الرئيسية » مقالات » هل تعيد أمريكا السيناريو الأفغاني في سوريا؟

هل تعيد أمريكا السيناريو الأفغاني في سوريا؟

هل الأمريكان حقاً أغبياء؟
كثير من الناس، وبالأخص في العالم العربي، يصوِّرون الأشياء حسب ما يرغبون ويتمنون. فخصوم أمريكا يصفون الساسة الأمريكان بالغباء، وقد نال الرئيس بوش (الابن) النصيب الأوفر من هذا الوصف، ويستشهدون بأقوال من كتاب أمريكيين، ولقطات هزلية من ممثلين كوميديين، خاصة وأن من عادة الغربيين أنهم يتخذون من قادتهم السياسيين موضوعاً للتندر والفكاهة، ولا يرون في ذلك أي حرج أو الحط منهم، حتى أن الرئيس بوش نفسه شارك في عدد من هذه المناسبات مع ممثل كوميدي يشبهه، أو هكذا تفننوا في المكياج فجعلوه يشبهه تماماً،، ويجيد فن تقمص الشخصيات (Impersonation) إلى حد كان يصعب على المشاهد التمييز بينه وبين بوش الحقيقي. وهذا تقليد قديم في الغرب لا يقصد منه الإهانة إلى السياسيين، ولكنه جزء من الديمقراطية وحرية التعبير، ومن أجل الترفيه ليس غير. ولكن عندنا في الشرق نأخذ الأمور بمنتهى الجدية، وبسبب عقدة الكرامة، نعتبر هكذا سلوك فيه إهانة للسياسيين.

وفيما يتعلق بصنع القرار السياسي، فصحيح أن الرئيس في نهاية المطاف هو وحده يتحمل مسؤولية القرارات السياسية الكبرى التي يتبناها، ولكن يجب أن نعرف أن أمريكا، كأية دولة ديمقراطية، هي دولة مؤسسات، لا يؤخذ القرار السياسي فيها إلا بعد دراسات علمية، ولن يتبناه الرئيس إلا بعد مروره بلجان من المستشارين من أصحاب الخبرة. وأمريكا هي بلد المنافسات الشرسة في تبوئ المناصب في جميع المجالات، وبالأخص على المناصب السياسية الرفيعة مثل رئاسة الدولة العظمى، بحيث لا يمكن لأي مرشح للرئاسة أن يفوز إلا بعد دخوله في سباقات خطابية، ومناظرات حادة مع منافسيه حول مختلف السياسات الداخلية والخارجية، تستمر لعام كامل، وإلحاق الهزيمة بخصومه، إذ كما قال توني بلير في تقييمه لبوش الابن، أن أي مرشح في الانتخابات الرئاسية في أمريكا، إن لم يكن ذكياً وذا مقدرة بمستوى المسؤولية، سينهار بالضربة القاضية في الجولة الأولى من سلسلة المناظرات الشرسة مع الخصم المنافس، ويخرج من حلبة الصراع. فكيف بمرشح استطاع التغلب على منافسيه ليس في حزبه فحسب، بل وفي الانتخابات النهائية، ولدورتين رئاسيتين؟

وعندما تفند أقوالهم حول “غباء” بوش، يلجئون عندئذ للإساءة إلى الشعب الأمريكي نفسه، فيصفونه بالجهل والغباء أيضاً لأنه انتخب هذا الرئيس أو ذاك، علماً بأن 70% من الحائزين على جوائز نوبل في العالم هم من أمريكا، ونحو 70% من الاختراعات هي من أمريكا، وأرقى الجامعات وأقوى الجيوش في العالم هي في أمريكا أيضاً، ومع ذلك فالساسة الأمريكان والشعب الأمريكي هم أغبياء في نظر الكثير من العرب!!.

