الرئيسية » مقالات » ذكريات من موسكو عن ميخائيل مارغيلوف

ذكريات من موسكو عن ميخائيل مارغيلوف

بعد أشهر قليلة، تمر ٢٠ سنة منذ أن غادرت موسكو، المدينة التي احببتها كثيرا، لاني قضيت فيها أحلى سنوات أواخر شبابي، وتعرفت فيها على أصدقاء كثيرين من العراق ومن دول أخرى،اعتز بصداقتهم واتابع أخبارهم ما استطعت الى ذلك سبيلا . غادرت موسكو في شهر آب عام ١٩٩٢متوجها إلى السويد، حيث أعيش منذ ذلك الوقت.
في عام ١٩٩١ ، وكنت حينذاك أعمل مترجما في وكالة تاس للانباء ، دخل علينا في القسم العربي شاب طويل القامة ، عريض المنكبين ، احمر الخدين، وقدم نفسه ميخائيل مارغيلوف محرر جديد، رحبنا به جميعا، وتمنينا له عملا مثمرا معنا. وانعقدت بيننا صداقة، خاصة واننا كنا نعمل معا في كثير من الوجبات الليلية التي تبدأ في الرابعة عصرا وتنتهي في الواحدة والنصف ليلا، كنت احاول معه كثيرا ان يتحدث بالعربية الا انه كان يعتذر ويرتبك ، قلت له مرارا ان من الضروري ان يحاول الحديث ولايهتم للاخطاء التي قد يرتكبها في الحديث، وبينت له اني عملت مع كثير من المحررين في دار رادوغا فرع طشقند وكانوا قد عاشوا سنوات طويلة في البلدان العربية ومع ذلك كانت طريقة حديثهم بالعربية تبعث على الضحك الا انهم كانوا لا يتكلمون معي الا بالعربية ، لانها، حسب رأيهم، فرصة لا تعوض للتعلم. وضربت له مثلا ايضا زميله الذي سبقه في التعيين عندنا باشهر اندري مورتازين الذي يحاول دائما الحديث معنا ، نحن المترجمين ، باللغة العربية.(صار أندري مورتازين مراسلا لعدة محطات فضائية عربية في موسكو ومحطات فضائية روسية في البلدان العربية وهو مدير احدى المحطات الفضائية الروسية الان كما علمت).
ولكن ورغم الحاحي عليه الا اني لم اسمعه يوما يتكلم العربية. كان يتظاهر بانه يفهم كل شيئ أقوله بالعربية، ولكنني كنت اشك بذلك وزادت شكوكي حي كان يقول لي ونحن لوحدنا في القسم اعتقد انه ليس هناك داع لان أقرأ بعدك فترجماتك دقيقة كما لاحظت .
وفي يوم من الايام قلت صارحني يا ميشا لماذا اخترت اللغة العربية في معهد العلاقات الخارجية الذي يصعب الدخول اليه الا لذوي الكفاءات والمتميزين في الدراسة قبل الجامعية. قال لم ارغب بها ولكني حفيد جنرال كبير في(المخابرات الروسية- الكي جي بي) وارسلت الى المعهد الذي يضمن مستقبلا جيدا وفيه امكانية كبيرة للعمل والسفر خارج الاتحاد السوفيتي . ومرت الايام على عملنا معا حتى جاءني يوما وقال لي احتاج الى مساعدة قد يستطيع آخرون تقديم يد العون فيها لكنني فضلت أن ألجأ لك .والدتي مريضة واحتاج الى شراء بعض الادوية لها غير متوفرة الا بالعملة الصعبة . أعطيك روبلات وتعطيني الدولارات. قلت له شكل طرحك للموضوع خاطئ . أنا اعطيك ما تريد ولكن ليس كتصريف عملة وانما كدين تعيده لي متى ما استطعت والمبلغ الذي طلبته تافه وحتي لا تحتاج إلى إعادته. إعتذر مني وحضنني وشكرني.. في الايام التي سبقت مغادرتي موسكو ذهبت الي القسم العربي كي اودع العاملين فيه وكان هو هناك . قال لي وكيف بالذي بيننا ،لا استطيع ان ارده لك . قلت له انس الامر، لا دين بين الاصدقاء
في اثناء الازمة بين يلتسين والبرلمان الروسي ، خابرت القسم وتحدثت معهم طويلا .
وتبدلت ارقام التلفونات في موسكو .
ومرت الايام واذا بي اسمع اسم ميخائيل مارغيلوف في التلفزيون الروسي. رئيسا لاحد الاقسام في البرلمان الروسي ثم مندوبا لدى الاتحاد الاوروبي وأخيرا ممثلا شخصيا للرئيس الروسي الى البلدان العربية ( السودان ، ليبيا وغيرها). ذلك هو ميخائيل مارغيلوف
كتبت هذه الذكريات بعد ان عرض التلفزيون الروسي ظهر اليوم فلما وثائقيا عن جده الذي كان قائدا كبيرا في الجيش السوفيتي ومسوؤلا عن سلاح الانزال الجوي. لسنوات طويلة، ولديه خمسة أبناء ساروا على خطاه ووصلوا الى مناصب رفيعة في الجيش السوفيتي والروسي.
بوتين ومدفيدييف يختاران الاشخاص المضمونين ، أو ربما يفرضون عليهما فرضا….علم ذلك عند ميخائيل مارغيلوف والمؤسسة العسكرية في روسيا