الرئيسية » مقالات » ملاحظات حول {الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق}

ملاحظات حول {الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق}

منذ فترة طويلة ونحن ننتظر بفارغ الصبر صدور مسودة وثيقة الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم العالي في العراق، وهي الوثيقة التي اعلن نائب رئيس الوزراء، صالح المطلق، في تشرين الاول الماضي عن الانتهاء من إعدادها ووصفها بأنها ستكون الاطار الوطني الاعلى والاسمى لعمل الوزارات القطاعية في مجال التربية والتعليم العالي. ووعدنا مستشار وزارة التعليم العالي الدكتور صلاح النعيمي في بداية هذا الشهر بنشر الوثيقة في خلال اسبوعين.

ولاني كنت قد اطلعت على مسودة الإستراتيجية سابقا فقد ارتأيت عدم انتظار اعلانها والبدء بالتعليق على جوانب مهمة منها وبصورة تدريجية. وقبل ان ادخل في هذه المواضيع احب ان أؤكد اتفاقي التام مع الدكتور النعيمي من حيث اعتبار هذه الإستراتيجية خطوة في طريق بناء التربية والتعليم العالي باتجاه العمل المؤسساتي وللارتقاء نحو الرصانة بما يتناسب مع التوجهات العالمية المعاصرة.

بدت الستراتيجية لي من الصفحات الاولى جادة وواضحة في تحديد مكامن الخلل في النظام التربوي العراقي، فأسهبت في سرد نقاط الضعف في المنظومة التشريعية، والإدارية، والبنية التحتية، والفرص المتاحة، والجودة، والتمويل، والبحث العلمي. وشخصت واقع التربية والتعليم العالي في العراق بصورة علمية وفنية عالية، وبعيدة عن التوجهات السياسية قصيرة النظر والمواقف الفئوية الضيقة، ورسمت سياسة تتصدى للتخلف من خلال خلق بيئة صحية تتناسب مع التقدم العلمي والتربوي والتكنولوجي في العالم، فوضعت اهداف طموحة وخيارات استراتيجية لرفع الواقع التربوي والعلمي في العراق، واقترحت الخطوات العملية المطلوب إتخاذها لتنفيذ هذه الخيارات.

من مكامن الخلل في النظام التربوي العراقي، شخصتْ الوثيقة بصواب التحدي الذي يواجه عمل وزارتَي التربية والتعليم العالي، والذي يكمن في المشاكل الادارية التي يعاني منها الهيكل التنظيمي للوزارتين، والمتمثل باتباع التنظيم العمودي والمركزي، والمتسبب بانعدام مرونة القوانين، وعدم مواكبتها للتغيرات السريعة في القطاعات التعليمية الدولية مما يشكل عائقا امام عمل الجامعات واستقلاليتها. وتؤكد الوثيقة على وجود تداخل وتضارب وعدم وضوح كبير في الصلاحيات الخاصة بكل مستوى من المستويات الادارية. ولحل هذا المشكل توصي الستراتيجية بتشريع قانون جديد يضمن القضاء على التداخل، وزيادة مستوى اللامركزية، ودعم استقلالية الجامعات والمديريات العامة للتربية.

لم تتطرق الوثيقة الى مفهوم استقلالية الجامعات، وبدا واضحا عدم رغبة الخبراء في وضع توجهات استراتيجية واضحة في هذا المجال وترك الموضوع مبهما بحيث تلابس الامر بين الاستقلالية واللامركزية. كان بالاحرى تقديم اهداف واضحة عن هيكلية التعليم العالي ومؤسساته بالاعتماد على رؤية جديدة لمستقبل التعليم العالي، وعلاقة الجامعات بالوزارة لغرض ترشيد المؤسسات القائمة، واستحداث مؤسسات جديدة انطلاقا من الأسس العامة لاسلوب الحكم الذاتي المتمثل في استقلالية المؤسسات التعليمية، واعتبار كل جامعة حرم ذو حصانة تتمتع بشخصية اعتبارية.

