الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : عن قلة الأدب (1)

سلاما ياعراق : عن قلة الأدب (1)

لي صاحب أقصده عند الشدة. وشدتي التي تلجئني اليه من نوع يعبر عنه الانكليز بقولهم: Losing interest in everything. اي فقدان الاهتمام بكل شيء. بالمختصر المفيد اقصده حين اكون في حال مثل حال المطربة وحيدة خليل “لا مـغنى اليسليني ولا كاس”. وهكذا كنت قبل ليلتين فأمسيت عنده.

انه الوحيد من بين قليل من الأصدقاء يرغمني على الاستمتاع بحديثه. يحمل في ذاكرته موسوعة أمثال وحكم وحكايات وسيل من أبيات الأبوذية يجيد غناءها خاصة على طور الصبي. لا يعاتبني ان انقطعت عنه طويلا. ولا يعيّرني لأني اقصده عند “الشدة” فقط. طينة عراقية نادرة هذا الرجل.
بعد ان وزع على المائدة الصغيرة (الطبلة) كل ما يفتح النفس من صحون وكؤوس، غنى مباشرة بيتا من الابوذية كنت قد كتبته انا وأودعته في دفتره قبل عام تقريبا:

عندي جفوف عيب تلين يعراك
وجبح وجها اليبيع وعيب يعراك
شوكت يصحه الزمان ونرد يعراك
ومثل ما حرت بيك تحير بيه

هذه المرة غنى بطور “الشطيت” وليس الصبي. و “الشطيت” لمن لا يعرفه، هو الطور الذي غنى به خضير مفطورة ومن بعده حسين نعمة “يلوم المادره بعلتي شمرها”. ورغم اني اعرف صاحبي من سنوات لكن فاتني ان اسأله عن سر عدم عودته للعراق الذي خرج منه بعد سقوط صدام. سألته: شعجب تركت العراق وترفض العودة اليه رغم انك من معارضي صدام الذي اعدم ولدك؟ رد بأسلوبه “الحسجوي”: خليها سكته. لا شو ما اخليها. الححت، فتحسر ثم قال:
أنا يا صاحبي كما تعلم بقيت بالعراق وتحملت ما تحملت في ايام صدام، لحد ان طالبا في ما يسمى بالاتحاد الوطني اهانني، رغم اني أستاذه، مستغلا ان ابني معدوم. تحملت وبقيت في بلدي لأن “قلة الأدب” صارت ظاهرة في الشوارع والمدارس والجامعات. كنت لا ألوم احدا غير صدام عنها. ويوم سقط وقدم للمحكمة كنت اتوقع ان يحاكم على جريمة إفراغ العراق من الأخلاق. وعندما حوكم، فقط، على الجريمة التي ارتكبها بحق اهل الدجيل ولم يحاكم على ما سببه من خراب أخلاقي، يئست. صاحبي يقر بان ما حدث بالدجيل جريمة ترقى الى مستوى جرائم بحق الإنسانية لكنه اقسم بان جرائم صدام الأخلاقية كانت أشد.
استعرض لي أمورا كنت اعرف بعضها وبعضا لا اعرفه. ومنها كيف ان صدام جعل الأب يقتل ابنه والأخ يطلق الرصاص على اخيه بحجة انتمائه لحزب مضاد للبعث والثورة. ثم روى لي قصة جرت في احد قواطع الجيش الشعبي التي تم تكوينها من اساتذة الجامعات لسوقهم للحرب مع ايران. خلاصة ما رواه هو انه بعد تجمع الأساتذة، وهو منهم، نادى آمر القاطع على الذين يجدون أنفسهم مرضى او لديهم اي عذر يمنعهم من “شرف” المشاركة بالقتال ان يتقدموا. تقدم أستاذ بالخمسين من عمره وبيده تقارير طبية تثبت انه اجرى عملية خطيرة بالقلب. لم يقلب الآمر الاوراق بل رد عليه: متسحتي على طولك وشيباتك ووجهك هذا الاحمر الينكط دم. ثم التفت الى جمع من المدرسات الرفيقات اللواتي جيء بهن لتشجيع المقاتلين، وقال: رفيقات يالله عفطن له!
ارتفعت عفطات الرفيقات، فخر الأستاذ مغشيا عليه.