الرئيسية » مقالات » معاول البيروقراطية وهدم صرح الديمقراطية

معاول البيروقراطية وهدم صرح الديمقراطية

الخطورة في البيروقراطية عندما تتحول من نظرية لإدارة مؤسسات الدولة إلى سلطة في أيدي جهات أو افراد يستهدفون اولا وقبل اي شيء اخر جني مكاسبهم الخاصة، وهنا ستتحول هذه النظرية من مفهوم علمي مجرد الى مصطلح سياسي مثير للريبة والتوجس العام يرادف من حيث الدلالة اللغوية ما يطلق عليه بالفساد المالي والاداري، وهنا سَيُنْظَرُ الى البيروقراطية جماهيريا لا باعتبارها جهازا اداريا لتمشية امور البلاد وانما باعتبارها ظاهرة مرضية توفر وسائل للكسب غير المشروع وتفتح منافذ الفساد والافساد على مصارعها.
وقد تتضخم المشكلة مع البيروقراطية والاحساس بوطأتها الشديدة لتشكل في مرحلة من مراحل استفحالها أهم الذرائع في اطار التسويق لمشاريع الانفصال والتقسيم كما هو الحال بالنسبة للعراق في الفترة الحالية. فلا يخفى أن الدعوة الى تأسيس اقاليم جديدة في العراق كانت قد استلهمت أحد أقوى شعاراتها من جو المركزية الخانق الذي يلف جميع المحافظات العراقية ويضغط على اعصاب المواطنين في كل المحافظات غير المنتظمة بإقليم ومنها العاصمة بغداد. اذ ما تزال رحلة انجاز المعاملات البسيطة بالنسبة لعموم العراقيين ابعد ما تكون من الوصول الى اهداف اختزال الوقت والجهد والكلفة في معمعة وثائق الصدور وصحة الصدور الرسمية.
ان من اهم العوامل التي ادت الى تأخر معدلات التنمية والازدهار الاقتصادي في العراق مع وجود ميزانيات تكفي لإحداث نقلات نوعية على الصعيد الاقتصادي بين عموم السكان راجع للبيروقراطية التي ما تزال تمثل العقبة الكأداء امام حرية انتقال الاموال في البلد وانتشار الاستثمارات المحلية والاجنبية، لاسيما مع ابتعاد العراق في مرحلته الحالية عن التفكير باستقطاب الكفاءات الادارية ايمانا من بعض المسؤولين بان الادارة لا تعدو كونها مهنة يستطيع أي احد ان يحيط بجميع قواعدها بظرف زمني قصير، وفي غفلة ساذجة عن حقيقة أن الادارة تمثل علما وفنا يستدعيان بذل الجهد والوقت الطويلين قبل الظفر بحدودهما الدنيا. فإشغال المناصب الادارية بأشخاص غير محترفين هو من جملة العوامل التي اسهمت في استشراء خطر البيروقراطية بمعناها المرضي.
وبقدر ما يتصل بالعلاقة بين البيروقراطية والفساد المالي والاداري في العراق فقد أشار تقرير صدر مؤخرا عن مكتب “لجنة المفتش العام الخاص بإعادة إعمار العراق” وموجه إلى الكونغرس الامريكي، إلى أن العراق هو أحد أقل دول العالم قدرة على ضبط حالات الفساد المالي والإداري. التقرير أفاد أيضا بأن المشكلة في هذا الموضوع تكمن في عدم كفاية الأنظمة القانونية التي وضعت بعد عام 2003 فضلا عن الضغوط والتهديدات التي يتعرض لها الموظفون المسؤولون عن كشف حالات الفساد خاصة فيما يتعلق بقضايا فساد ابطالها مسؤولون كبار في الدولة. وبحسب هذا التقرير فإن هناك دعاة للبيروقراطية يتسنمون مواقع بارزة في هرم الهيكل الاداري، ومن مصلحتهم بقاء البيروقراطية بشكلها المرضي مستفحلة في جسد الدولة العراقية.
وليس في هذا الامر جديدا او غريبا على الرأي العام العراقي بيد ان ما يمكن ان يكون جديدا او غريبا لأول وهلة في هذا التقرير الأخير هو التنبيه على عدم كفاية الانظمة القانونية العراقية التي تعمل في نطاق مكافحة الفساد المالي والاداري على الرغم من وجود اجهزة رقابية عراقية متعددة وظيفتها مكافحة الفساد، وعلى راسها لجنة النزاهة النيابية، وهيئة النزاهة العامة، وديوان الرقابة المالية، ومكاتب المفتشين العموميين.
