الرئيسية » مقالات » بعون الله بتوجه الى ديرة محبيني

بعون الله بتوجه الى ديرة محبيني

في تاريخ الشعوب لحظات فارقة وحاسمة، وهي قطع المسافة بين الليل والفجر.. تقطع وتمسح غبار السنين والآثار السلبية وتجاوزها لمصلحة عمل وطني جليل ونبيل.. ولاشك أن 13 يناير هو من أروع وأنصع لحظات التاريخ في الجنوب، بما حمله من مضامين ودلالات وطنية وإنسانية، تنطوي على بعث أمل جديد وعودة الوعي وإمتلاكه بعد غيبوبة طويلة، كردة فعل إيجابية على تجربة الحزب الإشتراكي اليمني في الحكم، التي أدت الى تدمير الجنوب بالمجان قبل أن يدمر الإحتلال الشمالي مابقي منه، ثم أخرجه من مجرى التاريخ حتى بات الجنوب مجرد حقيقة جغرافية فقط.. وفي التوضيح الثالث للحراك الجنوبي، يقول الدكتور محمد حيدرة مسدوس في السياق:” و لهذا و بسبب هذا الخلط الخاطئ الذي تركته لنا الحركة الوطنية و الذي أدى إلى التضحية بالوحدة ، فان هذا الخلط الخاطئ قد جعل الحزب الاشتراكي يسير عكس مجرى التاريخ كتحصيل حاصل لذلك . فقد أبقى نفسه و أخفى الدولة و تخلى عن مصير أهلها بعد حرب 1994م ، بينما مجرى التاريخ أخفى أحزاب البلدان الإشتراكية و أبقى دولها . و هذا التناقض الذي وقع فيه الحزب قد أدخله في علاقة نفي النفي مع القضيه الجنوبية و بالذات بعد حرب 1994م عندما تخلت قيادته عن مصير الجنوب و شاركت في شرعنه قهره مع بقية الأحزاب.” إنتهى.

لكن، تحول إتفاق التصالح والتسامح والتضامن الى واقع على الارض، ينطق بالصوت والصورة لشعبنا على مستوى الجنوب، وبالتالي فأن كل الشرفاء والمخلصين يناضلوا ليس من أجل تغيير الأفكار والمفاهيم والعلاقات السلبية وصولاً الى إستعادة الوطن والشعب وبناء دولتنا الوطنية الديمقراطية التعددية على أرض الجنوب فحسب، بل وإعتبار تجربة الحزب الإشتراكي اليمني من الماضي وتحويلها الى متحف التاريخ. على الرغم من أن بعض رفاقي ممن كنت وإياهم حاملين المشعل، أو كما أطلق عليهم الأخ المناضل حسين زيد بن يحيى (الحبايب)، تزورهم من وقت الى آخر (أم الصروم) وتجيهم (عنصة مبروك). وربما يظن بعضهم ـ وبعض الظن أثم ـ أنه سيفقد رصيده الوطني في حال ترك الحزب الإشتراكي اليمني. ونعني بالحزب الأشتراكي اليمني هنا ممن لا يؤمنوا بالمشاريع الصغيرة.

