الرئيسية » المرأة والأسرة » أنثى بانتظار أمومة

أنثى بانتظار أمومة

أيّتها الأنثى..
لم تُعلّمنا الجدّة ولا الخالة ولا العمّة، ولم تُجلسْنا الأمُّ أمامَها ولم تُلقّنَنا ما معنى زوج وأسرة وعائلة أخرى يومًا، ولم تشرح لنا هذا، ولم تسمحْ لنا أن نلقمه ممّن هم أكبرُ سنًّا منّا.. عيب! هذا هو القانون الّذي رفعَهُ السّيّد وعشيرة السّيّد وكلّ مَن في قنّ السّيّد مِن دجاجات وصيصان، ومع العيب مضيْنا إلى رجلٍ آخر، لا نفقهُ جيّدًا أصولَ التّعاملِ ولا معنى الحوار، وها أنا اليوم أمامَ التّجربة الأولى مِن الحوار العاصف السّاخن! كيف يبدأ وكيف ينتهي؟ لست أدري، لكنّي أريدُهُ لأواصلَ حياةً أخرى أتعلّمُ مِن أيّامِها الكثير!
جلسنا بصمت، حدّقَ بسقفِ الغرفة وحدّقتُ بالأرض.. عيناهُ تخجلُ منّي وعيناي تهربُ منه.. حاولت إيقافَ ارتعاش أطرافي، وحاولَ أن يبدُوَ هادئًا، ودخانُ سجائرنا غمامةٌ سوداءُ تُنذرُ بهبوب عاصفة!
كلّ ما في داخلي يستعدُّ لهذا الانفجار.. محتاجةٌ جدًّا أن أصرخ وأن أبكي. أن أفعلَ أيّ شيءٍ يعلنُ له عن غضبي وسخطي. وقفتُ دونَ مُقدّماتٍ وصرخت:- أريد أن أعرفَ أنا زوجة مَن في هذا البيت؟
– اِجلسي واخفضي صوتك.. قلتُ لك انتهينا.
– قلْ إنك تخافهم.
– أنا لا أخاف أحدًا وأنتِ تعرفين هذا جيّدًا.
– بل أنتَ تخافهم، ولم تقلْ كلمة واحدة تُنصفني. كلّ ما فعلتَهُ أن أمرتني بالسّكوت، ولم تجرؤْ أن تأمرَ أختَكَ بهذا.
– هل تريدينني أن أضربَ أختي حتّى ترتاحي؟
– أنا لم أطلب منك هذا، ومع هذا كان عليها أن تحترمَني مِن أجلك على الأقلّ!
– وكان عليكِ احترامها مِن أجلي أنا أيضًا.
– بصراحة لم أعُدْ أحتمل، ولا بدّ أن نستقلّ في معيشتِنا. أريدُ أن يكونَ لنا بيتٌ مثل خلق الله.. لستُ مسؤولةً عن أحدٍ ولا أحد مسؤول عنّي.
– قلت لكِ ألفَ مرّة وضْعُنا المادّيّ لا يسمحُ الآن!
– عن أيّ وضع تتحدّث؟ إنّ ما تصرفُهُ على العائلة في أسبوع يكفيني لسنةٍ كاملة!
– خافي الله واختصري الشرّ.
– أنا مستعدّة أن أبيعَ مصاغي وكلّ ما أملكُ مِن مجوهراتٍ حتّى تُسدّدَ ديونَك، ليكون لنا بيتٌ خاصّ!
– لن تبيعي قطعة واحدة وسأظلّ مع العائلة، أعجبَكِ هذا أم لم يُعجبك!
– هكذا إذن!
– هكذا وستّون هكذا!
– حسنا.. تستطيع أن تظلّ أنت.. أمّا أنا فلا.. بيت أهلي أحقّ بي!
– إن كنتِ لا تعرفين الطّريق فأنا أدلّكِ عليها.
