الرئيسية » مقالات » طباع شرِهة

طباع شرِهة






من بين اشياء كثيرة سيئة صارت لنا هي ثقافة التشبّه بالبزازين، او اتقان عادة البزازين في الاستحواذ، والمواء، والمطاردة والتواري عن الانظار والشراهة، وفتل الشوارب، ثم، هناك من اصحابها من يقول لك: لماذا نجلد انفسنا الى هذا الحد؟ ولماذا نحتج ونولول على الفساد والفاسدين؟ فان ثمة قطط سمان لدى كل دول الجوار، وفي جميع دول جامعة الدول العربية واعضاء المؤتمر الاسلامي والاتحاد الاوربي والاسرة الافريقية وجمهوريات الموز.

والبعض من تلك البزازين، اقصد المتشبهين بها، يظهر على واجهات التلفزيون، يناقش، ويفحم غيره، ويدعو الى الاحسان والفضيلة والتبرع بالدم وتكوين فرق طوارئ، ويقدم لك جرعات من الامل والتفاؤل عن المستقبل، ووجبات من الحِكم والنصائح بوجوب الصبر، لكن اياك ان تستفزّه بالسؤال: ومن اين لك هذا، فانه سيقلب عليك طاولة النقاش، ويختزلك من متهِم الى متهَم ، ولا ينبغي ان ترفع صوتك، فانه سيزمجر وسيصبح كلامه دويا، وحججه نِبالا.

مكان هذه البزازين.. في الحكومة وخارجها. في الاعلام ومنظمات الاحسان، ومحافل العبادة. يلبسون البدلات الاوربية اوالعمائم اوالشراويل اوالعُقل. يعرفون جميع اللغات، واللهجات، والعادات. لديهم “اصدقاء” متفانين في الوزارات والسفارات والبنوك وشرطة الحدود والكمارك. سخاؤهم لا شك فيه، ونعومتهم لا يختلف عليها اثنان. لا تجرب التعرف الى طيبتهم ومشاعرهم الرقيقة، فهم يبكون بدمع ساخن لاتفه قصة عن مقتل عصفور على يد صياد متدرب، او عن اب لخمسة اولاد فقدَ اجره اليومي في عملية نصب.

سيرة البزازين الشرهة، لا تخلو من طبائع وسلوك لافتة بحيث تـَماثـَلَ معها بشرٌ من بيننا، إذ اكتشف الحكماء ذلك التماثل فذهب لديهم مثَلا، فان مخلب “االبزون” المستور المعروف بالخرمشة والفتك، أهّل هذا الفصيل من الحيوانات ان يكون من عائلة الذئاب المتوحشة، على الرغم من انه يُحسـِن المؤانسة والمداهنة والاندساس في الفراش واشاعة الاطمئنان، ويشار اليه احيانا باعتباره “حرامي البيت” بالمقارنة مع وفاء الكلب، وقد تجد في بعض سلوكياته نزعة مرعبة، حيث يأكل احيانا اولاده الصغار خشية وقوعهم بيد الغير، وفي معابد القدماء وخرافاتهم ثمة الكثير من التعويذات والتمائم باسم البزازين نظير شر او حقد، ووجد الاثاريون المصريون الهة “بس” بين الفراعنة، وجاء في كتاب عن سايكولوجية القطط الفه عالم بيطري فرنسي اسمه جول دوهين شرح مستفيض عن بداهة الغدر لدى هذا الحيوان وشغلت مقارنته بالكلب (الوفي) صفحات كثيرة.

ثمة في ذاكرة بغداديي القرن الماضي رواية عن “بزونة حسين الطعمة” التي كانت تمعن في استغفال الرجل فتأكل طيوره واحدا بعد الاخر حتى كمن لها وقبض عليها واجلسها بالقوة على سيخ مشويّ فنطّت من بين يديه وهربت من دون رجعة..

فمن الذي يكرر تجربة حسين الطعمة بواحدة من بزازيننا الشرهة؟.

*

“خلقت الأحلام كي لا تتحقق”.

احلام مستغانمي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد