الرئيسية » مقالات » ساعة الحقيقة: بين الحكم والقتلة ينزف الشعب دمه!

ساعة الحقيقة: بين الحكم والقتلة ينزف الشعب دمه!

الشعب العراقي أمام مأساة حقيقة جارية منذ سنوات, وهي في الوقت نفسه مهزلة فعلية. فالقتلة المجرمون من قوى وجهات وأطراف ودول عديدة يواصلون قتل وجرح وتعويق بنات وأبناء الشعب من مختلف الأعمار دون رادع أو وازع من الضمير. وأغلب الشهداء من الفقراء والمعدمين والكادحين. يسعى المجرمون بكل ثمن إلى زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد بأمل الوصول إلى السلطة أو تأمينها لحلفاء لهم في المعارضة المسلحة ولأجنحتها السياسية. والنخب السياسية الطائفية الحاكمة تتبنى شعارات ” الأعمار بيد الله” و “الموت حق”, و “الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون”, و “مفاتيح الجنة معلقة في أعناق الشهداء”, و”من يقتل يخسر الدنيا الفانية” و”يكسب الآخرة الأبدية” ويتمتع بـ “ولدان وحور في الجنة”. المهم لمن ينشر مثل هذه الفتاوى من النخبة السياسية الطائفية الحاكمة هو البقاء في الحكم وعدم السماح لغيره بأخذه منها, سواء أكان فردأً أم حزبا.
نحن أمام ساعة الحقيقة, الحقيقة التي يفترض أن يعيها الشعب العراقي جيداً, ولا شك في أنه سيعيها عاجلاً أم آجلاً, وأن يتعامل معها بكل حرص على حياته ومسؤولية إزاء حياة الآخرين, إذ إن الدم النازف يومياً هو دمه وليس دم النخب السياسية الحاكمة والمتصارعة في ما بينها. فهي محمية بالقصور التي استولت عليها بعد سقوط النظام الدكتاتوري, إذ كانت تلك القصور الفخمة قبل ذاك قصوراً لصدام حسين وعائلته وحاشيته وأتباعه خونة الشعب, هذه القصور وسكانها محمية بالمنطقة الخضراء وحي القادسية وما إلى ذلك. إن قولنا هذا لا يدعو إلى أن يُمسوا بأذى او يموتوا كما يموت بنات وأبناء الشعب كل يوم, ولكن نريد الحياة لا الموت لأبناء الشعب وواجبهم هو حماية هذا الشعب لا حماية أنفسهم فقط.
حكام اليوم كحكام الأمس, يعتقدون بأنهم جاءوا إلى الحكم ليستقروا فيه إلى الأبد, “جئنا لنبقى”. إنهم يدعون تمثيل الدين الإسلامي وأنهم يعبرون عن مصالح الدين وهي من مصالح الناس, سواء أكانوا شيعة أم سنة, إنهم بهذا المعنى يعتقدون بأنهم خلفاء الله على هذه الأرض وهم يحكمون باسم الله وباسم الشريعة التي يتبنوها, وهي ليست واحدة!
وحكام اليوم, كما يبدو صارخاً, لا يشعرون بأية مسؤولية إزاء الشعب ولا بمصائر الناس, فالناس عندهم رعية عليها أن تخضع لحكم الله, وحكم الله لا يتحكم به أحد غير الله, وهم ينفذون إرادة الله على وفق المشيئة التي تجري على الأرض¸ وبالتالي فموت الناس اليومي لا يشكل عندهم مشكلة, إذ أن تاريخ الولادة والموت مكتوب على جبين الأفراد قبل أن يولدوا, والمشكلة بالنسبة لهم تكمن أولاً وأخيراً في السبل التي تساعدهم على البقاء في الحكم والخلاص من المنافسين لهم ممن يطالبون مثلهم بحكم الله الذي يدعون تمثيله أيضاً. إنها المحنة وهي الجزء الرئيسي من الأزمة البنيوية التي يعاني منها العراق حالياً.