صفعة قاسية لم أكنْ أتوقّعها.. صفعة جعلت كلّ ما حولي يدورُ وأدورُ وأظلّ أدور.. أفقدُ اتزاني وأنظرُ إليه:- هل يعني ما يقول؟ هل هذا هو زوجي؟ هل هذا هو الأمن؟ لماذا ألومُهُ ولا ألومُ نفسي؟ أنا التي بادرت بالتحدّث، وأنا التي أقحمتُ أهلي في حوارٍ خاصّ، وكان هذا مِن الممكن أن يرتفعَ إلى درجة المسؤوليّة.
أحاولُ أن أعودَ إليّ، وأن أُسكِتَ ما في داخلي مِن صراع. حقّا كان مِن الممكن أن ينتهي الإشكالُ مع أختِه على خير، وكان مِن الممكن بكلمةٍ طيّبةٍ تجاوز كلّ شيءٍ، دون أن يأخذني غضبي إلى هذه اللّحظة.
مَن يدري إلى أين سيأخذني الحدَثُ إن تابعتُ في هذا الغضب؟
ولحظة صدق مع نفسي، تؤكّدُ أنّ ما أريدُهُ بهذه العصبيّة لن أنالَهُ، كما لو طلبتُهُ في لحظةِ هدوء أو ساعة صفاء!
وأنتبه.. كانت أمّي عندما تريد شيئًا مِن زوجها، كانت تنتقي لحظاتِ هدوئِه وصفائِه، وكانت تعرفُ متى تطلبُ ومتى تُلمّحُ ومتى تُعاند، فكلماتها ترنُّ في رأسي:- الحرمة الشّاطرة تعرفُ متى تتكلّم ومتى تصمت!
وأنا الآن أمام الاختبار، فالصّمتُ في هذهِ اللّحظةِ لا بدّ أن يكونَ سيّد الموقف. أتّجهُ إلى السّرير، أرفعُ الغطاء بصمتٍ وأدسُّ جسدي المرتعش تحتَ الغطاء، يدنو منّي مُداعِبًا:- ألا تريدين الذهاب إلى بيتِ أهلِك؟
أرمقُه بنظرةٍ عاتبةٍ وأقول:- قلْ بربّكَ.. هل أهونُ عليك؟
يتحسّسُ شعري بحنانٍ ويعودُ إلى وعوده:- صبرك يا بنت الناس، سيكون لكِ كلّ ما تريدين، لكن أرجوكِ لا تجعلي عائلتي مفشّة غُلّك وغضبك!
وأعِدُهُ أن أحاولَ أن أتقبّلَ وأتجاوز، وأن أُشاركَ وأكونَ كما يريد أن أكون، وأن أصبرَ حتى يأتي الفرجُ القريب! وهكذا يومًا بعدَ يوم، مَن لم تُعلّمْهُ أمُّهُ أو جدّتُهُ تُعلّمه الأيّام!
نعم؛ الأيّامُ والحياة هما المدرسة التي نتخرّجُ مِن فصولِها، إمّا إلى ربيعٍ دائم، وإمّا إلى خـريف طويل.. أختصرُ الكلماتِ وداخلي إصرارٌ على إنجاح تجربة الشّراكة لا لشيء، إلاّ كي أصفعَ ذاك الماضي الذي يتحرّشُ بي ويلاحقُني بين ردهات أيّامي، وربّما مِن أجل هذا الرّجل الذي بدأتُ أتعلّقُ بهِ ساعةً بعد ساعة ويومًا بعدَ يوم.
يومٌ آخرُ مِن أيّام ذاك الزّمان أراهُ يتمايلُ أمامي، وأنا بين ذراعيْهِ طفلة مُدلّلة، يعدُني بالفردوس ويبني لي قصرًا أسكن فيهِ ويسكنُ معي، بعيدة عن ضجيج بعثرني إلى هدوءٍ يَلمُّني، مستمتعةً بهذا الهدوء والدّفء!
قال:- الحياة مع عائلة كبيرة صعبة، فصبرك عليّ سنة ليس أكثر، أسدّدُ ديونَ العُرس، وبعدَها يكون لنا بيتٌ ولا في الأحلام.