ولإثبات “غباء” الساسة الأمريكان، يعددون الأخطاء التي وقعت فيها الإدارات الأمريكية في التاريخ القريب، مثل المؤامرات والانقلابات التي خططتها المخابرات الأمريكية ضد حكومات وطنية في العالم الثالث في مرحلة الحرب الباردة مع المعسكر الاشتراكي، والفظائع التي ارتكبتها الحكومات أمريكا في حرب فيتنام، ومضاعفات تحرير العراق، وما اعترفت به وزيرة الخارجية السابقة، كونداليزا رايس أن الإدارة الأمريكية ارتكبت في العراق أخطاءً كثيرة…الخ

نسي هؤلاء السادة أن أمريكا تتبنى الفلسفة البراغماتية، (الواقعية)، فتعمل وفق سياسة تراها صحيحة في ظروف معينة، وإثناء التطبيق تحصل أخطاء لا بد منها، فيعيدون تقييم سياساتهم هذه، ويصححون الأخطاء. وهذا هو منطق التاريخ في كل مكان وزمان، فالذي لا يخطأ يعني أنه لم يعمل ولم يتعلم شيئاً جديداً في حياته، فمن يعمل، وخاصة في عملية معقدة كالإطاحة بنظام فاشي قمعي شرس مثل حكم البعث الصدامي، وتعقيدات الوضع العراقي، لا بد وأن تحصل أخطاء وتداعيات ومضاعفات غير متوقعة. وهذا لا يعني أن الذين يديرون الإدارة الأمريكية أغبياء وجهلة. فالحضارة البشرية كلها تقدمت طوال مراحل التاريخ عن طريق التجربة والخطأ، والتاريخ كله عبارة عن نتاج ثانوي (bye-product)، إذ كما قال آدم سميث: “نتائج غير مقصودة لأفعال مقصودة”. إن الاعتراف بالخطأ فضيلة وليس بالأمر المعيب، بل العيب هو الإصرار على الخطأ كما هو الحال لدا الأنظمة الدكتاتورية العربية وغيرها في العالم الثالث، وإدعائهم بأنهم معصومون عن الخطأ.

ومن الجرائم التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين، تآمرها على، وإسقاطها حكومات وطنية تقدمية في دول العالم الثالث مثل حكومة الدكتور محمد مصدق في إيران، وحكومة سوكارنو في إندونيسيا، وحكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، قائد ثورة 14 تموز في العراق، وغيرها كثير من الكبائر التي دفعت الشعوب وأمريكا نفسها الثمن الباهظ. ولكن في نفس الوقت يجب أن نعرف أن مجال السياسة ليس الأخلاق والتمسك بقيمها، فأمريكا ليست مؤسسة خيرية، بل دولة كبرى تسعي وراء مصالحها، وإلحاق أشد الأضرار بأعدائها، وبالأخص في مرحلة الحرب الباردة.

سياسة استخدام العدو لضرب عدو آخر
يقول الشاعر الإيراني، سعدي الشيرازي: “أضرب رأس الأفعى بيد العدو”. ويبدو أن الأمريكان يتبعون هذه السياسة، ورغم وجاهتها إلا إنها ليست موفقة في جميع الحالات. وتطبيقاً لهذه السياسة في غير محلها، ارتكبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أخطاءً دفعت ثمنها فيما بعد، وهي دعمها بالمال والسلاح والإعلام، لمنظمات المجاهدين الإسلاميين، بما فيها القاعدة وطالبان، للإطاحة بالنظام الشيوعي في أفغانستان، وشن حرب العصابات على الجيش السوفيتي المحتل لذلك البلد، والتي كان من عواقبها غير المقصودة، أحداث 11 سبتمبر 2001 التي غيَّرت السياسات الأمريكية رأساً على عقب، حيث انقلب السحر على الساحر، الأمر الذي فرض على أمريكا إتباع سياسة جديدة لمحاربة دولة طالبان، ومطاردة منظمة القاعدة، وإسقاط الحكومات المستبدة، ونشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، فكان أن بدأت بإسقاط أشرس حكومتين جائرتين متخلفتين في العالم، ألا وهما حكومة طالبان في أفغانستان، والبعث الصدامي في العراق، وشن حرب على الإرهاب القاعدي. ولذلك، فلأول مرة في التاريخ يحصل تطابق وتوافق في المصالح بين الشعبين، العراقي والأمريكي، في إسقاط أبشع نظام جائر ابتلى به الشعب العراقي. ولكن المشكلة أن هناك من تشبعوا بثقافة الحقد الأيديولوجي ضد أمريكا إلى حد أنهم صاروا يفضلون بقاء حكم البعث الفاشي الجائر جاثماً على صدور أبناء الشعب ويوسع السجون والمقابر الجماعية، على تحريرهم من قبل أمريكا.