ولابد لي، ونحن في هذا السياق من اقتراح اسلوب عملي على أساسه يتم الفصل بين مركزية التخطيط والاشراف من قبل الوزارة، واستقلالية الشؤون الادارية والاكاديمية للجامعات، بحيث يحكم الوزارة وزيرها وجهازها الاداري بالاضافة الى مجلس وزارة يضم ممثلين عن جميع اصحاب المصالح المتعلقة والفئات صاحبة المصلحة من رؤساء الجامعات والاساتذة والطلبة والخريجون والوزارات القطاعية خصوصا وزارة التربية ووزارة العلوم والتكنولوجيا والقطاع الخاص وعلماء وخبراء تربويين من داخل وخارج العراق. وبحسب هذا الاقتراح تتضمن مسؤوليات الوزارة التخطيط ، ووضع الاطار العام للسياسات لتطوير التعليم الجامعي واعداد الدراسات التربوية، ومشاريع القوانين والترخيص والمراقبة والاشراف ومعادلة وتصديق الشهادات والتمويل وارسال البعثات الدراسية الى خارج العراق والاشراف على المكاتب الثقافية في الخارج، بينما تحكم الجامعات نفسها بنفسها وذلك بتشكيل مجلس أمناء لكل جامعة لغرض الاشراف على ادارة اعمالها، وان تدار الشؤون الادارية والاكاديمية والمالية من قبل مجلس أداري/أكاديمي حسب نظام داخلي خاص بالجامعة.

ولان الجامعة بهذا المفهوم تعتبر مؤسسة تتمتع بشخصية اعتبارية فلها الحق في تغيير هيكليتها وبما يتناسب ونظامها الاداري والاكاديمي، فعلى سبيل المثال، يتم اعتماد هيكلية المدارس او الأقسام كوحدات رئيسية للبرامج الاكاديمية بدلا من الكليات لتقليل الازدواجية في الأقسام بالتقنين والاندماج على اساس الجدوى الاقتصادية، كما لها الحق في منح او الغاء البرامج والدرجات العلمية بما يتناسب وامكانياتها الاكاديمية، وتعين او فصل منتسبيها، وتحديد منهجيات التعليم والتعلم الخاصة بها.

ان استراتيجية تحقق للعراق موقعا عاليا في المجتمع العلمي والتكنولوجي العالمي لابد لها ان تقدم بديلا للهياكل الاكاديمية الحالية استنادا لحاجة السوق والمجتمع المحلي والعالمي، ومنها التركيز على انتاج المعرفة العملية والمهنية، وحصر العلوم الاجتماعية والانسانية بصورة تتناسب مع الحاجة لها، وتجميد البرامج عديمة الجدوى، فليس من المعقول ان تكون في احدى الجامعات العراقية سبعة اقسام لاختصاص واحد، ولابد أيضا من اعادة النظر في الفصل التقليدي بين الاختصاصات.

