الرئيسية » مقالات » ملاحظات حول الرسوب والتسرب في {الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق}

ملاحظات حول الرسوب والتسرب في {الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق}

كنت قد ناقشت في الجزء الأول من هذه الملاحظات جانباً من جوانب الإستراتيجية التي تخص بعض جوانب الخلل في النظام التربوي العراقي، وسأكتفي في هذه الورقة – التي هي بمثابة الامتداد لسابقتها – بمناقشة موضوع الرسوب والتسرب (الهدر) في المدارس والجامعات، وهو الموضوع الذي دعوت إلى معرفة درجاته وتشخيص أسبابه، وبالتالي وضع أهداف لدرئه وإنقاص معدلاته. وهنا يكمن بيت القصيد، فالإستراتيجية تضع أهداف واضحة لتخفيض نسب الرسوب والتسرب إلى مستويات مستهدفة تتراوح ما بين 1% – 5% في المراحل الدراسية كافة، وبضمنها المرحلة الجامعية والدراسات العليا.

ما أثار حيرتي هو عدد من العمليات والإجراءات التي تقترحها الإستراتيجية لتخفيض المستويات إلى معدلات تقارب ما هو موجود في الدول المتطورة، وهي عمليات وإجراءات لا تتناسب مع الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتسرب، والتي تختلف باختلاف المجتمعات، ولا يمكن حسابها إلا بمعرفة النسبة المستهدفة والمخرجات التعليمية. ويتجلى التسرب “في انقطاع التلاميذ ومغادرتهم المدرسة قبل إتمام مرحلة معينة من الدراسة ودون حصولهم على الحد الأدنى من التعليم الذي يسمح لهم بالتأهيل والاندماج في الوسط الاجتماعي وبذلك يصبحون عبئا على المجتمع” (محمد حطاش).

ويتسع مجال هذا المفهوم إلى عدد كبير من الظواهر التربوية السلبية ومنها: الانقطاع عن الدراسة، وعدم الالتحاق بها، والرسوب والتكرار، والفصل من المدرسة، وتغيبات المدرسين وتركهم العمل، وعدم إتمام المناهج المقررة. ولذلك فأن التسرب المدرسي يعتبر من أكثر الظواهر خطورة على الاستثمار التربوي من حيث انه يؤدي إلى إضعاف مردودية النظام التعليمي. وعند البحث عن أسبابه وجدت عشرات منها ما هو ذاتي أو شخصي، ومنها ما هو اقتصادي واجتماعي، ومنها ما هو مدرسي. وللتعرف على هذه الأسباب دعنا نقتبس من دراسة مغربية للأستاذ احمد، بعنوان (الهدر المدرسي)، يشير الكاتب فيها إلى عدد من أسباب الهدر غير المدرسية، كضعف الدخل المادي للأسرة، وتشغيل الأطفال، والوضع الصحي للطفل، والمشاكل العائلية، وأمية الآباء، وردود الفعل السلبي للآباء تجاه المدرسة، وبعد المدارس عن المنازل، والزواج المبكر عند البنات. أما الأسباب الذاتية فيعزيها الكاتب الى إهتراء البنية التحتية للمدارس، وعدم مواضبة المدرسين، وكثرة التغيبات، وصعوبة التحصيل وما ينتج عنه من فشل في الدراسة، وسوء العلاقة بين المدرس والتلميذ.

لنعود ونأخذ مثالا من العراق ومن مصادر مديرية تربية محافظة ذي قار حيث بلغت نسبة التسرب في عام 2008، نحو 69% (د. عمر صالح). يشير الباحث إلى أهمية نتائج التسرب في هذه المحافظة لأنه يعتبرها من المحافظات المستقرة امنيا وهو شرط لازم لاستمرار العملية التربوية وانتظام الدوام، لذا يتساءل عن حال المحافظات الأخرى الأقل استقراراً، وهل أن أسباب التسرب يكمن فقط في “التفكك الأسري” كما يردده على مسامعه ذوي الاختصاص. ويعود د. عمر ليسرد أسباب التسرب المدرسي في العراق فيذكر من الأسباب، تصدع وانهيار التركيبة الاجتماعية والقيمية، وتدهور المكانة الاجتماعية للتعليم عند العائلة، وتدهور الأوضاع الصحية، وانتشار الأمراض، وانشغال الأسرة بتغطية متطلبات الحياة الاقتصادية، وضعف الغطاء الاقتصادي المتمثل بالدعم المالي، وضعف مخصصات قطاع التربية والتعليم، وعدم ارتباط المناهج بحاجات المجتمع، وعدم احترام شخصية التلميذ، والرسوب المتكرر، وانعدام أو ضعف العمل المشترك بين المدرسة وعائلة التلميذ، وبعد المدارس عن السكن، وقصر اليوم المدرسي. ومن الأسباب السياسية يذكر الباحث أسبابا مثل عدم الاستقرار السياسي، وانتشار ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي كإحدى القيم الأخلاقية التربوية الضاغطة على النسيج الاجتماعي، وتعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وحروبه الكارثية، وما تلتها من سياسات عشوائية بعد الاحتلال، وازدياد حدة الإرهاب وتأثيراتها بزرع الخوف عند التلاميذ مما أدى إلى عزوفهم عن الدوام.