والمعروف أن أمريكا، كأية دولة غربية وديمقراطية ليبرالية، لا يمكن أن تكون متعاطفة مع الإسلام السياسي ومنظمات المجاهدين إلا في حالة توظيف هذه المنظمات لمصالحها، وذلك لضرب خصم أكثر خطورة، وفق حسابات دقيقة أعد لها مسبقاً. وعلى هذا الأساس، فأمريكا “الغبية” تنفذ بالضبط ما قاله الحكيم الفارسي: “اضرب رأس الأفعى بيد العدو”. فأمريكا استخدمت الأموال السعودية، ومشايخ الوهابية وبهائمها الإرهابيين في دعم ورفد المنظمات الإسلامية “الجهادية” بما فيها منظمتي، القاعدة وطالبان، ومدتها بالمال والسلاح، لشن حرب العصابات ضد النظام الشيوعي والاحتلال السوفيتي في أفغانستان، إلى أن ألحقت الهزيمة بالجيش السوفيتي، وأسقطت الحكم الشيوعي ليس في أفغانستان فحسب، بل ومهدت لانهيار المعسكر الاشتراكي نفسه.

الوضع السوري المعقد والسيناريو الأفغاني
ليس هناك أي ديمقراطي حقيقي يتعاطف مع البعث السوري، فهو كشقيقه البعث العراقي الصدامي، نظام عنصري فاشي قمعي لا بد وأن يرحل عاجلاً أو آجلاً. ولكن شراسة القتال، وأساليب المقاومة المسلحة، والحرب الأهلية الطاحنة غير المعلنة في سوريا، وباعتراف مسؤولين أمريكان، تشير إلى أنها تحمل بصمات القاعدة. ونحن لا نريد أن يكون البديل عن النظام البعثي الفاشي في سوريا حكم آخر على غرار حكم طالبان الفاشي الإسلامي.

والآن، ومع الأسف الشديد، يبدو أن أمريكا تعيد نفس السيناريو الأفغاني في سوريا، وبنفس المنظمات الجهادية ومنها القاعدة، وبدعم من السعودية وقطر. ودخول (القاعدة) على الخط السوري ليس من قبيل نظرية المؤامرة كما يعتقد البعض من أصحاب النوايا الحسنة، بل حقيقة اعترف بها الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكي في مقابلة مع شبكة سي أن أن ، الذي قال أنه ” من السابق لأوانه اتخاذ قرار بتسليح حركة المعارضة في سوريا لأنني أتحدى أي شخص يحدد لي حركة المعارضة في سوريا في المرحلة الحالية” وأضاف: “هناك مؤشرات على أن القاعدة مشاركة (فيما يحدث في سوريا) وأنها مهتمة بدعم المعارضة. أعنى أن هناك عددا من اللاعبين كل منهم يحاول تعزيز موقفه من القضية”.[تقرير بي بي سي، الرابط في الهامش](1)

كذلك هناك تقرير مفصل نشرته صحيفة (الصندي تلغراف) اللندنية، المعروفة بدعمها لحزب المحافظين البريطاني الحاكم، والذي كان ناقداً لرئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كامرون، ووزير الخارجية ويليم هيغ، على حماستهما في دعم ما يجري في سوريا، ويحذرهما من أن أتباع القاعدة هم وراء العنف المسلح، إذ نشرت الصحيفة تقريراً لمراسلها بيتر أوبورن، بعنوان (تحالف واشنطن ولندن مع القاعدة للإطاحة بالحكومة السورية)(2، 3). وعلى سبيل المثال، ذكر التقرير عن انفجار سيارتين مفخختين في دمشق قبل أسابيع اللذين أديا إلى قتل العشرات من العاملين في الأمن السوري، وأن المعارضة السورية ومعها الإعلام الغربي حاولوا إلقاء التهمة على الحكومة السورية، ولكن الكاتب يفند هذه التهم ويستشهد بشهادة جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، الذي أدلى أمام لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، أن التفجيرات المذكورة كانت تحمل بصمات القاعدة. وأن القاعدة في العراق دخلت سوريا. ويضيف التقرير أن القاعدة في سوريا صارت حليفة لأمريكا وبريطانيا من أجل تحقيق رغبتنا في إنهاء النظام في سوريا.

