الرئيسية » شؤون كوردستانية » إقليم غرب كوردستان و الإنتفاضة السورية – 6 –

إقليم غرب كوردستان و الإنتفاضة السورية – 6 –




في ظل الظروف و التطورات التأريخية التي تمر بها كوردستان و المنطقة و العالم و في ظل الفوضى السائدة و صعوبة معرفة خارطة التغييرات النهائية التي تحصل و تأثيراتها على شعب كوردستان بشكل عام و على مواطني الإقليم الغربي بشكل خاص، يحتاج الكوردستانيون الى الإستعداد الكامل لمواجهة مختلف الإحتمالات التي تقود إليها التطورات الجارية في الإقليم و سوريا و المنطقة بأسرها، بل الإستعداد للتعامل مع أسوء النتائج التي تقود إليها هذه التطورات. من هنا نستدرك أن الكوردستانيين الغربيين بحاجة الى العمل الموّحد الجاد للتمكن من إيجاد مكانة مرموقة لهم، في خضم تنافس و تصارع القوى و تشابكها التي تجري في ظل ظروف معقدة، لإثبات وجودهم و هويتهم و ليكونوا قوة مؤثرة على الساحة الكوردستانية و السورية و بذلك سيكونون قادرين على فرض شروطهم على الآخرين و إعترافهم بحق الشعب الكوردستاني بحق تقرير المصير، حيث أن القوة بمختلف عناصرها، هي وحدها التي عن طريقها يستطيع شعب كوردستان فرض إرادتها على الآخرين و تحقيق أهدافه المشروعة. لو نعود الى التأريخ القديم و الحديث، لَنرى بأن القوة، سواء كانت عسكرية، دبلوماسية، سياسية، إقتصادية، ثقافية أو غيرها، هي المنتصرة دوماً و الأقوياء في كل مكان و زمان هم السادة و الضعفاء هم التابعون و الخاضعون.

القيادة التي سيتم إختيارها لقيادة الحركة التحررية الكوردستانية في إقليم غرب كوردستان، في خضم الظروف الإقليمية و الدولية المعقدة، هي بدورها بحاجة كبيرة الى الكثير من الحكمة و الحنكة و الجرأة و الإخلاص و نكران الذات و العقلية العصرية المنفتحة لتأمين الوصول الى الأهداف المحددة، حيث تنتظرها الكثير من المهام و الأعمال الصعبة التي تحتاج الى قرارات صائبة و شجاعة.