الدراسات العليا لم تعد وسيلة من وسائل تطوير البحث العلمي، وانما وسيلة لمنح الشهادات، وإن كثرتها التي اصبحت بالمئات وفي اختصاصات لا توجد حاجة ماسة اليها ادى الى تضخم عدد حملة الدكتوراه المحلية في الاقسام الاكاديمية نتيجة عدم وجود مجالات عمل أخرى لهم في مؤسسات الدولة الاخرى، فاصبح البحث العلمي عملية مهنية اكثر من كونها اكاديمية. تشير الإستراتيجية إلى أن عدد الرسائل والأطروحات من عام 2003 الى 2008 بلغت ما يقارب 24500 وهذا رقم هائل اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار العدد الضئيل من التدريسيين من حاملي الدكتوراه والمؤهلين للإشراف على طلبة الدراسات العليا، وشحة الأجهزة والمعدات والمصادر المكتبية، بالاضافة الى عدم حاجة السوق الى معظم الخريجين من حملة الماجستير والدكتوراه. ومع هذا فان الإستراتيجية تؤكد على ضرورة توسيع فرص القبول في برنامج الدراسات العليا المختلفة من دون ربط هذا التوسع بحاجة السوق، او بالاختصاصات العملية، أو بتوفر الأساتذة المؤهلين للإشراف. اني اعتبر ذلك نتيجة طبيعية لما يواجه التعليم العالي من الطلب الواسع على الدراسات العليا خصوصا من قطاعات اجتماعية تعتبر الشهادة العليا ولقب دكتور بالخصوص ميزة اجتماعية عليا قبل ان تكون ميزة سوقية مما يجعل التركيز بالدرجة الاولى على التوسع الكمي خصوصا في الدراسات النظرية. لذا كان من الأفضل قبل تحديد عدد الجامعات والطلاب معرفة درجة الهدر في التعليم الجامعي، وتشخيص اسبابه، وبالتالي وضع اهداف لردئه وانقاص معدلاته.

وبرغم من أن أهداف الإستراتيجية هو بناء عدد هائل من رياض الاطفال والمدارس الابتدائية والثانوية والمهنية، وهذه اهداف سامية ضمن نوايا رائعة وجميلة، إلا إنها تتضمن أيضا استحداث 21 جامعة حكومية جديدة. وهنا أيضا تم اقتراح هذا العدد الهائل من دون أن ياخذ بنظر الاعتبار نوعية الاختصاصات وحاجة سوق العمل وتوفر الاساتذة المتخصصين وما يؤدي اليه التوسع الكمي من إهمال للجوانب النوعية للنظام التعليمي وانخفاض مستوى الطلاب والخريجين. ان هذه الاهداف تضعنا امام تساؤل عن دور الجامعة التقليدي ودورها الجديد؟ فالدور التقليدي هو توفير المعرفة التي تؤهل الخريج للحصول على شهادة ووظيفة، ومن دون الاستهانة بهذا الدور، الا ان الدور الإستراتيجي الجديد هو انتاج المعرفة وهذا على ما يبدو ما تريده الإستراتيجية المقترحة للجامعات العراقية بالرغم من ان تحقيق ذلك يحتاج الى إصلاح مراكز انتاج المعرفة نفسها واعني بها الجامعات بشكل خاص بما يضمن لها من مواكبة عصر الانفجار المعرفي، وهذا بالضرورة يتطلب تركيز الموارد المالية والبشرية لتحقيق الاصلاح وتوجيه التعليم العالي الى وظيفة انتاج المعرفة وإحداث تغيير جذري في القيم والحوافز الاجتماعية وتشجيع نشاطات البحث والتطوير والابتكار والانسياب الحر للمعلومات والافكار.