لذا، فما يجري في سوريا يشبه في معظم تفاصيله ما جرى في أفغانستان أيام الحرب ضد الحكم الشيوعي هناك، إذ نجد نفس العنف المسلح بلا هوادة، مدعوما من السعودية وقطر، وبمباركة من أمريكا وبريطانيا وبقية أعضاء الحلف الأطلسي (NATO). ولو كانت هاتان الدولتان (قطر والسعودية) ديمقراطيتين لهان علينا الأمر، أما وأنهما من ألد أعداء الديمقراطية في بلديهما إلى حد أن النظام السعودي القروسطي المتخلف يمنع المرأة حتى من قيادة السيارة، ويرغمها على لبس النقاب، وسجنها في البيت، لذلك، فكيف يمكن أن نكون متفائلين بانتفاضة أو ثورة تقودها القاعدة، وتدعمها السعودية وقطر؟ والجدير بالذكر، أن السعودية أرسلت قواتها لسحق انتفاضة الشعب البحريني لا لشيء إلا لأن غالبية الشعب البحريني من الشيعة. ونفس الدور قامت به السعودية ضد الانتفاضة العراقية عام 1991 عندما دعا الرئيس الأمريكي بوش (الأب) الشعب العراقي إلى الثورة على حكم صدام، وأن يأخذ مصيره بيده، فصدقه الشعب، ولما انتفض وسيطر الثوار على 14 محافظة من 18، خاف النظام السعودي من الانتفاضة العراقية لأسباب طائفية وعنصرية، فأقنعوا الرئيس بوش الأب بدحر الانتفاضة، وفضلوا بقاء حكم صدام ضعيفاً يضطهد الشعب العراقي على أن يكون في العراق نظام ديمقراطي، فاستجاب لهم بوش الأب، وسمح لصدام باستخدام طائراته العمودية لسحق الانتفاضة، وبرر بوش وقتها تغيير موقفه من الانتفاضة بقوله: (شيطان تعرفه أفضل من شيطان لا تعرفه)، فتم دحر الانتفاضة تحت ضغط السعودية بحجة الخوف من النفوذ الإيراني. وكانت غلطة كبيرة أرتكبها بوش الأب، ندم عليها فيما بعد إلى حد أنه ذرف الدموع في برنامج بثته محطة تلفزيون بي بي سي1، الذي كان يقدمه ديفيد فروست بعنوان(Breakfast with Frost ) قبل سنوات، إذ لولا هذا الموقف السيئ لانتصرت الانتفاضة، ولما احتاج بوش الابن أن يشن حرباً أخرى عام 2003 لإسقاط البعث الصدامي، والتي كلفت العراق وأمريكا أضعافاً مضاعفة.

من المستهدف من إسقاط النظام السوري؟
منذ الإطاحة بنظام البعث الصدامي عام 2003، راح زعماء عرب مثل الملك الأردني عبدالله، والرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، يثيرون مخاوف الشعوب العربية والغربية بما أسموه بـ(خطر الهلال الشيعي). والمعروف أن السعودية من ألد أعداء التغيير في العراق ولأسباب طائفية، وسياسية واقتصادية. لذلك فالمستهدف من إسقاط حكم البعث السوري هو ليس بشار الأسد فقط، ولا من أجل إقامة نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان في سوريا كما يدعون، بل هو عزل النظام الإيراني، وسحق حزب الله في لبنان، وتغيير الوضع في العراق، تمهيداً لشن حرب ضروس على إيران بحجة برنامجها النووي، وتغيير النظام فيها لصالح السعودية وتركيا وإسرائيل.