أهم شروط الإدارة الذاتية التي ينبغي توفيرها للإقليم

1. إيجاد مرجعية سياسية جامعة: إن توحيد القوى الكوردستانية ضرورة ملحّة لتنظيم البيت الكوردستاني لوضع برنامج عمل يهدف الى تحقيق أهداف مواطني الإقليم. لو نظرنا الى الساحة الكوردستانية في الإقليم، لَنتأكد من تشتت القوى الكوردستانية في الإقليم و هامشية و ضعف قسم كبير من التنظيمات السياسية فيه، بحيث أنها عاجزة عن التأثير في الساحة الكوردستانية و السورية و الإقليمية و العالمية و في المحافل الدولية. كما أن معظم الأحزاب السياسية هي أحزاب كلاسيكية هرِمة، عاجزةً عن إستيعاب مستجدات العصر و تجهل علم السياسة المعاصر. كما أن إختلافات و خلافات الكثير من هذه الأحزاب هي شخصية و فئوية بحتة يتم تغليبها على المصلحة الوطنية لشعب كوردستان. لذلك فأن مواطني الإقليم بحاجة الى الدعوة الى مؤتمر عام تتم دعوة كافة التنظيمات السياسية و الشبابية و منظمات المجتمع المدني و الشخصيات الوطنية إليها. ينبغي أن يؤخذ بنظر الإعتبار تمثيل مختلف التنظيمات السياسية و الشبابية و الثورية و تنسيقيات الشباب و الأكاديميين والمثقفين والكُتاب والصحفيين في داخل الإقليم و خارجه و كذلك منظمات المجتمع المدني و ممثلي القوميات غير الكوردية و الديانات غير الإسلامية و المذاهب الدينية المختلفة ليحتضن المؤتمر كل شرائح المجتمع الكوردستاني في الإقليم و يكون تركيبه متوازناً من حيث التمثيل الحزبي و السياسي و القومي و الديني و الطائفي و الذي يتم من خلاله إلتحام المواطنين الكوردستانيين في الإقليم مع البعض و ترتيب البيت الكوردستاني و بذلك يكون مواطنو الإقليم مؤهلين للتفاعل و التواصل مع التطورات السورية و الإقليمية و العالمية و يكونون قادرين على تحقيق أهدافهم في الحرية و العدالة الإجتماعية بإستغلال هذه الفرصة التأريخية المتاحة أمام شعب كوردستان من خلال التطورات الكبرى المتسارعة التي تمر بها كوردستان و سوريا و دول المنطقة، بل العالم بأسره. من خلال هذا المؤتمر، يتم إنبثاق قيادة متوازنة و كفوءة لقيادة الكوردستانيين في خضم الأحداث المتسارعة و في ظل المعادلات السياسية المتشابكة الى حيث الحرية و الكرامة. أرى أنه من الضروري جداً إفساح المجال للشباب لتحمّل الجزء الأكبر من مسئولية القيادة، حيث أنهم يزخرون بالحيوية و النشاط و يحملون عقلية عصرية، قادرة على مواكبة التطورات العالمية التي تفرض نفسها و التفاعل معها، مع حصولهم على الدعم و المشورة من الجيل القديم الذي له تجارب غنية و ممارسات و خبرات طويلة خلال عملهم السياسي و الحياتي. كما أرى أنه يجب أن يتم التركيز على مواطني الداخل في تحمّل مسئولية القيادة لتواجدهم في الساحة و دورهم المؤثر في الثورة و الإنتفاضات و في صنع الأحداث. أقترح أن يتم عقد هذا المؤتمر المقترح في بلد أوروبي، ليكون بعيداً عن الضغوط الإقليمية، حيث أعتقد بأن عدم دعوة حزب الإتحاد الديمقراطي الى المؤتمر الذي نظمته رئاسة إقليم جنوب كوردستان للأحزاب الكوردستانية المنتمية الى إقليم غرب كوردستان، كان بسبب الضغوط التركية على حكومة إقليم كوردستان أو بالأحرى مراعاة الحكومة الكوردستانية للموقف التركي من مشاركة الحزب المذكور في ذلك المؤتمر.

2. وضع أهداف محددة للنضال الكوردستاني: يجب تحديد أهداف النضال الكوردستاني بكل وضوح للعالم أجمع، بدون خوف أو”مجاملات” أو شعور بالدونية. ينبغي أن ترفع القيادة الكوردستانية في الإقليم شعار “حق تقرير المصير” و تناضل من أجل تحقيقه، حيث أنه بعد سقوط نظام بشار الأسد، سيُحدد الكوردستانيون بأنفسهم كيفية ممارستهم لهذا الحق في إستفتاء شعبي حر، يتم تحت إشراف الأمم المتحدة و مراقبة المنظمات العالمية الحرة. إن المواطنين الكوردستانيين في الإقليم هم الطرف الوحيد الذي يحق لهم تحديد ممارستهم لتقرير مصيرهم، لذلك لا يحق لأية جهة، بما فيها القيادة المقترحة، أن تفرض وصايتها على الشعب و أن تنوب عنه و تغتصب إرادته و حقه في الحياة و تقرير المصير.

3. تحديد الخارطة الجغرافية للإقليم: يجب تحديد حدود الإقليم من الآن لمعرفة الجغرافية التي تتحرك فيها الثورة الكوردستانية و تقوم بعملياتها فيها و تتحمل مسئولية حماية سكانها و تقديم الخدمات لهم، أو بالأحرى لمعرفة الحدود الجغرافية لسلطات الثورة و حسم النزاع مع العرب السوريين حول جغرافية إقليم غرب كوردستان، قبل زوال النظام البعثي في سوريا. إرتكبت القيادة السياسية لإقليم جنوب كوردستان أخطاء كبيرة فيما يتعلق بتحديد جغرافية إقليم جنوب كوردستان، حيث أن أكثر من نصف مساحة الإقليم المذكور لا تزال غير تابعة رسمياً و عملياً للإقليم و الصعوبات الكبيرة التي تواجة إستعادة هذه المناطق الكوردستانية و وقوف حكومات إقليمية و دولية كعقبات كبرى أمام عودة هذه المناطق الى الإقليم. لذلك يجب أن تكون هذه الأخطاء الإستراتيجية درساً لمواطني إقليم غرب كوردستان لحسم جغرافية الإقليم دون أي تأخير. إن جغرافية الإقليم واضحة و معلومة عند الإحتكام الى التأريخ و الديموغرافية الأصلية للمنطقة، قبل عمليات التعريب و التهجير العنصرية.