رؤية ورسالة الإستراتيجية في ضرورة إصلاح نظام التربية والتعليم وتطويره بما يجعله منافسا للمجتمع العالمي القائم على اقتصاديات المعرفة هو وصف وصياغة لصورة مستقبلية رائعة، إلا ان الاتجاه حول تحقيق هذا الاصلاح تشوبه الضبابية لأن الاهداف الكبيرة التي وضعتها الإستراتيجية غير قابلة للتحقيق من دون تحسين مستوى المدرسين، وإن الطريق الوحيد لتحقيق نتائج افضل هو بتحسين الأداء، وهذا يتطلب من المؤسسات التعليمية تعليما وتربية للطلاب اكثر ملائمة لعالم اليوم من حيث تمتع الطلاب بمهارات ابداعية ولغوية وفنية وانتاجية واحترافية، وبقابليات اتخاذ القرارات، والقدرة على العمل المستقل، وهذه بمجملها لا تقل أهمية عن المعلومات المكتسبة في موضوع دراسي محدد. وكان من المهم ان تضع الستراتيجية طريقا لتطوير تعليم اللغات وجعل المدرسة وغيرها من المؤسسات التربوية ميادين التجديد، وتبني المستحدثات الحديثة من خلال الانفتاح على الحضارة المعاصرة والاستفادة من تجارب الشعوب. وهذا يتطلب تطوير منهج تدريس اللغات في المرحلتين التعليميتين، الابتدائي والثانوي، والتركيز على المهارات الأساسية التي تمكننا من مواصلة التعليم والتعلم باللغات الأخرى التي تنقل منها العلوم والمعارف والمهارات. ويتم ذلك بالبدء فى تعليم اللغة الإنجليزية، بدءً من الصف الأول الإبتدائى كإيمان بأهمية تعلم اللغات منذ سن مبكرة. أما الجامعة فدورها في تعليم اللغات يتركز في تأهيل مدرسي اللغات والمترجمين ومن يحتاجهم سوق العمل. إني مقتنع بأن تخلفنا العلمي والتكنولوجي يعود بدرجة كبيرة الى تخلفنا في اللغات العالمية، لانها الوسيلة الأساسية في اقتباس المعلومات وكسب العلوم ونقل التكنولوجيا، وبها أيضا ننقل علومنا وابتكاراتنا واكتشافاتنا وكل ما يمكن ان نساهم به لتطوير الحضارة الانسانية الى العالم.

لا يمكن لاية استراتيجية للتربية والتعليم العالي ان تهمل العقول البشرية، فالتحدي الراهن والمستقبلي يتطلب الاستفادة من كل القوى البشرية القادرة على تحديث نوعية التعليم، وتحسين جودة المخرجات التي تلبي احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية. ومع هذا فقد أهملت الإستراتيجية عنصرا مهما لدعم القدرات البشرية في منظومتي التربية والتعليم العالي، ألا وهي الكفاءات والخبرات والعقول البشرية في الخارج. في العالم لا يختلف اثنان حول أهمية الكفاءات المهاجرة في بناء البلد الا في العراق، فشأن هذا الموضوع شأن المواضيع الساخنة الأخرى التي تعرقل حل المشاكل والقضاء على الازمات ودفع مسيرة التطور الاقتصادي والاجتماعي الى الأمام. في العراق فقط ترى حالة عدم احترام القدرات العلمية والكفاءات التي ترغب صادقة في خدمة وطنها، وتسود آراء عدائية نحو كفاءات الخارج منها ما يؤكد على عدم إحتياج العراق الى هذه الكفاءات، وبأنها غريبة عن تربة الوطن ولا تفهم مشاكله، ولا تستطيع ان تقدم حلولا لها. هل ان من يبرع ويبدع وينتج في الخارج لا يستحق الرعاية والتقدير في الداخل؟ يؤخذ على الإستراتيجية أنها عكست الحالة السائدة والشاذة في العراق فلم تضع أهدافا لتحفيز وجذب العقول العراقية المهاجرة. هل ان سياسات الاستفادة من الكفاءات في الخارج لا تبنى على استراتيجية؟ لقد سبق وان طرحنا مبدأ “تحفيز الكفاءات على استثمار طاقاتها داخل العراق”، ولتحقيق هذا المبدأ يتطلب وضع الاجراءات الضرورية، وخلق الآليات العملية، وتخصيص الأموال اللازمة لزيادة ميزانيات البحث والتطوير، وبوضع التعليمات التي تؤدي الى تشجيع وتسهيل عودة علماء وكفاءات الخارج، وبزيارة الوطن، والمشاركة في بنائه عن طريق تقديم الخبرة والمشورة. أليس هذا هدف استراتيجي سامي جدير بالاعتبار والاهتمام؟

هذا ما احببت طرحه في هذه المناسبة، وسأعود الى الموضوع بعد طرح الإستراتيجية للمناقشة العامة لغرض إثراء الحوار حولها، وهدفي هو تطوير الرؤية المستقبلية لقطاع التربية والتعليم وردف عملية التخطيط والتنفيذ.

23/02/2012