وكما بينا أعلاه، أنه رغم كوننا لسنا متعاطفين مع النظامين (الإيراني والسوري)، ولكننا نعتقد أن إعادة السيناريو الأفغاني في سوريا وبدعم السعودية، وبالتالي احتمال كبير إقامة نظام في سوريا على غرار حكومة طالبان في أفغانستان، تهيمن عليه القاعدة على حدود العراق، سيكون وصفة لإغراق دول المنطقة في فوضى عارمة من الحروب الأهلية والدولية ستهلك الحرث والنسل، وستعيد شعوبها إلى عصر البداوة والخيام والجمال والحمير، ومن الخطأ الكبير أن تنجر أمريكا على هذا المنزلق باستخدام القاعدة للإطاحة بنظام البعثي السوري.

دور شركات الأسلحة في حرق المنطقة
منذ سنوات والحملة الغربية تتصاعد في إثارة مخاوف الشعوب العربية وإسرائيل والغرب من البرنامج النووي الإيراني، ورغم تأكيدات إيران أن برنامجها هو لأغراض سلمية وليست عسكرية، ولكن مع ذلك فالحملة مستمرة إلى حد أننا نسمع دق طبول الحرب، إلى حد أن قال هنري كيسنغر، إن الذي لا يسمع دق طبول الحرب ضد إيران فهو أطرش، كل ذلك من أجل تصعيد سباق التسلح في دول المنطقة، وبالأخص الدول الخليجية الغنية. لا شك إن المستفيد الأكبر مما يجري من إثارة المخاوف من إيران، هو الشركات الغربية المنتجة للسلاح، وهذه الشركات لها لوبي سياسي وإعلامي نشيطين في واشنطن وغيرها من العواصم الغربية، وظيفته إثارة مخاوف الحكومات العربية وخاصة الخليجية، لدفعها لشراء المزيد من الأسلحة، وتحقيق المزيد من الأرباح لهذه الشركات. لذلك فالحملة الآن تتصاعد لتسليح المعارضة السورية. كما وهناك صفقات كبيرة جداً لبيع آخر طراز من الطائرات الأمريكية المقاتلة للسعودية ودول خليجية أخرى. فالسعودية وقطر من أغنى بلدان المنطقة، تمتلكان ترليونات من الدولارات الأمريكية، وبإمكانهما شراء، ليس ذمم إعلاميين فحسب، بل وحتى شراء حكومات ومنظمات وأحزاب. ورغم تصاعد الحملة الإعلامية في التأكيد على حرب وشيكة ضد إيران، إلا إنه ممكن أيضاً أن يكون الغرض من هذه الحملة هو ضمان بيع المزيد من الأسلحة على هذه الدول الغنية، وبذلك فما تستلمه الدول الخليجية من الغرب من مواردها النفطيه، يستعيدها الغرب لقاء بيع الأسلحة الباهظة الثمن، ولذلك فليس مستبعداً عدم المساس بإيران “النووية” بل إبقائها خراعة خضرة (scare crew) لابتزاز وتخويف الدول الخليجية، لمواصلة بيع الأسلحة على دول المنطقة باستمرار.

الاستعدادات لضرب سوريا
وفي تقرير آخر (الرابط في الهامش)، يفيد أن عدداً من قطعات القوات الأمريكية التي غادرت العراق في نهاية عام 2011، عسكرت في منطقة المفرق الحدودية بين العراق والأردن وسوريا. ويضيف التقرير أنه تم جلب أعداداً كبيرة من “المجاهدين”، وخاصة من أتباع القاعدة من ليبيا وبلدان أخرى تحت إمرة الليبي عبدالحكيم بالحاج، إضافة إلى تجمعات من المرتزقة تعد لها تركيا على الحدود الشمالية لسوريا، وكذلك هناك تجمعات على الحدود اللبنانية. وهذه التجمعات والاستعدادات على الحدود السورية من جميع الجهات تنتظر الأوامر من قيادة الحلف الأطلسي في الوقت المناسب للدخول إلى سوريا وشن حرب أهلية على الحكومة السورية وإسقاطها(4). ويفيد التقرير أن الحرب الأهلية السرية (Covert war) هي مستمرة الآن، وسيتم الإعلان عنها لاحقاً وتحويلها إلى حرب علنية (overt war) في الوقت المناسب، وحسب ما تقرره قيادة الحلف الأطلسي.