لكن التأمل في هذه الاجهزة او اغلبها يصل بنا الى نتيجة تتطابق مع ما ذهب اليه التقرير الامريكي وهو الاقرار بعدم وجود قوانين كافية بالفعل في مجال مكافحة الفساد المالي والاداري. ذلك أن الدور الملقى على عاتق لجنة النزاهة في البرلمان تحول مع مرور الوقت الى منصة سياسية اكثر من كونه وسيلة لكشف المتلاعبين بالمال العام والمنصب العام مدعومة بقوانين صارمة.
وبحسب بعض المطلعين على النظام الاداري لهذه اللجنة فان العدد الاجمالي للموظفين العاملين فيها لا يتجاوز خمسة عشر عنصرا جاؤوا من خلفيات سياسية متضاربة التوجهات والرؤى ولم يجر تنسيبهم في هذه اللجنة بحسب مؤهلاتهم العلمية، إلى جانب عدم انفتاح اعضاء هذه اللجنة بشكل كاف على منظمات المجتمع المدني من أجل مساعدتها في انجاز مهماتها وتفعيل قوانينها النائمة. فكأن لجنة النزاهة النيابية اريد لها بشكل او باخر ان تكون عنوانا رقابيا كبيرا ولكن بحجم صغير اعجز ما يكون عن لعب دور مهم في الحياة القانونية للبلاد.
اما هيئة النزاهة التي يتجاوز عدد العاملين فيها المئات من الموظفين وتنتشر مكاتبها في جميع ارجاء البلاد فقد اثبتت الوقائع قلة جدواها في مكافحة اوجه الفساد بالقياس الى المهام الموكلة اليها وقد يكون من اكبر الاسباب في استحقاقها لهذا الوصف انها هيئة كبيرة الحجم بالفعل لكنها محدودة الدور وذلك بحكم النظرة التي تعدها من مخلفات الحاكم الامريكي السابق للعراق بول بريمر وانسياق مسؤوليها رغبة او عنوة مع توجهات الحكومة.
وبشأن مكاتب المفتشين العمومين فإنها بحكم نظامها الداخلي خاضعة لإرادة الوزير، وحسب هذا الخضوع دليلا على عدم استقلال هذه المكاتب في انجاز التحقيقات الادارية لاسيما ان ذاكرة الاعلام العراقي ما تزال تتذكر استماتة بعض وزراء الحكومة في التمسك بالمادة 136 ب من اصول المحاكمات الجزائية، هذه المادة القانونية التي توفر في ثناياها سلطة للوزير في حماية المتهمين بالفساد من موظفي وزارته. وبحسب المراقبة المستمرة فان الكثير من قضايا الفساد التي تُثار من قبل هذه الجهات الرقابية التي سردنا شيئا من واقعها المعاش سرعان ما تغيب عن واجهة الاحداث في ظروف غامضة، ولعل السر في هذا الموضوع يكمن في تعدي السياسة على حدود المهنة.
إن ملفات الفساد المالي والاداري بحاجة فعلية الى قوانين اضافية، ولكن القوانين الاضافية هذه يجب ان تسن بشكل يمنعها من الوقوع في مغبة التداخل في الصلاحيات، هذا التداخل الذي ثبت عمليا بانه السبب المباشر في خفض القيمة الحقيقية لقوانين الرقابة العراقية. فصحيح ان ضبط السجل المالي والاداري الكبير للدولة يستلزم سن شبكة قانونية متنوعة الاغراض بيد ان تشريع القوانين الكثيرة مع وجود جهات رقابية متعددة يفضي بالنتيجة الى حدوث مشكلة تداخل الصلاحيات مثلما يصبح التعدد بحد ذاته كابوسا يؤرق شريحة واسعة من الموظفين ويحد من نشاطاتهم وابداعاتهم بسبب الهواجس التي يثيرها هذا تعدد المراقبين.
إن البيروقراطية بمعنى تعدد الجهات الرقابية وتداخل صلاحياتها تشكل معول هدم مستمر في صرح الديمقراطية ويزداد اذى هذا المعول كلما كانت الديمقراطية قصيرة العمر والتجربة.
* مركز المستقبل للدراسات والبحوث