المأساة أيها السادة تبرز في الموت اليومي للناس 60 شخصاً قتلوا في مجموعة من التفجيرات الإجرامية في بغداد ومدن أخرى وأكثر من 400 جريح ومعوق في يوم واحد (لا غير!), كما تبرز المأساة في الفقر المدقع لفئات واسعة من الشعب, في البطالة الواسعة, في غياب الخدمات الاجتماعية, في غياب التنمية الوطنية, في النهب الجاري للمال العام بأساليب وطرق شتى ومن قوى كثيرة في الحكم وحوله, المأساة في اختفاء أو “فقدان!” المليارات من الدولارات الأمريكية أموال النفط العراقي. أما الوجه الثاني من المأساة فهي المهزلة أو المسخرة أيها السادة, إنها تبرز في استمرار الحكومة القائمة واستمرار رئيس الوزراء الحالي في الحكم, وفي استمرار الصراع السياسي بين أطراف الحكم وفي ما يسمى بـ “الشراكة الوطنية”, وفي السكوت الفعلي الواسع على هذا الوضع المتردي.
نحن أمام ضحك متواصل على ذقون الناس, على ذقوننا جميعاً, يجري هذا منذ ثمانية أعوام. يجري الحديث عن العملية السياسية, وهي في الجوهر غائبة, وهي لعبة, إذ أن اللاعبين لا يعرفون غير قاعدة واحدة في العمل السياسي هي “أخذناها وما نعطيها بعد لو تطلع روحهم!”. وهو تعبير لا يمارسه طرف واحد بل يعبر عن ذهنية المتنافسين على الحكم. هذه هي ديمقراطية قوى الإسلام السياسي الطائفية, ولكنها تجسد في الوقت نفسه ذهنية القوميين الشوفينيين الذين كانوا في الحكم أو الذين يسعون إليه, وهي ذهنية القوى الشمولية كافة التي تريد فرض الفكر الواحد والرأي الواحد والحزب الواحد والسياسة الواحدة.
نحن أمام حزب ديني طائفي جديد وصل إلى الحكم بتحالف أوسع, ولكن يبذل كل الجهد لفرض الفردية باسم الحزب في حكم البلاد أولاً, ومن ثم فرض الشمولية باسم الحاكم الفرد ليضع الحزب في الظل. والغريب إن الكثيرين من هؤلاء لم يستوعبوا الدرس الثمين منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة حتى الآن, إذ إن التجربة يفترض أن تكون قد علمت الجميع بأن الفردية والشمولية في الحكم مهما طالت لا بد أن تسقط, وحين تسقط يذهب معها كل أولئك الذين عملوا لإقامتها باعتبارهم كانوا عبئاً ثقيلاً على المجتمع ومرهقاً ومدمراً في آن.
ترتكب بعض أو كافة قوى التحالف الوطني, البيت الشيعي, خطأ فادحاً حين تعتقد بأنها ستكسب ثقة الشعب بها وهي تؤيد تمادي الحكم في الفردية والاستبداد, وبعضها سيكون ضحية هذا الحكم إن واصل هذه السياسة, كما ستكون قوى أخرى ضحية مثل هذا الحكم. والطريق الوحيد أمام القوى السليمة التي ما تزال تدرك أهمية وحدة الشعب وتملك حساً وطنياً كافياً هو أن تعود إلى جادة الصواب, إلى الالتزام بروح وهوية المواطنة العراقية وليس الالتزام بالهوية الطائفية, شيعية كانت أم سنية, فالهويات الثانوية أو الهامشية قاتلة دون أدنى ريب.
إن ساعة الحقيقة تدق ناقوس الخطر منذ فترة غير قصيرة معلنة بأن الشعب يواجه تفاقماً في الفردية والاستبداد وتقلصاً مستمراً في الحريات العامة وهيمنة على مؤسسات الحكم العسكرية والمدنية, وهي ظواهر تقود في الجوهر إلى زعزعة الاستقرار في البلاد وإلى مصادرة حريات وحقوق وإرادة الشعب. فمتى ينشأ الوعي الجمعي بهذا الواقع الجديد الذي نشأ قبل وبعد خروج القوات الأمريكية؟ حين يعي الجميع هذه الحقيقة, يأمل الإنسان أن لا يكون الوقت قد تأخر كثيراً أو فات كما حصل في الكثير من المرات السابقة, فيتحمل الشعب معها عذابات كثيرة.
أتمنى على قوى التيار الديمقراطي العراقي من العرب والكُرد وباقي القوميات أن تعمل بأقصى ما يمكن لتعبئة كل القوى الشعبية في الشارع العريض الذي تلتقي فيه كل أطياف التيار الديمقراطي دون استثناء, إذ إن المهمة السلمية والديمقراطية التي تواجه المجتمع لا يمكن أن يتحملها هذا الحزب أو ذاك, بل تستوجب أن تكون مهمة كل القوى الديمقراطية التي عانت الأمرين في ظل الحكومات الفردية والدكتاتورية والأحزاب الشمولية.

24/2/2012 كاظم حبيب