الرئيسية » مقالات » بعثته الحياة العامة دستوريا

بعثته الحياة العامة دستوريا




يبدو في خضم هذا الاشتباك السياسي – العسكري على الساحة السورية أن تغيير شكل النظام السياسي من خلال إصلاحات أمرا غير قابلا للتصديق حتى لو بلغ بفعل الاصلاح الوصول إلى طرح دستور سوري جديد للاستفتاء العام في السادس والعشرين من شباط لأن سياسة كسر العظم بين المعارضة والنظام قد اتخذت قرارها نهائيا لذلك تبدو كل الاطروحات والتصورات الأخرى غاية في البؤس والتصديق ولو نظرنا بهدوء إلى الدستور الجديد وصدقنا لعبة الاصلاحات التي تشبه العمل على بناء منزل خشبي وسط الجحيم سنلاحظ أمرين هامين :
1 – إن الدستور الجديد خطوة كبرى إلى الوراء على الصعيد الاقتصادي – الاجتماعي كونه يضمن الاستمرار والمثابرة في طريق تطبيق نظرية الجحيم السوري ( اقتصاد السوق الاجتماعي ) والتي كانت الأرضية الموضوعية لانبعاث حركة اجتماعية رافضة وسلمية تحولت لاحقا بفعل عوامل متعددة إلى أزمة وطنية ذات أبعاد مختلفة .
2 – كرس الدستور ولستة عشر عاما قادمة سيطرة الادارة السياسية الحالية, أي أولئك البرجوازيين الجدد الذين انبثقوا من سياسة الفساد والافساد العام وسياسة النهب المنظم للدولة والشعب وبحماية سياسية من القائد السياسي في المجتمع والدولة .
ويمكن تبويب مواد الدستور إلى :
الباب السياسي :
في هذا الباب يكرس الدستور سلطة رئاسية مطلقة, تتحكم وتلغي منطق فصل السلطات كأحد المداخل الفعلية في الدخول إلى فضاء الديمقراطية.
فنلاحظ سيطرة رئيس الجمهورية على السلطة التشريعية من خلال المادة ( 111 ) : ( لرئيس الجمهورية أن يقرر حل مجلس الشعب بقرار معلل عنه ) . والسؤال ما هو درجة ومستوى وحدود هذا القرار المعلل, أليس هذا التعبير بمثابة تلميح ربط مجلس الشعب في حديقة القصر الرئاسي.
فضلا عن هذا فإن الدستور يجعل من رئيس الجمهورية مجلسا تشريعيا بديلا حين يقول في المادة ( 113 ) : ( يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع خارج دورات انعقاد مجلس الشعب أو أثناء انعقادها إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك ) ولم يحدد الدستور ما هي هذه الضرورة القصوى……..الخ.
كما يجعل الدستور من شخص الرئيس حاكما مطلقا وآمرا ناهيا كما جاء في المادة ( 114 ) : ( إذا قام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال أرض الوطن ……….أن يتخذ الاجراءات السريعة التي تقتضيها هذه الظروف لمواجهة الخطر ) ومثل هذه المواد المطلقة الصلاحية والفضفاضة تماما كانت السبب في زج العشرات في السجون بحجة كونهم يشكلون خطرا على الأمن القومي أو يهددون وحدة أرض البلاد ويتم من خلال هذه المواد تعطيل الدستور وتصفية أية معارضة قد تظهر لسبب ما.
ويبقى حسب الدستور الجديد الرئيس الديكتاتور خارج المحاسبة القانونية عن كل مهامه ويستثني الدستور حالة الخيانة العظمى ولم يحدد ما هي هذه الخيانة العظمى, حتى في هذه الحالة لا يمكن فعليا محاسبة الرئيس لأنه محمي دستوريا وبعدة مواد ففي المادة ( 117 ) : ( ………. تجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا ) وهذه المحكمة يعينها نفس الرئيس الذي يحاكم أمامها وفق المادة ( 141 ) : ( تؤلف المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء على الأقل يكون أحدهم رئيسا يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم ) ونسأل لماذا لا تنتخب هذه المحكمة من قبل الشعب مباشرة.
والرئيس حسب المادة ( 97 ) يرأس السلطة التنفيذية باعتباره يتولى تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه وتسمية الوزراء ونوابهم وقبول استقالاتهم وإعفائهم من مناصبهم, وهنا نلاحظ بجلاء بأنه ليس هناك فصل للسلطات فالسلطة التنفيذية تتداخل مع السلطة التشريعية والقضائية .
والرئيس الحاكم بأمر الله هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة, إن الحكم الرئاسي لا يتناسب مع المرحلة التي تمر بها سوريا والمطلوب كان تهيئة الظروف دستوريا لحكم برلماني واضح المعالم يتولى فيه الحزب الأكثر تمثيلا في الهيئة التشريعية العليا ( مجلس الشعب ) تشكيل الحكومة كاملة.
الباب الاقتصادي :
جاء في المادة الثالثة عشرة : ( 2 – تهدف السياسة الاقتصادية للدولة إلى تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع والأفراد عبر تحقيق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية للوصول إلى التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة ) لا أحد يعرف أين ستتجه عجلة الاقتصاد السوري في خضم هذه التعابير الطنانة والرنانة وكانت نفس هذه التعابير المحشوة ضمن هذه المادة سببا فعليا في أحزمة الفقر حول المدن السورية الكبرى وزيادة الاستقطاب الطبقي في المجتمع السوري والمطلوب هو تحديد النهج الاقتصادي بشكل واضح ليكون الأرضية لرسم سياسات ثابتة بالمنهج ومتحركة حسب الظروف.
باب الوحدة الوطنية :
كان من المفترض ايضاح المادة التاسعة بدقة والتي تقول : ( يكفل الدستور حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته وتعدد روافده باعتباره تراثا وطنيا يعزز الوحدة الوطنية في إطار وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية )
والملاحظات هنا :
1 – ما هو هذا التنوع الثقافي , هل هو التنوع الثقافي طائفيا أم طبقيا أم … ؟
2 – ما هي هذه الروافد الثقافية وكيف يمكن أن يكفل الدستور هذا التنوع, هل من خلال صهره بالثقافة العربية – الاسلامية ؟.
3 – كيف يكون التنوع الثقافي محميا ولا يسمح دستوريا حسب المادة الثالثة القائلة بترشح من دينه الاسلام لرئاسة الجمهورية ؟.
ويمكن سرد الملاحظات المتتالية على هذا الدستور غير أنه يمكن القول بأن هذا الدستور لا يفي بأغراض التغيير المنتظر ولا يوحي بقدرته على جلب الجماهير إلى السياسة ولا يوضح مستقبل الشعب السوري الاقتصادي وأنه خليط من المواد تسيطر فيه السياسة على المفاصل الأخرى ويسيطر تفاصيل انتخاب وصلاحيات الرئيس على مجمل البنود المتعلقة بتحريك المظهر السياسي السوري .