لذلك، فأن تغيير المعادلة التاريخية على الأرض، تحتاج الى نضال وطني شاق ومنظم وتضحية على الأرض، تقوده قيادة وطنية مجربة ومخلصة مؤهلة ميدانياً، لمواجهة التحديات في الداخل على الأرض، خاصة أن بداية ظهور الحراك كان يتطلب الأمر تعبئة الشعب إعلامياً في شرح قضيته وتعزيز نضاله، وليس الأستمرار بإصدار البيانات طول السنين، وهذا لا يعني إطلاقاً الإنتقاص من شأن ودور ووطنية نشطاء الحراك في الداخل، وما قدموه خلال السنوات الماضية مع تفاوت المواقف والوعي بين هذا وذاك.
بقدر ما أثبتت التجربة أن البعض تعوزهم الخبرة السياسية.. ففي تاريخ الشعوب معارك وهزائم وإنكسارات وإنتصارات، لكن عظمة الشعوب الحية وقيادتها تكمن أساساً في تجاوز الهزائم في عدم الإستسلام، وتعمل على مواصلة النضال من خلال المقاومة السياسية السلمية أو العسكرية على قاعدة الوحدة الوطنية أو التحالفات الوطنية أو السياسية لأكثر من طرف.. فشعب الجنوب ضحية قيادته، وخضع لأقسى وأعسر الإمتحانات في تاريخه القديم والحديث آبان حكم الحزب الإشتراكي اليمني من قهر وظلم وإقصاء.. لكن جاء الخلف ـ نظام الجمهورية العربية اليمنية العنصري القبلي ـ أسوأ من السلف ـ الإحتلال الأجنبي ـ وليغطي على ماضي الخزب البغيض.
هكذا،
صبر شعب الجنوب الأصلي كما لم يصبر شعباً آخر في الماضي والحاضر، لكن فسّر صبره ذلاً..
تسامح شعب الجنوب الأصلي كما لم يتسامح شعباً آخر على ما جرى له، لكن تسامحه فسّر غفلة..
غفر شعب الجنوب الأصلي كما لم يغفر في التاريخ شعباً آخر، لكن غفرانه فسّر ضعفاً..
على خلفية ذلك لا تزال بعض (قيادات الجنوب التاريخية) تصر على ممارست الخطأ القاتل بنفس العقلية التي كانت تمارسها قبل 22 مايو 1990م.
لقد خرج شعب الجنوب في 7 يوليو 2007 من رماد التاريخ،
خرج ليعلن للعالم بأنه يرفض رفضاً مطلقاً الإحتلال،
خرج يطالب يإسنعادة حريته على أرضه،
خرج ليعبّر عن نفاذ صبره ببطون خاوية وصدور عارية
خرج ليواجه رصاص الأجهزة الأمنية والعسكرية الشمالية،
خرج ليواجه الحصار والجوع والفقر والقتل،
لذلك، أقول بوضوح أن يحكم الجنوب الجني الأزرق سيكون أرحم بنا من حكم الجمهورية العربية اليمنية.
يبدو أننا بحاجة لأن ندق الأجراس مذكرين من أن الحراك الوطني الجنوبي قام للتعويض عن المنكر، وعلى رأي الأخ المناضل العميد محمد محسن القطيبي- حين سؤل عن أحداث 13 يتاير 1986م- قال:” ضفعة وإنقسمت نصفين”. وأدلى بدلوه الأخ الصديق العزيز المناضل العميد محمد صالح طماح – عندما جاء الى نادي عروسة البحر في الفتح في شهر يوليو عام 1995 أن لم تخني الذاكرة، والعسكريين الجنوبيين في طابور طويل لأستلام الراتب وكاتب هذه السطور من بينهم – قال يومها:” لو كان طوبرتوا في ميدان المعركة كما أنتم طابور الآن للراتب، لما نحن في هذا الموقف المهين، لكن القيادة السياسية والعسكرية هربت من ميدان المعركة، وها نحن نشرب السم الزعاف، ملعونه أبوها قيادة”.
قبل ثلاث سنوات، كان الأخوة الشماليين – نظاماً وأفراد، متعلمين وعاديين – يشهروا في وجوهنّا سلاح الوحدة، بإعتبارها صكاً مقدساً، وعلى الجنوبيين أن يلتزموا بهذا الصك المقدس.. في حين نظام صنعاء وكل الشماليين في الداخل والخارج، معفيين من ذلك الإلتزام بمقتضى سياسية الفيد والغنيمة، ونحن – كجنوبيين- نعبر عن دهشتنا مع التأكيد للأخوة الشماليين بأنه لا توجد وحدة على الارض، وإنما إحتلال أسوأ من الإحتلال الأجنبي.
وبعيداً عن رغبات ونزوات البعض من هنا أو هناك، فأنني في المنتصف بين المتراشقين، يصيبني من هؤلاء وأولئك رذاذ ما قد لا أحب.. لكن الأحب لي هو أن لا نفشل كجنوبيين، لأننا،
بالأمس تصارعنا وتعاركنا وبعنا الوطن، في الوقت الذي كنا فيه في حاجة للوحدة الوطنية الجنوبية والتعاون من أجل الوطن..
بالأمس تشتتنا وتفرقنا بدون وعي، في الوقت الذي كنا فيه في حاجة الى لم الشمل وزرع المحبة..
واليوم وبعد ما خرجنا من المولد بلا حمص جميعاً بلاوطن مهزومين، نتنافس على جلد الدب قبل إصطياده، وكل طرف يدير ظهره للثاني، نتيجة حسابات سياسية وذاتية معروفة.