هززتُ رأسي وتابعَ هو يمسّدُ على شعري:- وعدَني المعلّمُ أن يزيدَ معاشي بعدَ العرس، ولا يهمّك، فالزّيادة مصروفك والمعاش للدّين، والأكل والشرب مع العائلة، ومثلما قلت لكِ سنة ليس أكثر!
قذفتُ الغطاءَ بعيدًا ووقفت قائلة:- تعالَ نراجع حساباتنا.
معًا جلسنا أمامَ الطاولة نفردُ الأرقامَ والأسماء، ونجمعُ ونقسمُ ونطرحُ والدّيْن أكثر ممّا توقعت، سنة واحدة لا تكفي حتى لو حصل على الزيادة المرجوّة وتنازلت عنها.. شيءٌ مِن الخوف والارتباك يُداهمني.. أحاولُ أن أبدو قويّة متزنة.. اِنتزعتُني من خوفي وارتباكي وقلت:- أحسن شيء في هذا الحين فنجان قهوة وسيجارة!
أحَسّ بخوفي ومحاولةَ الهروبِ وقال:- أنا أُعِدُّ القهوة وراجعي أنتِ الحسابات!
مضى إلى المطبخ، أعدّ قهوتنا وعادَ وعُدنا نراجعُ مِن جديد، أشعلَ لنفسِهِ سيجارة وقدّمَ لي أخرى وقال يعتذرُ وهو يشعلها:
– الحقّ عليّ، عشت حياتي بالطّول والعرض، وما عملت حسابًا لهذا اليوم. على كل حال..
قاطعته:- على كلّ حال لا نريد أن نرجعَ للماضي. لا تنسَ. هذا كان اتّفاقنا، فالماضي أيّام مِن ورائنا، ومعًا سنبني المستقبل. لا تخَفْ أنا معك!
شدّني إليه، وقوّة عارمة في داخلي، وشعورٌ لذيذ مُمتعٌ يَرفعُني فوقَ سنواتِ عمري، ويُدخلني إلى دائرة المسؤوليّة والتحدّي الكبيريْن للأيّام والأرقام. رأيتني أعودُ إلى هناك إلى بيتنا الكبير، ورأيتُ أمّي تأخذني إلى الشّرفة وتشيرُ إليّ بإصبعِها:- هناك فوق عَ الجبل، لا شارع ولا كهرباء ولا حتى بيت. يعني ستسكنين بغرفةٍ واحدة مع عائلة كبيرة!
قلت:- أنا موافقة حتى لو كان بلا بيت، ولو كان بكوخ، وأنا مسؤولة عن اختياري.
وددتُ يومَها أن أصرخ وأعلن أمامَها أنّ هذا القصرَ الكبيرَ قطّعني ومزّقني، وأنّني أريدُ الهرب منه إلى صخرةٍ فوق جبل أو في واد، بعيدًا عن أحكامِهِ وقوانينِه! أردتُ يومَها أن أبكي وألومَني وألومَ الزمن، لكنّني لم أفعلْ، وظللتُ أقفُ بصلابةٍ أتحمّلُ مسؤوليّة الموافقة.
وأنتبهُ إليهِ ما زال يشدُّني وألتصقُ به، وأقولُ:- قلْ لي.. ما رأيك بأمّي؟
ضحك:- كوني مثل أمّك.. ولا أريدُ شيئًا آخر!
سألت:- مِن أيّة ناحية؟ – التصاقها بزوجها؛ أبيك.
ضحكت:- لا تنسَ.. هذا الالتصاق جلبَ دزّينة مِن الأولاد.
ضحك:- أمّي مِن غير التصاق ولدت دزينة ونصف.
ضحكت:- أنت ضروريّ أن تُحدّد، تريد دزّينة أم دزّينة ونصف؟
:- على فكرة.. أمّي سألتني اليوم إن كان شيء على الطريق؟
امتعضت:- لا على الطّريق ولا على الدّرب، بعد بكّير على الحكي.
سأل:- أنتِ زعلت؟ ولا يهمّك. هذه أمّ، وكلّ أمّ تتمنّى كنّتها أن تحبلَ مِن ليلة الدّخلة، وحبل مشروط؛ عريس! (تريد العريس مِن أوّل ليلة، ومن يوم الصّباحيّة ليس على لسانها إلاّ الله يعوضك بعريس)!
استدرجَني إلى السّرير، وأنا أقول:- الحين لا أمّي ولا أمّك، ولا عريس ولا عروس، قدّامنا تحدٍّ كبير وضروريّ أن نواجهَه!
وعدنا إلى السّرير نواجهُ التحدّيَ الكبير، ووجهُ أمّهِ يُطلُّ عليّ ساخرًا مِن هذه المواجهة المُستسلِمة، وكذلك وجهُ أمّي، وتمضي بنا الأيّام والحياة!
في الصَباح لففت لزوجي زوّادته؛ حملها وغادرَ إلى العمل، وعدت إلى السّرير لأتابعَ نومي مِن جديد، ودقائق معدودة وإذا بصوتِ جارتنا يخترقُ الجدرانَ دون استئذان، وعبثًا أحاولُ استجلابَ النوم!
– دستور.. الجماعة بعدهم نايمين؟ يا عمّ.. نوم السّراري للضّحى العالي!
صوتُ حماتي المتثائب يردًّ عليها:- تفضّلي جارتنا.
جارتنا ليست بحاجةٍ للدّعوة حتى تتفضل، فلديها الجرأة أن تقتحمَ الأبوابَ والغرفَ وحتى غرفَ النّوم. جارتنا تحشرُ أنفها بكلّ شيءٍ وتثرثر. جارتنا لا يفوتها أيُّ خبر أو أيّ حادثٍ أو حديث. تنتظرُ طلوعَ الفجر لتهرعَ وتنفضَ ما عندها وما لديها مِن أخبار، وأخبارُ جارتنا طازجة جدًّا، مِن البيّارة إلى السّيّارة، تعرضُها كلّ يوم أمامَ حماتي، وهي تغسلُ أكوامَ الغسيل، وجارتنا تنشرُ غسيلَ الناس!
هذا الصّباحُ جعبة جارتنا خاوية. أرادت أن تعبّئ هذه الجعبة مِن بيتنا، فسمعتها تقول:- يا جارتنا.. كنتك حبلى؟
وتردّ حماتي:- والله يا جارة عيب عليّ لو أسأل. كنّنت قبلها ثلاث وما يوم سألت. والبنت بعدها صغيرة. أنا بقيت سنتين حتى حبلت!
وتردّ جارتنا:- يوه يا جارتي ما أبسطك. اليوم لا يصحّ أن تتركيها دون حكمة ودواء.
– وهل أجُرّها للدّكتور؟ هذا شيء يخصّها وحدها. لا أقدر أنا أن أتدخّل!
– أكيد أنّك حُرمة قلبك طيّب وبسيطة، أنتِ عليكِ بابنك. كم واحدة تزوّجت بعد كنّتك وصار عندهن أولاد وحبالى؟ لا يلزمك أن تسكتي، يعني أنت عارفة؛ الشجرة مِن غير ثمر يحلّ قطعها.
ارتعدَ شيءٌ بي يُمزّقني أجزاء. هكذا إذن؛ أنا شجرة مِن غير ثمار، وبقانون جارتنا العادل جدًّا يَحلّ قطعي، وأكثر من هذا، يحلّ طرحي بفرن البلد لأحترق وأشتعلَ حتى أصبحَ مجرّد رماد!
أقذفُ الغطاءَ وداخلي يتوعّدُ أن يُحولَ نهارَ جارتنا جحيمًا لا يُطاق، وما ألبث أن أهدأ.. لا أريدُ لهذهِ الجارة أن تقول أنّني كنتُ أتصنّت على الحديث.
لا بدّ أن أجدَ طريقةً أخرى للدّخول إلى هذه المعركة التي أُعِدُّ لها.
فتحتُ البابَ واتّجهتُ إلى الحمّام أحاولُ التقيّؤ، وأسمعُها تقول:
– أبشِري.. العِلم عند الله.. يمكن كنتك حبلى.
