ابن آشير، اضافة الى أنه ألّف كتاباً يشرح فيه كتاب موسى بن ميمون “مشناه توراه”.


جوزيف ناسي

خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، نا أحد اليهود (جوزيف ناسي: أحد المارانوس ـ المتنصر سابقاً في البرتغال) مكانة رفيعة في الدولة التركية، حيث جعل منه السلطان سليم دوقاً على (ناكسوس)، كما حصل على مكانة ونفوذ في شؤون الامبراطورية العثمانية، فقد منحه السلطان مدينة طبرية مع سبعة قرى مجاورة لها، وفيها تمكن من ايجاد مستعمرة كانت نيته منها أن تكون نقطة تجمع لليهود، وملاذاً آمناً للاجئين اليهود.

في الواقع يمكن رؤية الصورة المسبقة والمشابهة لتيودور هرتزل (الذي سيأتي بعد جوزيف بثلاثمائة سنة) لفكرة الوطن اليهودي الذي يجمع جميع اليهود المشتتين، وإن كانت مباردة جوزيف محدودة، وبالرغم من كونها فكرة جيدة بالنسبة لليهود، لكن مشروع جوزيف ناسي لم يتمكن من أن يكتمل وينضج، لأن جوزيف كان رجلاً صاحب الكثير من الطموحات والخطط. وحلمه بأن يصبح عاهلاً وحاكماً كان قد أخذ حيزاً كبيراً من تفكيره. كما أن آماله باتجاهٍ آخر في أن يعتلي عرش قبرص استهلك هو الآخر الكثير من قدراته وطاقاته. بالاضافة الى أن فكرة (الصهيونية) كانت مسألة نظرية لم يكن لها في الواقع التطبيقي إلاّ مساحة محدودة جداً.

ومن جملة ما قام بعمله، في سنة 1565 أعاد بناء جدران طبرية، التي ستقوم أرملته (رينا ) ـ ابنة أسرة ثرية ـ من بعده بتدعيمها و إقامة بعض التصليحات عليها، قبل وفاتها هي الأخرى قبل نهاية القرن السادس عشر.



سليمان الأشكينازي

ومن الشخصيات اليهودية ، التي برزت في البلاط التركي في أواخر القرن السادس عشر، سليمان الاشكينازي ( سليمان بن ناتان )، كان متعلماً وموهوباً، من أصل ايطالي، عمل طبيباً لملك بولندا لبعض الوقت ، ثم مالبث أن غادر بولندا ليقيم في القسطنطينية، وتقرّب من حزب السياسي العثماني “سوقوللي” (1506 ـ 1579) (ترقى سوقوللي في مناصب عديدة في الدولة العثمانية وأصبح الصدر الاعظم (رئيس الوزراء بالتسمية المعاصرة اليوم) 1565 ـ 1579 تحت حكم السلاطين سليمان القانوني و سليم الثاني ومراد الثالث).

تم اعتماد الأشكينازي مبعوثاً تركياً استثنائياً لدى بلاط فينيسيا (البندقية)، حيث وقعت معاهدة سلام بين الدولتين. ويبدو أن أشكينازي قد تمتع بمكانة محترمة ومكرّمة من لدن حكومة البندقية، حيث تم استقباله والترحيب به بفرح وحماسة من قبل الجالية اليهودية في البندقية حين وصوله اليها.

وكان لتأثير أشكينازي دوراً مهماً في الغاء مرسوم إبعاد (نفي) اليهود من فينيسيا الذي أُعلن في 10 تموز 1573. وكان لأشكينازي مهمة كبيرة وناجحة جداً مكّنته من البقاء في منصبه لغاية وفاته. كان لبراعته وللتقدير العالي الذي حظيه دوراً مهماً، مكّناه من التعامل بنجاح في مهماته الدبلوماسية لصالح تركيا مع المحاكم والمراجع المسيحية لمدة قاربت الثلاثين عاماً.

ومن الجدير بالذكر أن زوجة أشكينازي كان لها الماماً ومعرفة بالطب، حيث حدث بعد وفاة زوجها أشكينازي، أن تم استدعاءها لمعاينة ومعالجة السلطان العثماني محمد الثالث الذي كان على فراش المرض بسبب إصابته بمرض الجدري، فعالجته وتم شفاؤه. وفي هذا الخصوص يذكر الكاتب اليهودي جوزيف ها كوهين : “في عام 1602 م توفي السلطان مراد وجلس على العرش بدلاً عنه ابنه السلطان محمد الثالث البالغ من العمر 17 سنة فقط ، الذي تعرض ذات يوم لمرض ذي طبيعة سرطانية، مما أوصله الى حافة الموت. لكن موظفو القصر قدموا له مشورة وسألوا صاحب الجلالة الإذن بالبحث عن سيدة ماهرة في الطب يعرفونها، هذه السيدة بامكانها مساعدته في صراعه مع المرض الخطير، وقد تكون قادرة على تقديم الخدمات اللازمة للتغلب على هذا المرض. وكان وقعُ هذه النصيحة موضع سرور لدى السلطان فتم تنفيذ هذه الاستشارة فوراً.

وفي هذه الفترة كانت السيدة مقيمة في القسطنطينية وكانت تحظى باحترام مميز من قبل الحكومة العثمانية خاصة أنها أرملة السفير العثماني “الرابي سليمان بن ناتان الاشكينازي” المعين من قبل السلطان سليم لدى فينيسيا، وهذه السيدة تمتلك معرفة كبيرة وملمة بشكل جيد في اعداد العلاج لمثل هذه الأمراض.

حينما دخلت الى قصر السلطان سألت عن أطباق السلطان المفضلة. ومن ثم حددت الدواء الأكثر فعالية ضد مرض السلطان، وحققت نجاحاً جيداً في ذلك حيث تحسنت صحة السلطان. وأبدى السلطان اعجاباً وتقديراً للسيدة لما فعلته من أجله، وبذخ في تقديم هداياه لها”.

ليس هذا فحسب ، ففي عام 1605 رغب ابنها في القيام بزيارة فينيسيا (البندقية) من ضمن رحلة أحبّ القيام بها، قام السلطان بتزويده برسالة توصية الى المجلس الاعلى في فينيسيا للاهتمام به، وكان أن استقبلوه وأستضافوه بحفاوة.

تقلص النفوذ اليهودي في تركيا وظهور المسيح المنتظر

في الفترة التي تلت وفاة جوزيف ناسي وسليمان أشكينازي، تقلص نفوذ اليهود في تركيا الى حد كبير. وبعد المجد الذي حظيه اليهود في القرن السادس عشر في تركيا، تلاه الوقت الذي شعر فيه اليهود أنهم قد فقدوا الحماية والمكانة التي كانت لهم. فالاهمال من قبل الحكومة التركية المترافق مع القمع حلاّ محل الازدهار الذي كان لهم سابقاً.

في غضون ذلك استغرق الاسرائيليون في التفكّر بالأحزان التي ألمت بهم نتيجة الوضع المتردي، وكثيراً ما كانوا يتلذذون في تذكّر ذكرى الأيام السعيدة الخوالي. وفي هذه الفترة والظروف كانت مؤاتية للعودة الى النظرة الدينية التصوفية والروحية وإعادة الأمل في مجيء المسيا وتحقق النبوءات الاسرائيلية المتعلقة بهذا المجيء، واحياء الأمة اليهودية من جديد في المستقبل القريب.

ومن الشخصيات التي تزعمت هذه الفترة: سليمان ملكو، اسرائيل لوريا، حاييم فيتال، وآخرون، الذين قاموا باعداد اخوتهم اليهود في الايمان والعقيدة. وتم الاشهار بعقيدة الكابالا وترسيخ العقيدة الميسيانية. وسوف تتسارع الأمور وستتركز هذه التكهنات والتوقعات حول شخصية ذات اسم معروف لدى الجالية اليهودية في تركيا، وسرعان ما ستصبح مشهورة في بلدان وأطراف أخرى من الامبراطورية العثمانية حيثما وجدت الجاليات اليهودية.