يا نشطاء الحراك المحترمون…
بعد أن صادر نظام صنعاء العقل والمعقول في الجنوب، وسرق الأرض والتاريخ، وإنتهك المقدسات وعرض المحرمات.. أقول، نحن – الجنوبيين – مقبلين على مرحلة جديدة وإستحقاقات يجب أن تكون الشفافية فيها هي المعيار الأساسي في الصدق والتعامل.. والمسؤولية الوطنية المشتركة هي العمود الفقري للمواجهة بأكبر قدر من التوافق والتنسيق قبل فوات الاوان وتحل الكارثة، والتي برزت ملامحها في محافظة أبين وأجزاء من محافظتي عدن وشبوة.
فالوقت حان لكي يضع الجنوبيين المقدمة الاولى على المحجة البيضاء لصنع تاريخاً جديداً.. حان الوقت لكي نخرج من الدائرة التي تشدنا الى الخلف كلما حاولنا التقدم الى الامام.
لذلك، أمام نشطاء الحراك طريقين لا ثالث لهما:
الأول: إما أن يدخلوا الجنوب وشعبه التاريخ من أوسع أبوابه، والتاريخ مرهون كتابته بالتوافق الوطني كسبيل وحيد في تقرير مصير شعبنا.
الثاني: وإما أن يخرجوا الجنوب وشعبه من التاريخ ونظل نراوح مكاننا.
ونحن – كجنوبيين – نعرف أن هناك من بادر ووضع الخميرة الاولى للحراك كعمل وطني – والعمل الوطني لا يوجد فيه منّيّة على الآخرين – وهناك من ركب موجة الحراك، والفارق كبير.
لكن من غير الطبيعي والمنطقي أن يظل الحراك بلا رأس.. وبلا إطار تنظيمي حقيقي فاعل يقوده.. وبلا بوصلة فكرية.. أو رؤية سياسية موحدة توجهة وتعتمد على التوافق الوطني كإطار عام يضم تحالفات لقيادات سياسية، أو في إطار جبهة وطنية.
لذلك، كنا نتمنى صادقين أن نرى من ضمن الحاضرين في المؤتمر الصحفي للـ (مجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب) – على أهميتة – الذي عقد يوم الخميس الماضي بتاريخ 23 فبراير بفندق ميركيور بخور مكسر بمحافظة عدن لتوضيح موقف الحراك الجنوبي من الانتخابات الرئاسية، من كان لهم السبق في تأسيس الحراك الوطني الجنوبي، وفي المقدمة على سبيل المثال لا الحصر:
المحامي الأستاذ بدر باسنيد، والأستاذ هشام باشرحيل، والدكتور عبدالرحمن الوالي، والعميد ناصر علي النوبة، والعميد حسن علي البيشي، والأستاذ نجيب يابلي،و الأستاذ ياسين مكاوي، والعميد ناصر الطويل، والأستاذ محمد عباس ناجي، والأستاذ أحمد القنع وغيرهم خصوصاً وهؤلاء متواجدين جميعاً في عدن، ولكن (هذا الله وهذه حكمته)، علماً أن الأخوة الذين تصدروا الإجتماع – نكن لهم كل التقدير والإحترام – وبالذات الأخ قاسم عسكر جبران والأخ علي هيثم الغريب، الذي كنت على إتصال معهم من موريتانيا الى الجنوب، ولكن أقول ما هكذا تورد الأبل ياأخوان.
هذا المقطع من قصيدة لا أعرف من قائلها، أهديتها للشيخ أحمد فريد الصريمة، أثناء الأزمة التي نشبت بينه ونظام صنعاء على خلفية المشاريع التي نفذها ولم يستلم إعتمادها.
وها أنا بدوري مجدداً أهديها للأخ علي سالم البيض، لعل وعسى أن يجد لنا مخرج من المحنة مثل ما وجد الشيخ الصريمة الذي أطلقوا عليه بالأمس أثناء حرب 1994 منتوغمري الجنوب، واليوم يتجاهلوا دوره، واليكم الأبيات:
مـن يبا صنعاء تـحمل بردهـا
حيث الأبل ترعى وخلوها نفـش
من راقص الحنشان ولا إصطادها
شـوف تـالية المحنش للحنـش
ماهي مراقص من دخل فيها رقص
كثـير فيكم يجهلوا فن الرقيـص
هذا مقانص من دخل فيها إقتنص
يا ويل منكم من وقع وسط القنيص

عوض علي حيدرة
الولايات المتحدة الامريكية
26 فبراير 2012