ابتسمتُ منتصِرة.. وصلت رسالتي المزيّفة إليها.. الآن أستطيعُ أن أدخلَ وألُمّ الحروفَ المبعثرة والمُخبّأة تحت عُصبتِها السّوداء.
قلت:- صباح الخير.
حماتي تدعوني لشرب القهوة، فأعتذرُ وأمضي إلى غايتي:- نفسي مقلوبة!
تنطلق جارتنا:- ألم أقل لك.. كنتك حبلى وتتوحّم.
أندفع:- إن كنت أتوحّم أو لا، فهذا أمرٌ يخصّني ولا يخصّ أحدًا غيري.
أثارتها لهجتي:- وماذا قلت أنا؟
وترد حماتي:- الحُرمة ما حكت شيء، هي تسأل، هل السّؤال حرام؟
:- ليس حرام. الحرام هو الحكي الذي يُقال يا جارتنا. أنا وزوجي اتفقنا لا نجيب أولاد حاليًّا، ولمّا نفكّر بالأولاد سآخذ الإذن منك.
:- ما قصدك؟
:- لا قصدي ولا قصدك. أنت جارة وأنا أحترمُك لأجل حماتي والبيت الّذي أنتِ فيه فقط!
وتستعدّ جارتنا للوقوف والانصراف بغضب، وتندفع حماتي لتتداركَ الموقف:- يا بنتي جارتنا قلبها عليك، وما حكت شيْ يزعّل!
وقلت دون خجل:- أنت يا حماتي ما حكيتِ، أمّا جارتنا فحكت وكمشة.

واشتدّ الجدلّ والنّقاش، ولمّت جارتنا ثوبَها بأسنانها ومضت، وهي تُقسم أن لا تعودَ إلى هذا البيت ما دمتُ أسكنُ فيه، ومضت ولسان حالي يقول:- (درب قضامة ودرب زبيب.. درب تأخذ وما تجيب)!
عدتُ أعتذرُ لحماتي وأشرح لها بكلمات تكادُ تكون هادئة جدًّا:- أنتِ أمّ زوجي، وقبلَ أيّام وعدته أن أتجاوز الإشكالات، وأن أصبرَ حتى يأتي الفرجُ القريب.
قالت حماتي:- والله أنتِ زوّدتيها. جارتنا هذه مسكينة وعلى باب الله!
:- ما حدا مسكين وعلى باب الله غيرك يا حماتي. أنا كلّ يوم أسمعُها وهي تلوكُ بسيرة النّاس، فلانة حبلت وفلانة طلّقها زوجها، وعلاّنة وفلانة..
:- وهل أنتِ ربّها لتحاسبيها؟
:- صحيح أنا لستُ ربّها، لكني أقدر أن أوقفها عند حدّها، خاصّة إذا قرّبت مِن حدود بيتي وحياتي!
وأخشى أن يجرّني الحوارُ إلى ما أخشى عقباه، وأقطعُه بطلبٍ غريب:
– حماتي.. مِن زمان ما طبخنا ششبرك..
تضحك حماتي وتقول:- والله كأنّك حبلى.
أراوغها:- كلّ شي يخفى ويزل، إلاّ الحبّ والحبل.
أمضي إلى غرفتي.. أحسُّ بنشوة الانتصارِ على الأنثى الأخرى وعلى الأنثى جارتنا، ولكن؛ الأنثى التي بداخلي تحسُّ بنوعٍ مِن المرارة!
لماذا تأخّر الحمل؟ سؤالٌ كالمطرقة يطرق فوق رأسي من غير انقطاع، أحاولُ أن أجدَ الإجابة، عن أية إجابة تُهدّىءُ مِن روع التّساؤل، وتلفّ خيبتي وتُعلّق لي على الأقلّ بقولها، أنّني شجرة لن تنقطع حتى لو لم تطرحْ ثمارها! أتجرّعُ مرارتي وأمضي، أقفُ أمامَ المرآة أتحسّسُ بطني!
