الرئيسية » مقالات » السلفية .. العامل المشترك الاكبر

السلفية .. العامل المشترك الاكبر

الربيع العربي فصل تمنى الجميع ان يحتفظ برائحة ازهاره , لكنه ما لبث ان كشف عن عاصفة رملية مسمومة , قادمة من شبه الجزيرة العربية , تحركها ماكنة دوّارة ضخمة تعمل بالطاقة الامريكية .

ان الشعوب العربية عانت لعقود , بل لقرون , من ويلات انظمة الاستبداد والقهر , وآلة النار والحديد , وكلما اراد ثائر الانتفاض ابرق الغرب ( الديمقراطي ) للحاكم الاستبدادي محذرا , فاُطيح برأس ذلك المنتفض المسكين , عبر معلومات استخبارية ( ديمقراطية متحضرة ) , ويدٍ عربية ( باسلة قومية او اميرية ) ! .

وقد ثارت الشعوب , اخيرا , رغبة في النجاة وتخلصا من الفاسدين من ( ولاة الامر ) . وقد تجاوزت هذه الشعوب كل ( فتاوى ) الطاعة والخنوع لولي الامر , حتى وان سلب المال وضرب العيال .

لكن الايام ( حبلى ) كما يقولون , وقد كشفت ان الامر ليس بهذه البساطة , وان الغرب لم يصبح ( نبياً ) فجأة , وبين ليلة وضحاها , ليقدم المساعدة للديمقراطية العربية الوليدة , وهو من ( وأدها ) بالامس . نعم , ان الشعوب العربية حانقة على الوضع المزري الذي تعيشه , ومستاءة من فجور ( امراء المؤمنين ) العسكر والشيوخ , وقد انتفضت محقة , وقدمت كل ما تستطيع من تضحيات , لكنها غفلت عن وجود الايادي الخفية المحركة للجماهير , والموجهة لسير الرغبات , وقد تبين ان طريق هذه الثورات سالك باتجاه خطط تغييرية كبرى , رسم لها الغرب خريطة مضطربة , ومستقبلا مرتبكا , ودليلنا على كل هذا – ظاهرا – هو الانتقائية الغربية والعربية – الرسمية – للثورات المدعومة , ففي حين دخل الغرب بكل قواه لمساعدة ( ثورة المؤمنين ) في ليبيا , وعمل ضاغطا لمساعدة المعتصمين في مصر , وأيّد المحتجين في تونس – بعد اسقاط بن علي – , رأيناه هو ذاته – الغرب بخليجه العربي – حبل نجاة الطاغية ( علي عبد الله صالح ) , وهو ايضا من اصرّ على وأد الديمقراطية ( الشعبية ) في اليمن , رغم مجاميع الشهداء والجرحى التي قدمتها الثورة اليمنية , اما موقف الغرب وحكام العرب التابعين له من الثورة البحرينية فهو ( القتل مع سبق الاصرار والترصد ) !.

لتظهر لنا الاحداث في سوريا وجه الحقيقة , ومَعْلَم المراد , حيث الغاية هي اسقاط ما يمكن اسقاطه من بقايا جدران الممانعة , ابتداءا , ومن ثم تنفيذ الخطة التغييرية الكبرى ( الامريكية – الخليجية – السلفية ) , والتي لها مبحث آخر , واستدلالات ثانية .

وهنا , انا لا ازعم ان النظام في سوريا ديمقراطي , كلا , ولكن ما يثير تساؤلي هي الجهات التي تطالب بالديمقراطية في هذا البلد , وهي الرمز الاكبر والاجلى لكل ظواهر الاستبداد والعمالة , فعند الحساب الرياضي على سلم الشرف السياسي , يكون النظام السوري هو الاعلى نقاط بكثير من مجموع انظمة الخليج .

محور المقال ليس ما قلناه اعلاه , بل هو ما حدث بعد كل هذه الانتفاضات ( الديمقراطية ) العربية , من اضطرابات وقلاقل , ومن اعتداءات داخلية , او انتهاكات لحقوق الناس , على يد بلطجية ( ذوي لحى ) , وفي جميع بلدان الربيع العربي .