لماذا القلق من الوضع السوري؟
قد يعترض البعض ليقول لماذا أيدتم إسقاط النظام البعثي الصدامي في العراق بدعم أمريكي وترفضون الشيء نفسه في سوريا؟ الجواب كالتالي: اعتمدت أمريكا في حملتها لإسقاط حكم البعث في العراق، على قواتها وقوات التحالف الدولي، وأقامت فيه نظام ديمقراطي يشارك فيه ممثلون عن جميع مكونات الشعب العراقي، من أحزاب دينة وعلمانية ومستقلين وفق ما أفرزته صناديق الاقتراع، ولم تعتمد على القاعدة وأمثالها، فالقاعدة كانت إلى جانب حكم البعث الصدامي، ومازالت تحارب مع فلول البعث ضد النظام الجديد في العراق، بينما الذي يجري في سوريا هو تدفق أتباع القاعدة بشكل مخطط إلى سوريا والمشاركة في هذه الحرب الطاحنة غير المعلنة والتي تدعمها السعودية وقطر ودول الغرب، وعما قريب ستتحول إلى حرب علنية بشكل وآخر، على غرار ما حصل في ليبيا.

والدول الغربية تطالب روسيا بوقف بيع السلاح إلى سوريا في الوقت الذي تخطط فيه لمد المعارضة (المقاومة) بالسلاح والعتاد، وأن تقوم السعودية وقطر بدفع التكاليف والنفقات. هذا ما سمعته من أحد المعلقين على (Radio BBC World Service).

خلاصة القول، نؤكد ثانية، أننا لسنا متعاطفين مع النظام البعثي السوري، ولا الإيراني، ولكننا لا نريده أن يسقط على أيدي أتباع القاعدة، وبدعم من السعودية وقطر على طريقة إسقاط النظام الشيوعي في أفغانستان، والذي أدى إلى حكم طالبان، الأمر الذي تطلَّب تدخلاً دولياً فيما بعد بقيادة أمريكا لإسقاط ذلك الحكم الوهابي القروسطي البغيض. فهل الشعب السوري محكوم عليه كالقدر المكتوب أن تحكمه، إما دكتاتورية بعثية فاشية، أو دكتاتورية دينية وهابية فاشية بقيادة القاعدة؟
إن الوضع السوري معقد للغاية، وهناك استعدادات في الغرب لجر سوريا، ودول المنطقة، ودول الحلف الأطلسي إلى حرب أهلية ودولية لا تبقي ولا تذر لم يسلم منها حتى الذين يمهدون لها مثل السعودية و قطر، بل يكون المستفيد منها شركات الأسلحة في الغرب وإسرائيل فقط.

Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
الموقع الشخصي: http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع البحث، أدناه تقارير ومقالات مهمة اعتمدتُ عليها في كتابة هذا المقال، ولها علاقة بالوضع السوري، جديرة بالقراءة.
1- رئيس الأركان الأمريكي: القاعدة ضالعة في أحداث سوريا والتدخل صعب للغاية
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2012/02/120219_syria _
dembsyarms.shtml  
2- بيتر أوبورن صحيفة ديلي تلغراف : تحالف واشنطن ولندن مع القاعدة للإطاحة بالحكومة السورية
http://www.alnorani.com/news.php?action=view&id=4219

3- المقال ديلي تلغراف باللغة الإنكليزية
Peter Oborne: Syria’s crisis is leading us to unlikely bedfellows
http://www.telegraph.co.uk
/news/worldnews/middleeast/syria/9090324/Syrias-crisis-is-leading-us-to-unlikely-bedfellows.html