شباتاي تسيفي ـ المسيح المنتظر:

يعتبر شباتاي تسيفي من أبرز الاسماء التي برزت واشتهرت في هذه الفترة، على أنه المسيح المنتظر من قبل اليهود.

ولد شباتاي (أو سباتاي) تسيفي في سميرنا “أزمير” ـ آسيا الصغرى ـ تركيا، في عام 1626 م، وعلى الرغم من أن عائلته كانت قد جاءت الى تركيا من شبه جزيرة موريا (جنوب اليونان) الاّ أنها تنحدر من أصل اسباني، والتي اضطرت للهجرة من هناك بحثاً عن الأمان ولقمة العيش.

كان والده، موردخاي تسيفي، فقيراً في موريا، لكن بعد رحيله الى أزمير أصبح وكيلاً مالياً وتمكن من جمع بعض الثروة المالية تدريجياً. وكان يعزو موردخاي تسيفي تحسن وضعه المالي وثراءه على أنه فأل حسن ونعمة من الله حصل عليها من خلال ولادة ولده شباتاي الذي جلب الحظ السعيد معه لوالده.

شباتاي والنساء :

كان لشباتاي مظهراً حسناً واخلاقاً عالية، لكنه ، مع هذا، ومنذ بداية شبابه ظهر عليه نفوره من المراة ومن مجتمع النساء، مع أنه تزوج مبكراً لكنه أهمل زوجته كثيراً مما اضطرها أن تطلب الطلاق فطلقته. ثم تزوج أخرى أكثر جمالاً ولكن لم يكن حظها أفضل من الزوجة الأولى. وفي سياق حياته الحافلة بالأحداث يُقال بأنه تزوج لأكثر من أربع مرات.

كرهه أو قلْ نفوره من النساء ، إضافة الى أفكاره التقشفية والزهدية، الى جانب دراسته المعمقة للكبالا وتفسيراتها وشروحها، استقطبت حوله دائرة من العديد من المريدين له وازداد المعجبين به وأصبح لديه مجموعة كبيرة من التلاميذ التابعين.


عوامل نمو تماهيه بالمسيح المنتظر :

تم جعل شباتاي رابياً منذ وقت مبكر حين كان يبلغ من العمر 18 سنة، ومنذ ذاك الحين يبدو أنه قد تم اعتباره بمثابة قديس من قبل بعض أتباعه الأكثر تحمساً له. وكثرة الاطراء عليه من قبل جماعته التي اتسمت بعدم حكمتها وطيشها كانت حافزاً في إثارة طموح الشاب شباتاي الكابالستي (الكابالستي :الذي يتبع الكبالا) الى درجة تفوق الأمر العادي ووصلت الى درجة غير معقولة.

كانت الانتظارات والتوقعات اليهودية بمجيء المسيّا كبيرة، وكان من بين من يكرزون بها الرابي الشهير في القرن السادس عشر الرابي اسحق بن سليمان لوريا (صفد ـ اسرائيل) وتلاميذه الذين استمروا في الوعظ بمجيء المسيا، وكان فحوى الأمل لهذا المجيء كبيراً بين الأوساط اليهودية في داخل أراضي اسرائيل (فلسطين العثمانية) وأخذ حيزاً في نقاشات وجدالات الجاليات اليهودية خارجها أيضاً، وبالخصوص نتيجة الاضطهادات التي تعرضت لها الجاليات اليهودية مما عزّز أملها بمجيء المسيا الذي سيحررهم ويعيد لهم إمكانية ضمانة تأسيس مملكة اليهود السابقة.