ان الخطة الغربية ( للديمقراطية العربية المرسومة ) تقتضي احداث الفوضى والاضطراب بعد كل تحرك سياسي شعبي , والاهداف من ذلك بعضها نعلمه وبعضها نجهله حتى الآن , ففي مصر وقعت مجازر كثيرة بعد سقوط مبارك , كان للعسكر احيانا دور فيها , واحيانا كانت بتحريك ( على فهم السلف ) , وفي تونس لا زال ( رجالات السلف ) يطالبون ويتحركون بما يخالف التوجه الشعبي العام , اما في ليبيا فكان اكبر هم رجال ( السلف ) – الذين انتصروا بمعونة ( الاصدقاء ) – هو التوجه لهدم ( اضرحة الصالحين ) من ( رجال الدين المتوفين غير الديمقراطيين ) ! , وفي اليمن , بينما يتحرك الشعب اليمني بكل اطيافه لاسقاط النظام الفاسد , رأينا ( السلفيين ) يشنون الحروب على المسلمين شمالا , ويحتلون المدن جنوبا , دون ان يكون لهم حضور بين ابناء اليمن المنتفضين , الّا اللهم ما كان من دورهم في دعم مبادرة ( طوق النجاة الخليجية الامريكية ) لنظام صالح ! , ودورهم الأبشع هو في البحرين حيثوا حملوا السيوف والحراب لقمع الاحتجاجات السلمية المطالبة بالتغيير الديمقراطي , بدعوى انها خارجة على ( ولي الامر ) , وفي الصومال رأيناهم سابقا يذبحون كل من يشارك في بناء بلده , رغم ان الحكومة الجديدة هي وليدة ( المجتمع الديني الصومالي ) , وهم مصرون الى هذه الساعة على عدم استقرار الوضع في هذا البلد باسم ( حركة الشباب ) , اما في فلسطين فلم يذكر لهم التأريخ دورا جهاديا , الا مساهمتهم في تأجيج الفتن الداخلية , وكأنما هم متأثرون بفتوى ( ابن باز ) بوجوب خروج الفلسطينيين من ارضهم ! , وفي موريتانيا لانجد لهم فكرا سياسيا محددا يمكن ان يفهمه منهم المثقف , فضلاً عن الشعب , الا ما كان من خلط الامور الدينية العقدية على البسطاء من العامة , اما دور ( الجماعات السلفية ) في الجزائر فهو الطامة الكبرى والمأساة العظمى , فبعد ان جاءت الديمقراطية النسبية في جزائر التسعينات بالاحزاب الاسلامية المعتدلة , ذات الآيدلوجيا الوسطية , صار ان انقلب العسكر – المدعوم غربيا – على ( الديمقراطية غير المتحضرة ) , والغى نتائجها التي لم ترضِ الدوائر ( الانسانية ) الاوربية والامريكية , لكنه – ومن يدعمه – لم يجد ما يعتذر به عن هذا الانقلاب , والانكى ان العسكر لم يستطيعوا ان يجدوا ( سببا ديمقراطيا ) لضرب واعتقال ( الاسلاميين ) المعترضين على هذا الانقلاب الاسود , فتصدت ( السلفية الجهادية ) لتمثيل دور الوسيط المانح لشرعية القتل , بل المساعد عليه , فهي وفرت غطاءا للعسكر يسمح بضرب الاسلاميين عبر اثارتها الرعب والاضطراب بين الآمنين , وكذلك قامت وبكل وحشية بذبح عوائل الاسلاميين بحجج واتهامات واهية وبائسة .

اما ما قامت به السلفية في العراق وافغانستان وباكستان , من قتل وتهجير وتفجير وسبي للنساء , بداعي تكفير كل من يشهد الشهادتين ولم يؤمن بما جاءت به صحراء نجد من الغلظة على يد الاعراب تحت العلم البريطاني وبقيادة ( لورنس ) و ( فليبي ) واقرانهم , فهي احداث اشهر من ان تذكر , واقسى من ان تستعرض , ولله في خلقه شؤون ! .

ان الاخطبوط السلفي القائم الممتد من فكر اعراب نجد , والمتغذي على ( البترودولار ) السعودي , هو لاشك يسير ضمن المخطط العام للدوائر الغربية , وهذا ما تؤكده الدلائل والاحداث المتعاقبة .

فنحن لا نجد تفسيرا , يجمع بين الفقه السلفي القاضي بلزوم الطاعة والدخول في الجماعة وحرمة الخروج على ( ولي الامر ) , وان كان فاسقا , شاربا للخمر , ظالما للرعية , متجاوزا لحدود الله , وبين هذه الانتفاضة المفاجئة لتأييد بعض الثورات العربية , كما جرى في مصر , او الدخول في نصرة الحركات المسلحة المنشقة , مباشرة , كما هو الحال في سوريا .

خصوصا ان هذه المؤسسات السلفية الدينية تعيش تحت سلطة اشد الظواهر الاستبدادية في المنطقة , وفي كنف اشهر الانظمة الشمولية الملكية في المنطقة الاسلامية والعربية , سيما الخليج ! .

واذا اضفنا لذلك فتح الاراضي السعودية – مصدر الفكر السلفي – او الخليجية امام اغلب الحكام الطغاة الذين اسقطتهم الثورات العربية , سوف نزداد حيرة وتساؤلا !؟ .

ان النشاط السلفي – الاعلامي او المسلح او السياسي – الذي اعقب او زامن التحركات الثورية الشعبية العربية يثير فينا تساؤلات كبرى , حول كنه هذا التحرك ومقاصده , والى اين يتجه , والى ما يرمي , وهل هو في طول تحرك الماكنة التغييرية الغربية عن عمد وقصد , ام هي محضة صدفة اتفاق المصالح واشتراكها ؟ . ولكني بالطبع – وبناءا على الدلائل الكثيرة – اميل الى القصد والعمد , خصوصا بعد ما صرّح به بعض السلفيين في مصر من ( امكانية التفاوض مع اسرائيل ) , وهو بطبيعة الحال ما يتفق مع المسار العام والخاص للسياسة الخليجية , في التعاون مع اسرائيل . يقابله معاداة جميع الاطراف السلفية لكل فصائل المقاومة , بدعوى الخلاف المذهبي , وهو موقف التزمته الحكومة السعودية – السلفية – بشكل علني وواضح .

بعد كل هذا اجد من الضروري للدوائر الاسلامية المعتدلة , والحاملة للهم الاسلامي الاكبر , ان تحدد موقفها بشكل واضح من هذه الجماعات , وان تستبق الاحداث قبل تضخم الورم . كما يجب تنبيه القواعد الشعبية للسلفية , وهي في الغالب قواعد بسيطة فكريا , جُل همها تمثيل الاسلام كما اراده النبي صلى الله عليه وآله , لكنها تورطت في حبائل من لا يخاف الله , فجرها الى شفا جرف هارٍ , اذا ما غضضنا النظر عن الجماعات التي انتمت الى السلفية بتأثير ( رائحة النفط السعودي ) , كما هو حال اغلب القيادات السلفية .