أراني ببطنٍ منفوخ، أبتسمُ ابتسامة صفراء لا روحَ فيها. سيكون منظري مُضحِكًا بفستان الحمل. أرسمُ صورةً للمولود القادم، أراه يشبهُني، لا أريدُهُ كذلك، بل هكذا أفضل. الولد يُشبهني، أمّا البنت فأريدُها بجَمال أبيها. هكذا أضمن لها أن تجدَ مَن يقبلُ بها لجَمالها.
لا ضير.. حتى لو جاءت البنت قبيحة، فالجَمالُ لا يهمّ، المهمّ عندي أن أحملَ وأن أُنجبَ حتى لو كان المولودُ أبشعَ خلق الله. نعم؛ يظلّ ولدي، و(القرد بعين أمّه غزال)، سوفَ أحبُّه حتى لو جاء قردًا..
:- ما هذا الهراء؟ هل أفعلُها وأنجبُ قردًا؟ سخافة ما أفكّر به! لن أنجبَ قردًا، بل سأنجبُ ولدًا تُلاحقُهُ صبايا البلد. ارتحتِ؟
عدتُ إليّ:- ولماذا يُصرُّ هذا الفكر على البِكر الصّبيّ؟ ولماذا يقولون (مسعدة وحظك قويّ، بكرك بنت وثنيك صبيّ)!
أضحك.. لأوّل مرّة يُنصفون البنت في بلدي!
:- لا عزيزتي، فوراء المقولة أبعادٌ أخرى بعيدة جدًّا عن الإنصاف.. يريدونها ابنة تُربّي الذّكور القادمين مِن بَعدِها.
أمتعض:- وأنا ماذا أريدُ منها؟ بل ماذا أريد مِن الأقدار؟
لا أريدُ أي شيء. سأتنازلُ عن كلّ أحلامي وعن القصور التي بنيتها في السّماء. نعم سأتخلّى عن كلّ شيء، فقط أريد أن أحملَ بولد، وأمارسَ أمومتي تمامًا كما كنتُ أمارسُها أيّام بيت بيوت حين كنت طفلة!
أذكُرُ القطّة الصّغيرة التي اتّخذتها مولودًا وقرّبتها مِن صدري، وأنا أحسَبُ أنّني أُرضِعُها، يومَها نهرتني أمّي وشدّتني مِن شعري!
لماذا قطعَتْ عليّ سعادتي؟ نعم؛ كنتُ سعيدةً بهذه الأمومةِ الطّفولية، والآن كم أنا بحاجةٍ لهذه السّعادة الحقّة!
قبلَ شهريْن تحدّثنا عن الموضوع، وليلتها ضعْفُ الكوْنِ كلُّهُ انصبَّ في داخلي، أحسستُ أنّني مُجرّدُ آلةٍ مُعطّلةٍ عن الإنتاج لا قيمةَ لها، وبكيتُ وظللتُ أبكي وهو يمسحُ دمعي، ويَعدُني أن يقفَ إلى جانبي إن تمادت الأقدارُ في عنادها، وأُصدّقُه وأعودُ إليهِ ويعودُ إليّ، أحلمُ ويحلمُ معي. سوفَ ننجبُ ولديْن، بل ولد وبنت..
لا.. نريدُهم أربعة على عدد مقاعدِ طاولتِنا، إضافة لمقعدِهِ ومقعدي، وظلننا نحلمُ ونرى أحلامَنا زغرودةَ فرحٍ وشموعَ أعيادٍ تضيءُ لنا دربنا. لم ننمْ إلا وقد استقرّ بنا الرّأيُ أن أذهبَ إلى الطبيب المختصّ، واتفقنا كذلك أن يظلّ الأمرُ سرًّا بيننا لا يعلمُه أحدٌ حتى أمه وأمّي!
ولم أذهب.. كنّا بحاجةٍ إلى كلّ قرش، فصرفتُ النّظرَ عن هذا الأمر طيلة الشّهرين، ولم يتغيّرْ أيّ شيء، ولم يتحسّنْ وضعُنا المادّي، وما زلنا نحتاجُ إلى هذه القروش..
لكن إلى متى سأظلّ أنتظر؟ لست أدري!

February 13, 2012
http://aljadidah.com/