هذا ويضع الباحث د. عمر صالح في دراسته المنشورة على الانترنت علاجات لظاهرة التسرب يستند فيها إلى نظام كامل من الإجراءات لا أريد سردها هنا لأنها عديدة ومتنوعة، إلا إني أجد من الضروري مقارنتها بما اقترحته الإستراتيجية من عمليات لكي يتم تخفيض نسب الرسوب والتسرب الى معدلات تتراوح ما بين 1% – 5% من المعدلات العالية كمعدلات محافظة ذي قار التي أشار إليها الباحث د. عمر صالح، والى ما أشار إليه المسح المدرسي الذي نفذته وزارة التربية عام 2004 بدعم من اليونيسيف والذي اظهر أن حوالي 24% من الأطفال يتسرب من المدارس قبل إتمام المدرسة الابتدائية الإلزامية (د. عبد الأحد متى دنحا). ويشير د. عبد الأحد أيضا إلى وجود إحصائيات حديثة نسبيا تشير إلى أن نسبة عدد التلاميذ الذين يلتحقون بالمرحلة الأولى ويصلون إلى الصف الخامس قد ارتفعت عام 2006 لتصل 90%، مع العلم أن وزارة التربية كانت قد أعلنت في عام 2010 أن معدل التسرب المدرسي بلغ 6% في عموم مدارس البلاد. أنا لا اعرف كيف يتم حساب هذه المعدلات ولكن التناقض بينها واضح مما يدل على أن بعض الحسابات لا تتضمن نسبة الأميين من الذين لم يدخلوا أبدا المدرسة ولم تحدد هذه المعدلات اعمار التاركين للدراسة وعدد سنوات دراستهم لغرض تحديد درجة تعلمهم ومعارفهم.

كما اني لا افهم كيف سيتم تخفيض نسبة الرسوب في المدارس الابتدائية الى 3% والتسرب إلى 1% عبر أساليب لا تعالج المشاكل الحقيقية بالاستناد إلى ما تم تشخيصه في هذه المجالات من قبل التربويين. فهل من المعقول إهمال العوامل الاجتماعية والسياسية التي ذكرت اعلاه وتأكيد أهمية “تطوير المناهج وبناء وتطوير قدرات العاملين في وزارتي التربية والتعليم العالي واعتماد المعايير العالمية في نسبة عدد التلاميذ لكل معلم”؟ وهل “التوسع في برنامج التعليم للكبار وإطلاق برنامج لمحو الأمية والتوسع في فتح المدارس في المناطق الريفية والنائية” سيؤدي إلى وقف التسرب والحد من معدلات الرسوب. أنا لا اعتقد أن هذه الأهداف العامة والطموحة لها علاقة كبيرة بنسب الرسوب والتسرب، وكان من الممكن وضعها في محاور اخرى ذات علاقة لكي لا تضيع اهميتها، ولكي تكون الخيارات الستراتيجية ذات مصداقية ووسيلة فعالة لتحقيق الاهداف. ومن دون بحث شامل لمشكلة التسرب والرسوب، وتحديد جذورها لا يمكن وضع حلول صائبة لها.