4. الدستور: يحتاج سكان الإقليم الى وضع دستور دائم لإدارة الإقليم و تنظيم حياة المواطنين. منذ الآن ينبغي القيام بكتابة مواد دستور حضاري للإقليم، ليتم الإستفتاء الشعبي عليه، مباشرةً بعد زوال الحكم البعثي.أرى أن يتبنى الدستور المقترح النظام البرلماني الديمقراطي و التداول السلمي للحكم من خلال صناديق الإقتراع و فصل السلطات القضائية و التشريعية و التنفيذية عن بعضها و إستقلال القضاء و فصل الدين عن السياسة و تحقيق العدالة الإجتماعية و منع تسييس القوات المسلحة. كما أقترح أن يعطي الدستور سلطات رمزية و محدودة لرئيس الإقليم، حيث أن روح التسلط الفردي و الدكتاتورية و التمسك بكرسي الحكم، لا تزال طاغية في المجتمع الكوردستاني.

5. الإستفتاء الشعبي لممارسة حق تقرير المصير: بعد إختفاء النظام البعثي و إستقرار الأوضاع، ينبغي إجراء إستفتاء شعبي ليختار مواطنو الإقليم نوع العلاقة التي يرغبون بها ليرتبطون بها بالدولة السورية. يمكن أن تكون الخيارات كالآتي: نظام حكم مركزي في سوريا، حكم ذاتي للإقليم ضمن الدولة السورية، نظام فيدرالي للحكم في سوريا، نظام كونفيدرالي، إستقلال الإقليم.

6. الإنتخابات الرئاسية و التشريعية و البلدية: بعد سقوط نظام بشار الأسد، ينبغي أن يتم إختيار رئيس الإقليم و أعضاء البرلمان و أعضاء مجالس بلديات المدن و القصبات عن طريق إنتخابات حرة تُجرى في الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة و بمساعدة المنظمات العالمية الحرة. هذا يعني بأن كل الأحزاب و الشخصيات المؤتلفة في الهيئة القيادية في الإقليم يجب أن تؤمن بالنظام الديمقراطي و تحترم إرادة سكان الإقليم في كيفية ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم و إختيار رئيس الإقليم و ممثليهم في البرلمان و المجالس البلدية. قبول إرادة السكان من قِبل السياسيين الكوردستانيين سيكون حلاً مثالياً لخلافات الأحزاب السياسية و إدعاءاتها بتمثيل السكان في إقليم غرب كوردستان، حيث سيختار السكان من خلال ممارسات ديمقراطية رئيسهم و ممثليهم في البرلمان و حكومتهم و أعضاء المجالس البلدية، و التي من خلالها يظهر مدى الشعبية التي يتمتع بها كل حزب و تجمع سياسي و شخصية مستقلة.