وفي الظروف الصعبة التي عاشها اليهود منذ بدايات القرن السابع عشر، التي برز فيها الكابالستي شاباتاي الذي كان مقتنعاً كثيراً بحلول الزمن المسيّاني، وبتأثير دراسته وتأمله المستمر في الكبالا إضافة الى التبجيل والتعظيم التي حظي بها من قبل أتباعه ومن كانوا يتحلقون حوله لسماعه، أثرت كلها هذه في فكره وعقله. وفي الحقيقة أن أعمال لوريا هي الأخرى حمّست وشحنت شباتاي وأثارت فعالياته الروحية والعقلية، وأخيراً بدأ يقتنع داخلياً على أنه هو ذاته موضوع البشرى (البشارة) وأن جميع النبوءات بخصوص المسيا الآتي ـ المخلص الموعود ـ الذي سيأتي ويحرر صهيون إنوجدت فيه.

وتعزيزاً لقناعة شباتاي ورغبة منه في ختم أعماله بما يؤيدها ويؤكدها ويزيد من ثقة أتباعه وتلاميذه به، تولى واحدة من المحظورات على الشعب اليهودي منذ أقدم أزمانه (منذ زمن موسى)، والمحصورة صلاحيتها برئيس الكهنة في الشعب الاسرائيلي، وهي ذكر اسم الله (يهوه) علانية والتلفظ بهذا الاسم الالهي.


طرد شباتاي من أزمير :

لاحظ حاخامات (أو حاخامو) أزمير غموض الروحانية التي ظهرت على شباتاي وتلاميذه وراقبوهم باهتمام، وقرروا إبعاده من المدينة في سنة 1651 م. فكان لشباتاي وسائل كثيرة وخيارات عديدة في التوجه الى أماكن أخرى، وربما فكّر إنه من الأفضل له أن يذهب في هذا الوقت للعيش بهدوء في القسطنطينية، وفي نفس الوقت لإنضاج خططه وإضافة معرفة وعلماً أكبر من علم الكابالا.



شباتاي في القسطنطينية :

خلال فترة إقامته في القسطنطينية، العاصمة التركية العثمانية ، التقى مع الفقراء هناك ، لكن كان الأهم في هذه المرحلة، التقاء شباتاي بالرابي “ابراهام ياحيني” الواعظ المقتدر والمشهور بدهائه . قام ابراهام باسناد شباتاي، وأعدّ مخطوطة قديمة ملائمة توضّح مجيء المسيح (أو المسيا) وفيها النبوءات التي تدعم هذا المجيء. وبالتالي أصبح شباتاي والحالة هذه أكثر قناعة من أنه هو المسيح الحقيقي، لكنه أدرك تدريجياً بأن القسطنطينية ليست المكان الأفضل لتمجيده. فقرّر زيارة تسالونيكا.


شباتاي في تسالونيكا :

ان تسالونيكا مدينة معروفة بجاليتها اليهودية الكبيرة ، ومعروفة كذلك بميولها وتعاطفها مع الفكر التصوفي اليهودي وأتباعه، لكن شباتاي بوجوده في تسالونيكا زاحم مركزية الحاخامات (الحكماء) اليهود في المدينة، مما تسبب ذلك في وقوعه تحت طائلة الحاخامات، مما اضطر شباتاي لتغيير مكان اقامته مرة أخرى.

لا شك أن المعاناة التي واجهها سباتاي في الرفض والطرد والنفي لعدة مرات كان لها تأثيرها على المستوى الأدبي (مورال) والنفسي، وكان لأتباعه تفسيراً آخر لهذه المعاناة التي يعانيها معلمهم سباتاي بمقاربتها مع المعاناة والآلام التي تكبدها مؤسس الديانة المسيحية ـ يشوع المشيح ـ حيث رأوا أن المعاناة والصعوبات التي يواجهها شباتاي ما هي الاّ مقدمة وتمهيداً للمجد الذي سيحصل عليه حين سيُعلن مسيحاً يُعترف فيه عالمياً على أنه المسيح الحقيقي.