ومع هذا فاني أجد نفسي ملزما لوضع بعض المقترحات العامة (واعترف بأنها مقترحات غير مدروسة)، منها إلغاء الامتحانات السنوية في المرحلة الابتدائية، وهذا الأسلوب سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء حالات الرسوب كما هو معمول به في عدد كبير من الدول المتطورة لاسباب تربوية عديدة لا مجال للخوض فيها هنا. واقترح أيضا أن تفرض عقوبات على الآباء عند عدم الالتزام بتنفيذ شروط التعليم الإلزامي، وتوفير الحوافز المادية للطلبة الفقراء، ومنع تشغيل الأطفال منعا باتا، وتدريب وتأهيل المدرسين على ضوء التطورات التربوية والنفسية المعاصرة، وتوفير المرشدين الاجتماعيين في كل مدرسة، وتبديل المناهج بما يضمن بناء مهارات إبداعية ولغوية وفنية وإنتاجية، وبقابليات القدرة على اتخاذ القرارات والاعتماد على النفس لكي لا يكون الطالب عند تركه مقاعد الدراسة عبئاً على عائلته وعلى المجتمع، وزيادة عدد رياض الأطفال خصوصا في المناطق الفقيرة، والاهتمام بالمرافق والخدمات التعليمية والنشاطات اللاصفية كالسفرات السياحية والزيارات للمراكز العلمية والفنية والمتاحف، ومعالجة مشكلة قمع الأطفال من قبل أقرانهم (bullying) وإيجاد حلول لها، وتشكيل مجالس الآباء لكل المدارس الابتدائية والثانوية ومنحها صلاحيات إشرافية وتوجيهية. كما يجب على الستراتيجية وضع خيار استراتيجي يتضمن منع ضرب أو إهانة الطلاب من قبل المدرسين وهو العمل الذي يوصف بأنه من اخطر اسباب التسرب، ويربي في الطفل نزعات العنف والانتقام وبأنه ظاهرة غير حضارية وعمل شائن يمارس علنا في المدارس العراقية رغم ان وزارة التربية تمنعه، لذا وجب معاقبة مدراء المدارس والمدرسين الذين لا يلتزمون بهذا المبدأ الأخلاقي ومتابعتهم قانونيا وقضائيا والتأكيد على اهمية احترام الطفل وحماية حقوقه الإنسانية.

أما بالنسبة لتخفيض الرسوب في التعليم العالي إلى نسبة 5% والتسرب إلى 1% فهذا الهدف يبدو لي مجرد طموح، ولا اعرف كيف للخيارات الإستراتيجية التي ذكرت في هذا الحقل ستؤدي إلى تحقيق الهدف. مشكلة الرسوب والتسرب في التعليم الجامعي موجودة في كل بلدان العالم، إلا إن أسبابها تختلف بطبيعة الأنظمة التربوية، وهي بصورة عامة تعود إلى انعدام الرغبة عند الطالب وضعف تمتعه بالقدرات اللازمة وقبول الطلبة في اختصاصات لا يرغبون فيها أو غير مجدية لسوق العمل وضعف المحفزات داخل المؤسسة الجامعية وضعف ارتباط المناهج بواقع السوق. ولكي يتم تخفيض معدلات الرسوب والتسرب لابد للإستراتيجية من اقتراح خيارات لها علاقة بالأسباب بعد تشخيصها. إلا إننا إذا اعتمدنا على التجارب العالمية ونأخذ واقع التعليم الجامعي في العراق بالاعتبار فيمكن اقتراح عدة علاجات لهذه المشكلة منها اشتراط مستوى معين من المهارات والقابليات والقدرات لكل اختصاص، وعدم فرض اختصاص لا يرغب به الطالب، وهذا يتطلب إعادة النظر في أساليب القبول في الجامعات العراقية، وتحديد الاختصاصات وعدد الطلاب في كل اختصاص على ضوء حاجة السوق والمجتمع ورغبة الطلبة، وتحسين البيئة الاجتماعية والترفيهية للجامعة، وتعيين مشرفين اجتماعيين لكل طالب منذ السنة الأولى لمعالجة مشكلات الطالب الخاصة. كما لابد للجامعة من تحسين مستويات التعليم والتعلم وتطوير نظم التقييم والامتحانات لتحقيق مخرجات التعلم المستهدفة للبرامج الأكاديمية بما يتوافق مع المعايير الأكاديمية للجودة، وإتباع آليات متطورة لضمان دقة وشفافية التقييم والامتحانات، وتبني نظم تقييم تستند على رسالة المؤسسة التعليمية وقدرات الطلاب الحقيقية.

من المهم أن تضع الإستراتيجية أهدافا قصوى وواضحة للإصلاح التربوي، وألا نتخوف من فشلها، فالأساس في نجاح الإستراتيجية هو تنفيذ سياسات صائبة تعتمد على وضوح الأداء، وبما يتفق مع أهداف الإستراتيجية، وعلى توفر الإمكانات المالية، وعلى تفهم المدرسين والعاملين في القطاع التربوي والتعليمي لأهداف الستراتيجية واستيعابهم لها، هذا علما بأن 19% فقط من الإستراتيجيات تحقق أهدافها بالكامل!

1/3/2012