7. تحريم التحالف أو التعاون مع الدول المحتلة لكوردستان: إن كافة الدول المحتلة لكوردستان لا تعترف مبدئياً بحقوق شعب كوردستان و لذلك لا يمكن الوثوق بوعود حكوماتها للكوردستانيين، حيث عندما تمر هذه الحكومات بظروف صعبة و سيئة، تلجأ عادةً الى إتباع سياسة الوعود الكاذبة و عقد إتفاقيات مزيفة مع الكوردستانيين، كتكتيك لتقوية نفسها و لإجتياز مصاعبها و بعد ذلك تعود من جديد الى سياستها العنصرية و تبدأ بإعلان الحرب على الشعب الكوردستاني. لذلك ينبغي على القوى السياسية الكوردستانية عدم تصديق الوعود المعسولة التي تتبجح بها حكومات الدول المحتلة لكوردستان، بل القيام بترتيب البيت الكوردستاني و الإعتماد على القوة الذاتية لتحقيق أهداف الشعب الكوردستاني. كمثال في هذا الصدد، لنأخذ الحكم البعثي السوري، حيث قام النظام بإقامة الحزام العربي و تعريب كوردستان و تهجير سكانها و الإستيلاء على أراضيها و ممتلكاتها و تعريب أسماء المدن و القصبات و القرى الكوردية و عدم الإعتراف بالشعب الكوردي و منع تداول اللغة الكوردية و تحريم حوالي 300 ألف مواطن كوردي من المواطنة السورية و الإسم الرسمي لسوريا “الجمهورية العربية السورية” يفضح عنصرية البعثيين و إعتبارهم الشعب الكوردي عرباً و حتى أن الدستور الجديد للنظام ينص على أن الشعب السوري هو جزء من الأمة العربية أي أنه يعتبر الكورد عرباً و لا يعترف الدستور الجديد بالشعب الكوردستاني و بحقوقه. لذلك يجب أن لا ينخدع أي طرف كوردستاني بوعود النظام السوري الذي في طريقه الى الإنهيار و الإختفاء و أن يتم أخذ الدروس من تجارب المواطنين الكوردستانيين في الإقليم الجنوبي، حيث إنخدع القادة السياسيون الكوردستانيون بوعود حزب البعث العراقي الذي كان آنذاك في عام 1970، ضعيفاً و يعاني من تنافس لمراكز القوى الداخلية فيه و لا يسيطر سيطرة تامة على الوضع في العراق، فإستطاع البعثيون خداع القيادة الكوردستانية من خلال إتفاقية 11 آذار، لترسيخ حكمهم في العراق، على أن يتم تنفيذ بنود الإتفاقية بعد أربع سنوات. هكذا نجحوا في تكتيكهم مع الكوردستانيين و بعد إنقضاء الأربع سنوات، بدأوا بحرب وحشية ضد الشعب الكوردستاني. كما أن إبعاد الزعيم الكوردستاني عبدالله أوجلان من سوريا مثال حيّ آخر على خطورة الإطمئنان لمحتلي كوردستان و التحالف معهم. لذلك من المهم جداً أن تعي كل الأطراف بأن أي إتفاق مع أية دولة محتلة لكوردستان سوف لا يخدم القضية الكوردستانية و أنه إنتحار و في نفس الوقت فأن جميع الأطراف السياسية الكوردستانية ستخسر، بما فيها الأطراف التي تتحالف مع الحكومة البعثية السورية الحالية أو أية دولة أخرى من الدول المحتلة لكوردستان.

8. تحريم الإقتتال الداخلي: يتم الإتفاق بين كافة الأطراف الكوردستانية على ميثاق، يُحرم سفك الدم الكوردستاني من قِبل شخص أو طرف كوردستاني مهما كانت الظروف و حل كافة الخلافات و الإختلافات بالوسائل الديمقراطية و من خلال إحترام القوانين و الإلتزام بقرارات المؤسسات القضائية و التشريعية و التنفيذية. الحرب الأهلية في كوردستان ستكون كارثة كبرى للشعب الكوردستاني و عملية إنتحار لكافة الأطراف السياسية. يجب أن يكون الإقتتال الداخلي الذي إندلع في إقليم جنوب كوردستان بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني و الإتحاد الوطني الكوردستاني في العقد التاسع من القرن الماضي درساً لمواطني غرب كوردستان في تجنب مثل هذه الحروب الكارثية التي تكون فقط في صالح الدول المحتلة لكوردستان.

9. تأسيس مجلس الأمن الوطني الكوردستاني: إن سكان الإقليم بحاجة الآن الى تشكيل مجلس إستشاري، يكون أعضاؤه أكاديميين و خبراء في المجالات المختلفة من سياسية و إقتصادية و إجتماعية و ثقافية و عسكرية و بيئية و إعلامية. المجلس سيتألف من هيئات مختلفة، كل هيئة تختص بإحدى المجالات. عمل هذا المجلس سيكون في الوقت الحاضر هو دراسة و متابعة التطورات الحاصلة في المجالات المختلفة المرتبطة بسكان الإقليم و شعب كوردستان و الدول الإقليمية و العالمية لرفع توصيات الى القيادة المُشكلة للإقليم في مختلف المجالات لمساعدة القيادة السياسية الحالية المختارة في وضع خططها و برامجها و تحديد آليات نضالها و تحالفاتها و بعد الإطاحة بنظام البعث في سوريا سيتطور عمل هذا المجلس، حيث تصبح مهمته وضع خطط و برامج و إستراتيجيات السلطة الوطنية الكوردستانية القادمة في الإقليم لخلق أمن وطني لسكان الإقليم و تطوير الإقليم و النهوض به و الحفاظ على مكتسباته. يمكن تسمية المجلس ب”مجلس الأمن الوطني” و الذي مهمته وضع إستراتيجيات الإقليم و تقديم توصيات و مقترحات وخطط و برامج للحكومة الكوردستانية التي ستنبثق بعد سقوط النظام السوري الحالي.